تذكروا معي مجلس الإعمار – مقالات – فيصل العايش

430

fasel  al iysh

تذكروا معي مجلس الإعمار – مقالات – فيصل العايش

في زمن ما، ليس بالبعيد عنا ولا بالقريب، كان لدينا مجلس وطني هو مجلس الاعمار مهمته التخطيط والبدء باعمار البلد، حين كانت هناك نية حقيقية للاعمار والاسكان، والانطلاق الى دولة حضارية عمرانية تخطو خطواتها الاولى في مسيرة التقدم نحو المستقبل.كان ذلك عام 1950 ابان العهد الملكي وقد ضم في مجلس اداراته خيرة ابناء البلد من التكنوقراط والاكاديميين وخريجي الجامعات الاوربية في حقول الهندسة والاعمار وتم تخصيص سبعين بالمائة من واردات النفط ميزانية له وما تبقى من الميزانية تم تخصيصه للدولة  ومتطلباتها!

وقد تم ترشيح اعضاء مجلس الاعمار من ستة من الخبراء التكنوقراط وهم السادة علي حيدر سليمان وبابا علي الشيخ محمود الحفيد ونديم الباجه جي ومحمد حديد وصالح مهدي حيدر وعبد الامير الازري ومنهم من تخرج من جامعات ولندن وبيروت وكاليفورنيا وبدأت على الفور عجلة الاعمار فأنشئ سد الثرثاء والرمادي وحوض دجلة والحبانية ودربندخان ودوكان وجسور الكوفة وطويريج والطرق التي تربط بين النجف والحلة وبغداد وظلت الكثير من المخططات والمجسمات والمشاريع هي الاساس لبدء العمل بها حين تم الغاؤه وتأسيس وزارة التخطيط عوضاً عنه.الان ماذا يمكن لأية مؤسسة اعمارية ان تفعل، سواء كان على صعيد التخطيط او التنفيذ، كوزارة التخطيط أو وزارة الاعمار والاسكان، هل ستكتفي هذه المؤسسات بعمل الاحصائيات عن عدد الدور المهدمة في مدن العراق وعن عدد الجسور المحطمة والطرق التي لم تعد تصلح لان تكون طرقاً للسابلة فكيف بوسائط النقل، وعن مقدار حاجة البلد من الطابوق والسمنت والحديد والايدي العاملة، هذا اذا كانت ميزانية العراق تستطيع ان تتكفل بذلك في ظل الاوضاع الاقتصادية المتدهورة وانهيار سعر برميل النفط  فضلاً عن جيش كامل من الفاسدين الذين استمرأوا  مال الدولة الحلال فحولوه الى جيوبهم وخزائنهم في وقت انه ملك للشعب لكي تبنى به السدود وتشيد به الطرق والمجمعات السكنية والعمرانية.ماذا يمكن لميزانية فارغة ان تقدم غير الهواء لبناء مدن وقرى واقضية وقصبات ديالى وصلاح الدين والانبار ونينوى التي طالتها يد التخريب والدمار على ايدي ثلة ظالمة مهووسة بالحقد والثأر وقراءة التاريخ بالمقلوب والعبث بمقدرات الشعوب.اولئك القادمون من غياهب الجهل والتخلف والتكفير والذين يفرضون على الناس قوانين الموت والتدمير واحتقار انسانية بنى ادم.سوف لن تستطيع ميزانية العراق تأسيس مجلس اعمار جديد بتلك الكيفية التي تم انشاؤه بها عام 1950، ولن يكون امام ذوي الشلأن الا التوجه الى ما صرنا نسمع به مؤخراً وهو مصطح (الدولة المانحة) اي ان نستجدي من دول العالم المتقدم او ان نفترض من صناديقها وخزائنها عبئاً جديدا مع فوائدها على ابن الشعب المسكين الذي سيظل مرتهناً لها هو وابناؤه واحفاده!ان الدول المانحة او الصناديق القارضة لا تقدم معوناتها لوجه الله تعالى، بل تفرض شروطاً قاسية ستضطر الدولة الى قبولها، لانه ليس بيدها من حيلة اخرى لمعالجة حاجات الناس والبلد، خاصة وان الانسان العراقي صار يطلع على احوال دول في هذه البسيطة متنعمة وآمنة وهي لا تملك برميلاً واحداً من النفط، وصار يستغرب مما وصلت اليه حالة احد اغنى بلدان العالم ومازال يشرب الماء ملوثاً ومالحاً ومدنه مهدمة وبيوت ابنائه تحطمت سقوفها وجدرانها، وسدودها المائية مهددة بالانفجار في اية لحظة وطرقاته مغلقة بجدران السمنت العالية، وفيه الملايين تحت خط الفقر بل يسكنون في طرائف سعف النخيل وجذوع الاشجار.

مشاركة