ظهيرة صيف

ظهيرة صيف

 في ظهيرة يومٍ صيفي شديد الحرارة ، وتحديداً منتصف شهر تموز ، كان عمري حينها لا يتجاوز الست سنوات ، نائماً في غرفة المعيشة (الهول) ومعي بعض أفراد عائلتي متوزعين مابين النوم على الأرائك الخشبية أو على ( الكاشي ) المفروش بفراش خفيف ، والستائر مسدلة بإحكام لمنع مرور أشعة الشمس الحارقة ، بهذه الأجواء الصيفية كان يحلو لي أن أتغطى بعباءة أمي السوداء التي تحمل رائحتها الزكية ، ومن فتحة الشباك الصغيرة ينساب هواء المبردة البارد بلطفاته ليغلق جفوني بعذوبة رويداً رويدا ، وماهي إلّا لحظات قصيرة أَغط بنوم عميق بعد إرهاق وجهد اللعب بالمنطقة التي كانت خالية أمام بيتنا ، كنت أحلم أحلاماً بقدر عمري ، بأشياء صغيرة بقدر أماني طفولتي ، أحلاماً تجعلني أفرح وأطير بخيالي الى أماكن لم أعرفها ، وأشياءً صغيرة أود أن أمتلكها ، وأنا بهذه الحالة الحالمة أحسست بيد حانية تربت على كتفي الصغير توقظني ، فتحت عيني ببطأ .. رأيت وجهه قبالة وجهي ويقول لي ..تعال ، نهضت مثقلاً أتعثر بأرجل النائمين قربي ، أخذني من يدي الى الغرفة المجاورة ..لا أعرف ماذا يريد ؟

أجلسني على الأريكة وأنا مازلت مابين صاحي ونائم وكأني لا أريد مغادرة أحلامي ، تركني .. مشى خطوتين ثم عاد وأعطاني كيساً ورقياً أسمر .. فتحته وإذا به كعكة صغيرة ! إنحنى عليّ وقبّلني : اليوم عيد ميلادك .. كل عام وأنت بخير ..قالها وهو يبتسم ثم أردف هامساً : كُلها فهي لك ..تركني وحدي وأنا غير مصدق لما يحدث !

لا أتذكر حينها إني شكرته فالكلمات توقفت في لساني ، هذه أول مرة أعرف تأريخ ميلادي ! وأيقنت أيضاً أن الأحلام البسيطة هناك من يستطيع تحقيقها بلمح البصر ، لحظتها فرحت فرِحاً كبيراً لا أستطيع وصفه ليس لأني حصلت على هذه الكعكة الشهية ، بل لكوني عرفت أن لي يوم يسمى عيد ميلادي ، وكذلك لأن لي أخاً يحبني ويتذكرني ويحقق لي بعض أحلامي الصغيرة !

كم وددت لو إنه الآن معي لنعيد هذه اللحظات الجميلة !

محمد جبر حسن –  بغداد