إغتصاب رقيم الطين… من سرق آثار العراق ؟

811

13177885_1035025346577877_3924437012844751257_n

إغتصاب رقيم الطين… من سرق آثار العراق ؟

تواطؤ أمريكي إسرائيلي على إبقاء العراق بلا تاريخ

أحمد الباقري

اصدرت دار نشر (امل الجديدة) كتاباً تحت عنوان (اغتصاب رقيم الطين) للباحث والمترجم امير دوشي وهذا الكتاب يعرض كيفيّة توظيف وسائل ألأعلام في الدفاع عن ألآرث الحضاري والثقافي، وكُتب على غلافه : اعداد وتحرير امير دوشي ، وهذا النمط من الكتب لم نعهده في كتبنا العربية وهو غير مألوف وغير شائع لدينا ، غير انه مألوف في الكتب ألأجنبية، فيعمد محرر هذا الكتاب الى ترجمة مواضيع ذوات صلة مشتركة وتقييس مقالات تمنح من ساق الموضوع ذاته وذوات اجواء متشابهة ، وهذا مافعله ألأستاذ امير دوشي ، فقد تطرَّق فيه الى موضوع آلآثار العراقية ، وقد ترجم بعض المقالات عن موضوع آلآثار وكتب موضوعات تخصُّ آلآثار ، ونشر بعض المواضيع المترجمة ، كما وانه نشر فيه مقالات لكتاب تطرقوا الى موضوع آلآثار العراقية .

وتاتي اهمية هذا الكتاب بكونه اوّل كتاب باللغة العربية يتطرق الى نهب وسلب وسرقة آلآثار العراقية بعد التغيير في نيسان 2003 ، انه كتاب مهم لأنه كتاب ايقاظي ، فمعْظَمُ المواطنين العراقيين جاهلون بأهمية آلآثار العراقية بل ان بعضهم يرفضها رفضاً قاطعاً وخاصة التماثيل ويعتبرها(أصنام) يجب تهشيمها كما هَشَّم المسلمون ألأوائل أبان الدعوة ألأسلامية اوثان هُبل واللات والعُزى ، لأنها تُمثّل آلهة عَبَدَها ناس وثنيون لايؤمنون بالله خالق الكون. بل ان بعض ألأسلاميين أستحسن سرقتها ونهبها ، وقد قالوا بان اللصوص أسدو خدمة لنا بتخليصنا من هذه (ألأوثان)

اما الرقم الطينية وألأختام ألأسطوانية ، فيعتبرها هؤلاء المتطرفون متعلقات بهؤلاء الوثنيين وينبغي تكسيرها واتلافها وابعادها عن ارض العراق التي سكنها المسلمون المؤمنون بالله .. الواحد الصمد الذي لاشريك له .

شرح تاريخي

(1)

وتكمن اهمية الكتاب في شرحه التاريخي لعمليات السلب والنهب للآثار العراقية الاتي تعتبر ألآرث الثقافي والحضاري للعراق منذ نشوء الحكومة العراقية سنة1921 وحتى ايامنا هذه ، ويشير معده عن طريق نشره لمقالات عن سرقة ألآثار الى ان عمليات السلب والنهب للآثار بعد سنة 2003 لم تكن هي ألأولى في تاريخه بل انها جرت قبل هذا التاريخ أبان ألأضطرابات السياسية وألأنتفاضات التي جرت في تاريخ العراق . وتمتد اهمية هذا الكتاب الى عملية توظيف وسائل ألأعلام في الدفاع والحفاظ على آلآثار العراقية ومساهمتها في كشف عمليات السلب والنهب التي قام بها اللصوص للآثار العراقية ، وكذلك قيام وسائل ألأعلام بأصدار نداءات الى المنظمات الثقافية في الدول المتحضرة للتعاون من اجل انقاذ ألأرث الحضاري للعراق .

لقد اقتبس مُعد هذا الكتاب مقالاً من صحيفة ألأندبندت البريطانية للصحفي روبرت فسك ترجمته لمى الشمري، حيث يشير هذا الصحفي الى عملية النهب التي جرت في اعقاب حرب الخليج ألأولى سنة 1991 ونُهبَ وسُلب ثلاثة عشر متحفاً عراقياً .اما في السنوات بعد تغيير 2003 فقد اصبح كل موقع اثري في جنوب العراق تقريباً تحت سيطرة النهابين .

لاشك ان العراق يمتلك عمقاً حضارياً يوغل في التاريخ لمده اكثر من سبعة آلاف سنة وقد حقق في هذا العمق انجازات حضارية في سائر العلوم وآلآداب والفنـــــــون

تُعتبر سَبقاً لم يقم به بلد آخر من بلدان العالم القديم حتى ان هذه ألأنجازات الحضارية أقدم من انجازات الفراعنة في مصر وكذلك اقدم من الحضارة الهندية القديمة والحضارة الصينية . فالكثير من المواطنين لايعرفون ان الكتابة أخترعت في بلاد سومر ودونت الحروف ألأولى في هذه البلاد ، وقد كتبت الشاعرة انحمادونا اول قصيدة شعرية وهي سومرية ألأًصل ، واخترع ألأشوريون المحراث الذي يعتبر آلة مهمة في عملية الزراعة ، واخترع السومريون (العجلة) والتي ساهمت في انشاء

 (2)

وسائط نقل كانت تنقل المزروعات والمصنوعات من مكان الى آخر . وقد شرعت اول القوانين في تاريخ البشرية ، وهذه نجدها في مسلة حمورابي المشهورة التي كانت في بابل.

وتشير عالمة آلآثار اللبنانية جوان فرشخ الى : أن جيوش اللصوص والنهابين لم تترك دون مساس حتى ولو (متراً واحداً من هذه العواصم السومرية التي كانت قد دُفنت تحت الرمال منذ آلآف السنين ، وقد دمروا حضارات هذه الحواضر عند حفرهم في الرمال من اجل العثور على تحف اثرية كي يبيعوها في السوق السوداء لتجار آلآثار . وقد تعرضت معظم المواقع ألأثرية في جميع ارجاء العراق للنهب والسلب . وتؤكد بألأرقام ان في العراق عشرة آلآف موقعاً أثارياً وفي منطقة الناصرية وحدها حوالي  ثمانمائة واربعون موقعاً آثارياً تعرضت جميعها لعميليات السلب والنهب .

وتتحسر هذه العالمة الجليلة على ألأرث الحضاري للعراق وتقول:

. ان العراق ربما ينتهي به المطاف اخيراً وفي القريب العاجل بانه سيصبح بلا تاريخ .

ان تدمير ألأرث الحضاري للعراق ليس تدميراً لحضارة هذا البلد بل هو تدمير للأرث الحضاري لكافة بلدان العالم كما نصَّت عليه ألأتفاقية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي المقرة في المؤتمر العام لمنظمة ألأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة المنعقد في باريس من 17 تشرين ألأول الى 21 تشرين الثاني لسنة 1972

وتضيف العالمة جوان فرشخ : (تُعتبر مدينة اور هي ألأكثر اهمية في تاريخ البشرية كله ، فبألأضافة الى انها ذكرت في (التوراة) (العهد القديم) والتي ؤمن الكثيرون بانها موطن النبي ابراهيم ـ فانها تظهر ايضاً في اعمال المؤرخين العرب والجغرافيين تحت اسم (قميرنا) أي مدينة القمر . وقد لحقت آثار اور اضراراً بالغة ونُهب وسلب معظم التماثيل وألأختام ألأسطوانية والرقم الطينية ، على الرغم من ان ثمة قاعدة عسكرية امريكية مقامة بالقرب من زقورة اور ، ولم يكترث ألأمريكيون (3) لعمليات سرقة ألآثار بل انهم كانوا يغضون النظر عن هذه الجرائم بحجة انهم لاتوجد لديهم اوامر بحماية ألآثار ، ويدعون بان مهمتهم سياسية تنحو الى تحرير العراق من طغمة البعثيين ، وأشاعة روح الديمقراطية والحرية بين ابناء الشعب العراقي .

تواطؤ امريكي

في الحقيقة هناك تواطؤ بين القوات ألأمريكية واسرائيل في القضاء على التاريخ الحضاري للعراق كي يكون بلا تاريخ .

وقد نشر المعد لهذا الكتاب تحليلاً ودراسة لعادل الشمري لكتاب (كيف نهِبَ العراق .. تاريخاً وحضارة) لمؤلفه الصحفي فيليب فلاندران . وقد ورد في هذه الدراسة : (ان الحقيقة التي يعرفها الكثير من الباحثين والسياسيين هي ان هناك الكثير من اليهود ألأمريكيين والبريطانيين الذين كانوا ضمن القوات المحتلة ، والذين لهم اهتمام بالبحث عن آلآثار والتراث اليهودي في ارض الرافدين من اجل نقله الى اسرائيل . وربما كانت المنظمات العالمية لتُجار ألآثار بالتعاون مع اللصوص والسراق المحليين قد اخرجوا الكثير من هذه التحف ألأثرية المسروقة من المتاحف او المناطق ألأثرية اثناء الحرب وبعدها واستطاعوا اخراجها الى خارج الحدود لأسواق ألأردن والكويت والسعودية وهناك تكون الجهات والمنظمات الصهيونية وألأوربية لها بالمرصاد وشرائها بأغلى ألأثمان . وهكذا تم التخريب والدمار وتحققت اهداف العدوان بما فيها افراغ العراق من حضارته وتاريخه).

اما مايخص رئيس النظام المقبور صدام حسين فانه كان مصاباً بداء العظمة ، فقد اراد أن يثبت بانه سليل الملك نبوخذ نصر البابلي فامر بكتابة اسمه بألآجر على بوابة عشتار في بابل كي يثبت بانه وريث لحضارة قديمة مفعمة بالعلوم المتقدمة وألآداب والفنون ، حيث كتبت في سومر اول ملحمة شعرية في تاريخ العالم وهي ملحمة كلكامش والتي بحثت عن معنى الخلود ، فاراد صدام حسين ان يقلّدها فامر بعض الكتاب المرتزقة فكتبوا له ثلاثة روايات وهن ّ : زبيبة والملك ، القلعة الحصينة ، ارض وبلاد ، وكان مكتوب علي اغلفتها (لمؤلفها الفاضل) ولم يكتفي بذلك بل أراد

 (4)

ان يقلد حمورابي بشريعته ويكون مضاهياً له في ألأهمية فكتب : (وصايا القائد) وهي وصايا سخيفة لامعنى لها تدل على خلل عقلي في ذهن كاتبها ، فالوصية ألأولى تنص على مايلي :

(اذا لاقيت عدوك ، فلا تعطه ظهرك بل اجعله امامك) هل هناك معنى في هذا

الكلام ؟ وكذلك كان يسعى في احتفالات ميلاده الى اظهار ألأبهة والفخفخة في هذ

ا ألأحتفال كي يبدو انه سليل الملوك العظام من ملوك سومر واكد وبابل وآشور .. وقد اشار معد الكتاب امير دوشي الى ربط الحاضر بالماضي ليكرر المأساة القديمة نفسها . فصدام حسين عبقري الشر جعل السهل صحراء جافة لينتقم من القبائل الشيعية التي ثارت ضده ، فبطولات الملاحم العسكرية الخيالية في بلاد سومر وما يجري لشعبها تعيد نفسها في عهد صدام حسين .

ويمكننا ان نضيف الى ألأشارة الذكية التي كتبها امير دوشي الى ان صدام حسين قام بتجفيف ألأهوار واجتثاث القصب والبردي كي تصعب الحياة في هذه ألأهوار ولا تكون مكامن للمتمردين الذين ثاروا على طغيانه وظلمه ، بألأضافة الى ذلك يكون هذا الفعل انتقاماً من القبائل الشيعية الساكنة في ألأهوار ، لذلك هاجروا الى مدن : النجف وكربلاء وبغداد والحلة ، وهذا مااورده عبد ألأمير الحمداني الذي كان مدير للآثار في ذي قار ، فقد قدّم كتاباً هو عبارة عن مجموعة من النصوص (السومرية) تتحدث عن طاغية قرر فيما مضى ، من اجل السيطرة لتجفيف البحيرات في جنوب بلاد مابين النهرين ، نلاحظ ان التاريخ في بلاد سومر القديمة يعيد نفسه وعلى الجميع معرفة الدبلوماسية مثلما فعله الشيخ(سيف) ببني ابناء عمومته وحل نزاعاتهم ، وهذا مافعله الطاغية صدام حسين واعاد الحدث التاريخي نفسه الذي قام به الطاغية : من اجل السيطرة وتدمير اعدائه .

وهنا لابد ان اذكر بأجلال واحترام الجهود الكبيرة والحثيثة التي بذلها عبد ألأمير الحمداني في الحفاظ على آلآثار ، فقد خلا العراق من سلطة حكومية بعد تغيير 2003، وسادت الفوضى في جميع مرافق الحياة وعم السلب والنهب للآثار في

 (5) معظم المواقع ألأثرية في ذي قار ، وكان عبد ألأمير الحمداني غيوراً على ألآثار فهي ألأرث الثقافي والحضاري للعراق ، فعمد الى تشكيل فريق حماية للآثار وعين حراساً على معظم المواقع ألآثرية المهمة في ذي قار ، وان لم يكن هؤلاء الحراس غير كافين لكن في ألأقل يستطيعون حماية المواقع ألأثرية التي بعهدتهم وذلك بسبب قلة الميزانية المالية المرصودة لهذا الشأن لدى مديرية ألآثار في ذي قار . الاّ ان بعض ذوي النفوس المريضة والذين كانوا متواطئين مع لصوص ألآثار اتهموه بسرقة ألآثار ، وقدموا شكوى لمحكمة البداءة في الناصرية ، فأصدرت هذه المحكمة امراً بالقاء القبض عليه واودع في التوقيف لمدة ثلاثة اشهر ، وكنت ازوره مع الصديق امير دوشي في مركز شرطة الصالحية لنقوي من عزمه ونرفع معنوياته كي يصمد في محنته هذه ، كان ذلك ألأجراء الشرير ذا غاية خسيسة وهي كي يحلو الجو للصوص ألآثار بسرقة ألآثار من بعض المواقع ألآثرية بعد ان سرح حراّسها لعدم دفع رواتب لهم .

اماّ مايخص مدينة بابل ، فهي مدينة الملك حمورابي الذي حكمها اثنين واربعون عاماً وقد وضع حداً لأستغلال (أيسن) سنة 1787 ق.م واخضع سومر وآشور لحكمه ووضع شريعته (شريعة حمورابي) المكونة من اثنين وثماني مادة تستند للعدالة في الحكم ، كان لبابل مكانة في قلب العالم ، لغة اهلها السومرية ، لغة العلم ،وألأكدية لغة عامة الشعب ، فيها ستون هيكلاً وألآف المذابح والمصليات ودينها واحد . وقد صدر عنها كرأّس يتطرق الى آثارها واحتفالاتها ومسارحها وثقافتها ، وتطرق على عمليات السرقة التي قام بها اللصوص (علي بابا) واشار مؤلف الكراس بان (سيدات بابل اشرف منهم وافضل من اخلاقهم حيث يتسلمنه مرّة في السنة للبغاء المقدس لقاء مبلغ من المال مهما كان مقداره ولايمكن رفضه لأنه (مال مقدّس) فاين شرف اللصوص الذين يسرقون اثار بلدهم على مدار السنة ويبيعونه بثمن بخس للأجانب ؟ ان شرف نساء بابل يباع مرة في السنة لأهل بابل وشرفالسراّق واللصوص والمخربين في بلدنا ينتهك باستمرار ويباع لغير اهل العراق .

 (6)

اما متحف بغداد فقد نهبت معظم محتوياته من تماثيل أصلية ورقم طينية واختام اسطوانية بعد احداث التغيير في سنة 2003وقد حاول دوني جورج وهو موظف في متحف بغداد منع هذه السرقات ،وقد تحدث للبعثة ألأثارية القادمة الى العراق في ذلك الوقت عن آلاف ألأشياء المسروقة التي نهبت وسرقت اثناء دخول القوات المحتلة

الى بغداد ، ان متحف بغداد لاينافسه متحف آخر لثرائه بالتحف ألأثرية لبلاد مابين

النهرين التي جُبيت له من كل المواقع ألأثرية من جنوب وشمال العراق وقد اعيدت بعض التحف المسروقة الى هذا المتحف مثل (اناء أوروك) بعد شهرين من السقوط وتم استلامه من قبل المستشار العسكري لقوات التحالف . في يوم 30 نيسان صرح بوعرانس وهو قائد من قواد قوات التحالف :

(ان قائمة المسروقات الفعلية التي تسلمها من امناء المتاحف هي(29) تسع وعشرون قطعة مسروقة فقط . وقد تمت اعادة اربع قطع وسارقيها. وهناك مبحث مهم في هذا الكتاب كان تحت عنوان (مهزلة البحث عن داعش في متحف الموصل) كتبه سلامه عبود يقول فيه :

(قسم النسابون قبائل العرب في سالف العصور الى فصيلين ، عرب عاربة ومستعربة . اما عرب اليوم فهم فصيلان ايضاً : عرب (دواعش) وعرب (لادواعش) الفروقات بينهما عظيمة رغماً عن تحدرهما من آب واحد وام واحدة .

ابرز هذه الفروقات ، ألأختلاف في مفهوم استخدام السكاكين . داعش يستخدمها لذبح البشر من رقابهم على الطريقة ألأسلامية و(داعش) يستخدمها لتقطيع البصل والطماطة على الطريقة المدنية ، من دون الحاجة الى بسملة او ادعية . اختلاف اخر يتعلق بالتقوى والحياء ومايرافقهما من طقوس شكلية . داعش يلبسون الجلابيب والنقاب ويرفعون رايات سوداء و(لاداعش) يلبسون الملابس الزاهية يرفعون اعلاماً ملونة ، اختلاف ثالث، دولي واقليمي، ينتمي داعش الى فريق ألأرهاب في حين ان (لاداعش) ينتمي الى جبهة مقاومة ألأرهاب العالمية لذلك اعتقد بعض علماء ألأنساب ان (داعش) كوجود وافعال و(لاداعش) كوجود وافعال وجهان

 (7)

لأمة ثقافية واحدة ، لايختلفان الاّ في الملابس واللحى وطرق استخدام السكاكين.

ويشير الكاتب سلام عبود الى جرائم داعش حيث يقول :

(هاهو داعش يهدم صرحاً ثقافياً تاريخياً عظيماً آخر ، بعد متحف الموصل حيث قام داعش بهدم آثار مدينة نمرود .)

كذلك يتهم الكاتب محافظ نينوى السابق بتسليمه الموصل الى داعش ثم لبس اهاب ألأسد المحررِّ ، بعد افتضاح دوره في صفقة احتلال الموصل . وللسيدة ألآثارية اليزابيث ستون دور كبير في اعداد تقرير عن ألأضرار التي لحقت مدينة بابل في حزيران 2001 ، كان للسيدة اليزابيث ستون علاقة عملية جيدة مع الهيئة العامة للأثار والتراث في العراق ، طلبت منها الهيئة اقامة دورة تدريبية ميدانية للأثاريين العراقيين للتعريف باخر مستجدات طرق المسح والتنفيذ ، وقامت السيدة ستون بهذه الدورة التي شارك يها عشرة آثاريين . وتكلمت السيدة ستون عن جهود الدكتور طه باقر ودوره الرائد في تشكيل المدرسة ألآثارية العراقية ، وعن الخطط المستقبلية لأعمال التنقيب .

دور كبير

ومن ألآثاريين ألأجانب من الذين كان لهم دور كبير في التنقيب واكتشاف ألآثار في مواقع أثرية عديدة هو صموئيل نوح كريمر ، وهو روسي ألأصل امريكي الجنسية ، وكان استاذ طه باقر وفؤاد سفر في جامعة شيكاغو وقد درّسهما علم ألأشوريات وخاصة اللغة السومرية . وكانت للدكتور كريمر علاقة وثيقة مع العراق ويعرف معلومات غزيرة عن آثاره وتاريخه حيث كانت اطروحته للدكتوراه في علم اللسانيات السامية في سنة 1929 لها علاقة بقواعد اللغة في الرُقم الطينية من مدينة كركوك ، وقد نقبّ مع بعثة ألآثار ألأمريكية في العديد من المواقع ألأثرية . وبعد التنقيب في موقعي عقرقوف وتل حرمل ، اعلنت دائرة ألآثار العراقية عن الكشف عن آثار ثمينة وكتابات بالمسمارية ، سافر كريم الى العراق ، ونشر قائمة تضم مواقع جغرافية يرتقي زمنها الى العهد البابلي القديم ، واكتشف هذه القائمة في تل حرمل .

 (8)

والف كريمر كتاب (الواح سومر) وطلب من طه باقر ان يترجمه الى اللغة العربية فترجمه طه باقر وناقش كريمر في كتابه اوليّات ألأنتاجات الحضارية في العراق القديم كأول مدرسة في التاريخ واول برلمان ذي مجلسين واول ألأمثال المأثورة واول اغنية في الحب ، وقد نقب كريم في موقعين هما: تل بيلا وتل فاره ، وعثرعلى نصوص وكتابات سومرية قام بقراءتها وترجمتها الى اللغة ألأنكليزية ، وقدمّ منجزات رائعة في علم ألآثار وألآداب السومرية .

وقد كتبت ايمان البستاني عن آجاثا كريستي وهي كاتبة روايات بوليسية مشهورة وهي انكليزية ألأصل ، كانت لها دور كبير في اكتشاف ألآثار العراقية عندما كانت ترافق زوجها ماكس مالوان ، وكانت تنظف ألآثار المكتشفة وتلف اللقى المطمورة تحت طيات التراب بقطع من القماش المبللة لتمنع ملامستها للهواء الذي يعرضها للتهشم ، وقد اصطحبها زوجها ماكس مالوان الى نُفّر بعد ذلك الى كربلاء ، ثم الى بغداد ، وكانت تساعده في التنقيب في آثار نينوى ونمرود الى غاية سنة 1949 ، وقد اهتمت بألأشوريات في منطقة نينوى في جميع المواسم ألآثارية حتى الموسم الخامس وألأخير في سنة 1953 ، ومن ألآثاريين الذين تعرفوا على اجاثا كريستي الدكتور بهنام ابو الصوف الذي رافقهما في معظم المواقع ألأثرية ، واكتشف ماكس مالوان تمثالاً ثميناً من العاج في سنة 1952 ، وكان تمثال امراة جميلة واصرت اجاثا كريستي على تسميته (موناليزا نمرود) لأنه مكتشف في نمرود ويرجع تاريخ التمثال الى القرن الثامن قبل الميلاد .

اماّ مايخص الحكومة ألأمريكية فانها تدعي اهتمامها ورعايتها للآثار العراقية وذلك عن طريق ألأعلام ووسائل ألأتصال فقد اصدرت اوراق الكوكتشينة وفيها خمس وخمسون معالم اثرية عراقية من سومر وبابل وأشور . بعد ان كانت هذه ألأوراق عليها صور المطلوبين للعدالة وهم خمسة وخمسون شخصاً من رجال حزب البعث ، أذ انهم قاموا بجرائم ضد ألأنسانية ومخلة بالشرف ، وأبدلتهم بصور المعالم ألأثرية ، وللولايات المتحدة علاقة ملتبسة مع التاريخ والتراث بشكل عام اذ ان عمرها قصير

 (9)

بالنسبة لبلدان مثل العراق ومصر والهند والصين فهي لاتملك آثاراً وكما قال الكاتب ألآيطالي البرتومورافيا: (تتحسر امريكا كي تملك تراثاً اثارياً فلا اثار لديها ولا توجد متاحف تضم هذه ألآثار ، اما اثارها الوحيدة فهي النفايات التي تخلفها مصانعها) وهي تدعي الحفاظ على ألآثار العراقية بينما الواقع ينفي ذلك . فقد نهب

المتحف العراقي في بغداد في ألأيام الثلاثة ألأولى لوصول القوات ألأمريكية الى بغداد في نيسان 2..3 وكانت القوات ألأمريكية على مبعدة خطوات من هذا المتحف المهم ، ولم يحرك الجنود ألأمريكيون ساكناً ولم يمنعوا اللصوص من نهب محتويات المتحف العراقي ، هل كان هذا تواطؤاً ام اهمالاً ؟

وقد اصدر العقيد ماثيو بوغدانوس كتاباً تحت عنوان (لصوص بغداد) بيّن فيه عمليات نهب المتحف العراقي ، وكانت حصيلة المسروقات (13864) قطعة اثرية وتعتبر اكبر عملية سرقة متحف في التاريخ ، ولم يتدخل الجيش ألأمريكي لمنع السلب والنهب مع العلم ان العقيد ماثيو بوغدانوس هو ضابط احتياط في الجيش ألأمريكي .

طريق وعر

وكتب ألأديب عبد الرحمن الربيعي في صحيفة الشروق في تونس في يوم 20/1/2010 عن كتاب (الطريق الوعر الى اور) وهذا الكتاب من تأليف امير دوشي وكان سؤال الربيعي (هل حضارة العراق سلاح دمار شامل ؟ كتب: ان مؤلف هذا الكتاب امير دوشي اخبره عبد ألأمير الحمداني بان متحف الناصرية اصبح قاعدة عسكرية امريكية وقد افرغت قاعاته من خزائنها واصبحت عنابر نوم للجنود ألأمريكيين وحُول القسم ألأداري الى مستشفى ميداني .

وقد زار المتحف المذكور اعلاه مع صديقه امير دوشي وطَلَبَ من القوات ألأمريكية المتواجدة هناك بان يزور المتحف ، وطلب الحمداني من قائد الوحدات ان يقوموا بحماية موجودات المتحف وخزائنه . وفي شهر نيسان من سنة 2004 سلم المتحف الى السلطات العراقية ، وفي شهر مايس من السنة نفسها احترق المتحف بسبب المواجهات القتالية بالقذائف بين قوات التحالف وجماعات مسلحة.

ميدان حرب

 (10)

ويتساءل الربيعي : هل كان المتحف ميدان حرب ؟ ويذكر الحمداني : تتعذر زيارة مدينة اور التاريخية لأن هذه المدينة يجاورها مطار عسكري .

ويقول الجنرال توني فرانكس قائد القوات ألأمريكية التي احتلت بغداد: كانت قواتي تشكيلات محاربة ، واجبها البحث عن العدو وقتله وليس ألأبتسامة في وجهه واخذه

بألأحضان . ولكن بأي حًقٍّ يتم نهب ألآثار من المتاحف والمواقع ألآثرية لاسيما وان العراقيين سليلو حضارة عمقها يربو على خمسة الاف سنة وليسوا همجاً طارئين على التاريخ .

لم ينس محرر الكتاب عالم ألآثار الجليل الدكتور طه باقر وذكر ألأحتفالية التي اقيمت في المركز الثقافي في الناصرية بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد الدكتور طه باقر وأفتتحت ألأحتفالية بأزاحة الستار عن تمثال الملك اورنمو وتمثال نصفي للدكتور طه باقر . وسينصب هذان التمثالان امام بيت البعثة التنقيبية في مدينة اور والذي بناه الدكتور طه باقر كمكان استراحة للبعثة التنقيبية عندما كان ينقب في مدينة اور . وكان له الفضل في الكشف عن اثار مهمة في هذه المنطقة فقد انتجت الحضارة السومرية اول لوح وأول قانون واول لحن واول قصيدة كونية في الوجود ، وكان يتمتع باجادته للغة السومرية . وقد ترجم ملحمة كلكامش الى اللغة العربية وهي اول ملحمة في التاريخ البشري .

وقد تطرق الكتاب الى تكريم فريق ألآثار ألأيطالي وفوزه بجائزة التراث ألأيطالي العالمية عن مشروع التنقيب في ابي طبيرة في جنوب الناصرية ، وترأس الدكتور فرانكو دي اوغستيفو هذا الفريق ، وقد قال كلمة له : (لست مدير مشروع ايطالي ونما مدير مشروع ايطالي –  عراقي منقب في مشروع ابي طبيرة . وهذه الجائزة لم تمنح للدكتور فرانكو بل لكل اولئك العاملين في هذا المشروع لتحقيق نتائج مثمرة.

اما بخصوص عصابات داعش ألأرهابية فانها ارتكبت جرائم كثيرة بحق ألآثار العراقية فقد هدمت الكثير من المواقع ألأثرية وهدمت حسينيات وكنائس ومراقد دينية

كما قامت بنبش وحفر مراقد ألأنبياء : النبي يونس ، النبي شيت ، والنبي دانيال وقد

 (11)

توعد الدواعش بتهديم متحف الموصل .

وقد تطرّق مظفر الربيعي وهو مدير المراكز والبيوت الثقافية في العراق الى جرائم داعش فذكر في محاضرة له قائلاً (تمَّ التطرق الى عصابات داعش ألأرهابية وانها بدات بعملية بيع بعض اللقى ألآثارية والمسكوكات القديمة جداً عن طريق تجار

 (11)

السوق السوداء جاءوا من دول الجوار ووجدوا على مناطق الحدود كي يسهلوا عملية نقلها الى خارج العراق . ولا تضع عصابات داعش وزناً او قيمة مالية لهذه اللقى والمسكوكات ، حيث وصلتنا معلومات انها تبيع هذه اللقى بسعر يساوي خمسة بالمائة من قيمتها ألأصلية، هذا ان دلّ على شيء فانما يدل على جهل هذه العصابات بقيمة المواقع ألآثرية وقيمة اللقى .

ومن الوسائل ألأعلامية التي تساعد على اشاعة معرفة قيمة واهمية ألآثار العراقية هي ألأفلام والمسلسلات التلفزيونية ، وقد انتجت شركة فنون الشرق ألأوسط للأنتاج والتوزيع الفني لحساب قناة (العراقية) مسلسل (سفينة سومر) وهي السفينة التي بناها الدكتور ثور هردال مع فريق عمله ليثبت ان اهل ألأهوار هم من السومريين وبنى السفينة من البردي التي شاء ان ينطلق بها من شط العرب ثم اتجه الى البحر ألأحمر الاّ ان ثمة عوائق لهذه الرحلة وهي حروب ألأثيوبيين والصوماليين وجيبوتي واليمن. وقد رفع العاملون في هذه السفينة رسالة الى ألأمين العام للأمم المتحدة يشكون الدول العظمى التي تريد ان ترفع اعلامها على السفينة ورفض فريق العمل ذلك مما اضطرهم في النهاية لحرق السفينة .

اماّ فيلم الرأس فهو من سيناريو واخراج فيصل الياسري ، وفي هذا الفيلم يستعرض فيه عن سرقة رأس تمثال الملك سنطروق الثاني في مدينة الحضر بعد ان دخلها الغزاة وقام الفرسان بتحطيم التماثيل هناك وسقوط تمثال الملك سنطروق الثاني ويتدحرج رأسه على درجات السلم .. يسرق هذا الرأٍس وتتم ملاحقة اللصوص وتنتصر العدالة في ألأخير ويعاد رأس الملك سنطروق الثاني الى مكانه.

 (12)

اما الملاحق التي ضمها هذا الكتاب فهي:

1- مسرد تاريخي 2- قانون ألآثار والتراث رقم 55 لعام 2003

3- اتفاقية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي 4- مسرد اعلامي

الكتاب بـ 300 صفحة مقسم لثلاثة فصول يقول محرر الكتاب في المقدمة : لماّ كانت الكتابة الصحافية مهارة وحرفة يسعى الكتاب بفصوله الثلاثة المتداخلة الى

تقديم مادة نظرية وتطبيقية لأكتساب وتفعيل هذه الحرفة حيث الخطوات المتبعة لأكتساب ايما حرفة هي ألأدراك والمحاكات وألأنتاج وهكذا يقدم الفصل ألأول مادة مفاهيمه عبر الشرح والتمارين . ويقدم الفصل الثاني نماذج كعينة لنصوص اجناس اعلامية متنوعة للمناقشة والتحليل بهدف المحاكاة وألأنتاج . اما الفصل الثالث يقدم ثقافة مهنية تاريخية قانونية واعلامية ليؤسس خلفية فكرية للمتلقي.

واخيراً تكمن اهمية كتاب (اغتصاب رقيم الطين) لمعده ومحرره امير دوشي في انه اول كتاب باللغة العربية كشف عمليات سلب ونهب ألآثار العراقية ، كذلك اكد على العلاقة الوشيجة بين وسائل ألأعلام وألأرث الحضاري والثقافي وكيفية توظيف وسائل ألأعلام للدفاع وللحفاظ على التراث الحضاري وألآثار العراقية وقد سدَّ هذا الكتاب فراغاً كبيراً في المكتبة العربية ، وانشأ فناراً ينيرُ ظلمات عمليات السلب والنهب للآثار العراقية وكشف ألأهمية الحضارية لهذه ألآثـــــــــار .

مشاركة