درس في الصداقة والوفاء
والدي رحمه الله كان فلاحاً بسيطاً ولد في قضاء الهندية وكان الوحيد لوالده بعد أربع بنات و قد أسماه عطية و قد اعتبره عطية وهبة من الله.
و لتعويض نقص حنان الاخوة كان والدي رحمه الله شديد التمسك و التواصل مع اقربائه من أبناء عمومته عطوفاً جدا على شقيقاته و كان كريم النفس باذخ العطاء و لا يستثني حتى من يشعر بأنه يبغضه بل يكون عطاؤه أكثر و اكبر له و عندما نسأله عن السبب يقول كثر الكرم يكسر عين الأليم .. و يقصد هنا أن الكرم سيجعله يشعر بالخجل ..
و قرر والدي رحمه الله أن يكون قريباً من أخوة زوجته .. اخوالي . . فقرر الانتقال مع الحلاوية الجميلة كما كانوا يسمونها نساء اقربائنا ويقصدون والدتي رحمها الله .. ولأنه رجل عملي يحب أن يعتمد على نفسه في كل شيء بحث لنفسه عن عمل فوجد ضالته في أن يكون متعهداً و مؤجراً للحمامات الشعبية .. و كانت مهنة تدر الكثير من المال خاصة في موسم الشتاء حيث يتجه الناس إلى الحمام الشعبي بحثا عن المكان و الماء الساخن . لكنه في نفس الوقت كان كثير التنقل حيث تنقل بنا من مدينة الحلة إلى قضاء الهاشمية بعدها إلى قضاء الصويرة و منها انتقلنا إلى ناحية الاسكندرية و القرية العصرية التي وجد ضالته فيها و بقينا فيها أكثر سنوات عمرنا و شعرنا بالاستقرار و هناك تعرفت و عشت أجمل ذكريات الطفولة و الشباب مع اروع أصدقاء و قد تعلمت من والدي درساً كبيراً في الصداقة و الوفاء من خلال علاقة والدي و صداقته برجل أنيق و جميل و ثري جدا و كنت انصت إلى حديثهم و مزاحهم و كنت دائما أسأل نفسي كيف اجتمع صديقان بينهما الكثير من الفوارق الطبقية و العادات و حتى اختلاف البيئة حيث كان والدي ينحدر من منطقة ريفية نائيه في ذلك الوقت بينما صديقه سفير الجنابي كان من العاصمة بغداد وجد ضالته التجارية في القرية العصرية و انطلق في مشاريع مربحة جدا حيث كان صاحب امتياز و وكالة لشركات عالمية في الاجهزه الكهربائية و الساعات الفاخرة ايام ما كانت كل الأجهزة المنزلية و الكهربائية و الساعات الجدارية و اليدوية بل حتى أقلام الحبر كانت ماركة عالمية تجدها في كل الأسواق الشعبية و الكبيرة في المدن الكبيرة كما تجدها نفسها في الأسواق الحرة . وكان صديق والدي أيضا يملك معامل لإنتاج أكياس النايلون و معمل آخر لصناعة و إنتاج خرسانات البناء .
و في يوم قررت أن أسأل والدي عن سر هذه العلاقة و ديمومتها رغم الفوارق فأجاب والدي رحمه الله جواب مختصر و عميق ومازال عالقاً في ذاكرتي المتعبة حيث قال (( شوف وليدي اثنين ما خليناهين بيناتنا .. الفلوس و النساء .. )) و من يومها احترمت علاقتهم أكثر و لما فرقهم الزمن بعد رجوع والدي إلى مسقط رأسه و مرضه الخبيث في سنواته الأخيرة و صديقه أيضا اعتمد ما تدره المعامل بالإضافة إلى محطة الوقود وتواجده في العاصمة .. وبعد سنوات من الفراق جاء صديق والدي ليسأل عنه و كان موقفاً رهيباً مازلت كلما تذكرته بكيت عندما اجبته أن صديقك الذي تحب قد فارق الحياة منذ سنتين هنا بهت الرجل ثم احتضنني وهو يجهش بالبكاء و يعاتبني بحزن و هو يشدني بقوة دون أن يشعر لماذا لم تخبروني لماذا ..
هربت بالبكاء و خبأة وجهي بكلتا يدي و لم أستطع أن أقول له أن والدي في أيامه الأخيرة كان يذكره ويشتاق له رغم الم المرض و ذهبت لابحث عنه لكن لم يدلني أحد عليه ..
اقارن قصة والدي و صديقه بين ما أراه من علاقات و صداقات في هذا الزمان تنتهي سريعا بانتهاء حاجة المال أو بخيانة سببها النساء .
فاضل المعموري – بغداد
























