إقتباس أم صناعة حضارة ؟

إقتباس أم صناعة حضارة ؟

 نشرت فيما نشرت في الصحف المحلية بضع مقالات عن الحضارة ( لقاء الحضارات ) و ( صراع الحضارات ) و ( سقوط الحضارات ) اوضحت فيها التفاعل بين الحضارات والاقتباس بعضها مع البعض ثم حين تظهر سطوة حضارة على حضارة اخرى ليشتد الصراع بينهما ثم حين تؤول الحضارة الى سقوط بعد ان تجف ينابيعها بفعل الفساد الذي يحتويها .

وفي هذه المقالة ارى ان الاقتباس كان يتكرر بين الحضارات بفعل الاحتكاك والتبادل التجاري وعوامل اخرى متعددة غير ان هذا الاقتباس لا يحول دون صناعة حضارة مميزة لأمة من الأمم

وان شئت الايجاز فسأضرب مثالين على الاقتباس ثم صناعة الحضارة .

المثال الأول ان الدولة العربية الاسلامية بعد توسعها اقتبست من بلاد فارس التي غدت تحت سيطرتها بعض معالم حضارتها وكذا الحال كان الاقتباس من بلاد الروم المجاورة ..ونحن نعلم انه في زمن الدولة العباسية وبعد بناء بغداد بدأت الخلافة تهتم بالعلوم وبالترجمة من اللغات الفارسية واليونانية الى اللغة العربية ادبا وفلسفة وخاصة في زمن الرشيد والمأمون ..اما من قام بالترجمة فكان اغلبهم من النصارى ،غير ان المسلمين لم يكتفوا بهذه الترجمة بعد الاطلاع عليها فهم اضفوا على الفلسفة اليونانية تعديلات وتنقيحات واضافات كما فعل الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم ..وانه من الجدير بالذكر ان الاوربيين اخذوا الفلسفة اليونانية عن طريق العرب مباشرة .ومن ناحية اخرى فقد اهتم العباسيون بالعمران وخاصة بناء المساجد والمدارس والقصور مما اتاح لفن الريازة الاسلامية ان يكون لها طابعها المميز ..اما الادب فقد ابدع فيه الشعراء والكتاب بما جادت به قرائحهم .. وعلى اية حال فقد تم صناعة حضارة عربية اسلامية امتدت على مدى خمسة قرون اقتبست منها الامم الاخرى ما اقتبست .

المثال الثاني ان اوربا التي كانت في القرون الوسطى متخلفة ليس لها اي طابع حضاري راحت تقتبس في اواخر هذا العصر العلوم والاداب والفنون من العالم الاسلامي سواء عن طريق الاندلس او صقلية او الحروب الصليبية ولكنها بعد حين قليل راحت تصنع حضارتها بما سمي بعصر النهضة ابتداء من القرن الخامس عشر ..

 وكانت نقطة الانطلاق من المدن الايطالية وخاصة مدينة البندقية التي اشتهرت بتجارتها وكثرة اموالها فراحت تشجع الادب والفن وتغدف عليه اموالا طائلة فظهر دافنشي وميخائيل انجلو وروفائيل في الفن والنحت وظهر بترارك ودانتي وبعدهما شكسبير في الادب وظهر مارتن لوثر في حقل الاصلاح الديني وغيرهم كثيرون ..وهكذا بدأت اوربا تنهض من رقدتها حتى جاءت الطفرة الكبرى على يد بريطانيا ببدء الثورة الصناعية التي ما لبثت ان امتدت الى الاقطار الاوربية الاخرى ..وعاما بعد عام تغير كل شيء حتى غدت الحياة على ما نراها الآن .. ورحنا نحن بدورنا نقتبس كل ما توفر في هذه الحضارة خيرها وشرها .. نعيمها وجحيمها وبالكثرة من افكارها واخلاقها دون مراعاة للقيم والمثل التي يفترض ان نتمسك بها باعتبارها الجزء المتبقي من تراثنا الروحي العطر .

ناجح صالح –  كركوك