التجديد الثقافي ضرورة وطنية
انتشرت في السنوات الأخيرة دعوات كثيرة للتجديد وضرورة التغيير الاجتماعي ، و تعزيز الفعل الثقافي ، على إثر الأحداث الدامية التي تشهدها المنطقة برمتها مع إستفحال التنظيمات الإرهابية ، و لكن هناك أسئلة أساسية بقيت بعيدة ، لا يقترب منها المثقف لأنها تمس ذاته : ما الجديد الذي نريد؟ و من الذي يستطيع تحديده؟ أهو السياسي ، أم الاجتماعي، أم الأديب و الفنان، أم المثقف؟ و هل يستطيع المثقف الحالي تحديد هوية هذا الجديد ، و هو نتاج للسياق المعرفي الثقافي الممتد منذ وجوده إلى الآن؟ و ما هو مسار التجديد الذي نتوخاه؟
عادة يتوجه المثقف، في فعله النقدي، من ذاته التي يعدها ذاتا عارفة و قادرة على التأثير إلى المجتمع بوصفه موضوعا للتغيير، لكن السؤال الجوهر و الأكثر جرأة: هل يستطيع هذا المثقف الذي يعد مُنْتَجا للسياق المعرفي أن يغير هذا السياق؟
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون جديدة و واعية لتناقض ذات المثقف و خرابها، ليقر أن مسار فعل التغيير يجب أن يتجه من هذه الذات إليها، بمعنى أن يحمل المثقف معول الهدم المعرفي البَناء، بكل جرأة و ثورية، و يوجهها نحو ذاته، بوصفها مُنْتَجا معرفيا ثقافيا لسياق يحمل كل التناقض و الاصطراع الذهني الفكري النظري، الذي يتجسد في نظرية الفعل الثقافي وانعزاله عن الوجود العيني، إذ غالبا ما يدور هذا الفعل في الوجود اللغوي فقط.
على المثقف الاعتراف بأنه جزء من الخراب الثقافي ، و أن عليه الإسهام في بناء شخصية وطنية جديدة ، تبدأ في فضاء الوجود الفعلي العيني و ليس اللغوي النظري ، و تحديدا في حقل التعليم ، الذي يشمل جميع المجالات المعرفية و يحدد مساراتها لدى الشخصية المنشودة .
إن الموضوع المشكل الأساسي الذي يواجه فعل التغيير الثقافي يتمثل في مفهوم الثقافة من وجهة النظر الوطنية ، إذ غالبا ما يحشر في زاوية الأدب و الفن، كما نرى في أغلب الوسائل الإعلامية التي تسمي أقسامها الأدبية الفنية بالقسم الثقافي، حتى أصبح هذا المفهوم، في الوعي الجمعي الوطني ، مرتبطا ارتباطا عضويا بالأديب و الفنان فقط ، في الوقت الذي يجب أن يتم التعامل معه على أنه مفهوم شمولي يرتبط بالسلوك ، بوصف هذا الأخير تعبيرا نهائيا عن ثقافة الفرد أو المجتمع . هذه الرؤية الشمولية للثقافة تضع التعليم في بؤرة التغيير والتجديد الثقافي، على اعتبار أن التغيير مشروط بالضرورة بالزمن والتراكم المعرفي، فهو غير مرتبط بالمدى المنظور أو المتوسط، وإن كان يشملهما ضمن الفعل التراكمي المرحلي ، فبناء شخصية وطنية جديدة تمتلك مفاتيح التحول الواعي لا بدّ له من زمن طويل يحتضن الفعل المتتابع خطيا نحو الهدف الأساس ، فهل قدم المثقف رؤية واعية و منهجية للفعل الاجتماعي، أم بقي في دوائر الخطاب الدعوي الذي لا يقدم إلا أمنيات لغوية فقط؟ و لكن، هل يبدأ التغيير بقرار؟ و من صاحب هذا القرار : الدولة ، أم المثقف الفرد، أم الفعل الثوري ؟
تبقى الأسئلة معلقة بين الواقع الوطني القائم، بكل ما يحمله من تيه في الرؤى و تنظير غير مؤثر و لا يأخذ بالتراكم المعرفي منهجا و سبيلا للتغيير الثقافي ، و بين الطموح الفردي الذي لم يتطور ليصبح فعلا جمعيا يخرج بالتغيير من حيز القول النظري إلى القرار و الفعل .
سجاد طعمة بيرقدار
























