جمالية التلقي في فندق كويستيان
كان اهتمام الدراسات النقدية الكلاسيكية منصبا على مفهوم المؤلف زمنا طويلا،وكان ينظر إليه باعتباره مركز العملية الإبداعية والنقدية، وهكذا التقت المناهج التاريخية والنفسية والاجتماعية والثقافية والدراسات البيوغرافية حتى ترسخ ما يعرف “سلطة المؤلف”
أما في عصر تعدد المناهج سعى أكثر من فيلسوف في القرن العشرين -إلى رفض استعمال “منهج ” في وصف طريقة تحليله للنصوص مفضلا استعمال مصطلح التجربة الذي يضفي على الممارسة قيم التنوع والخصوصية والإختلاف…
ومن هنا انطلقنا في خوض مغامرة التجربة المنطلقة من الإثارة والتأويل المنبعث من الانتقالات الزمكانية للنص…
الانتقال الزمكاني في فندق كويستيان ملمحا إيجابيا..تحريكيّا // إستدلاليّ
الإيجابية التي نبحثها.. كملمحٍ فنيّ ونسلّط الضّوء عليها هي : ذات المتلقي كمشارك في النّصِ على نحو البحث في أثآرة الدلالة الانتقالية الزمكانية توحي لك للوهلة الاولى عتبة الغلاف الخارجي.. الرواية ” فندق كويستيان” لمؤلفها “خضير فليح الزيدي” دلالة زمكانية بين زمن الشناشيل و زمن الغبار المتصاعد من انفجار شارع المتنبي, هذا الرّبط يثير المتلقي ايجابا و استدلاليا في الكشف والاكتشاف وهنا أولى حلقات التفاعل الايجابي….
يبدأ السّرد في رواية فندق كويستيان “في هذه اللحظة بذات تجاوز عمري الخمسين سنة عراقية…”
إشارة إلى عمق المأساة في حضرة الوطن, ولربما هذه الشخصية تعاني من فراغ.. قلق.. هوس.. اضطراب \وجداني ما حولها وأصبح الوجود غير ذي جدوى دون الألتصاق بحقيقة ما يشعر ويعي..
“في المقهى ضحك الأصدقاء العراقيون والعرب المتحلّقون على قصة متخيلة لبركات عن سفرتي محتملة الى بغداد وخصوصا هذه الأيام العصيبة المتوترة ..قلت له : لأ أحب أن أموت بوقار كاذب على فراشي في شقتي هنا وتلحس أذني قطتي ..الكئيبة..أحب ميتة العنف القسري,موت معروض باليوتوب لتعجّل في دخولي الجنة كمغدور يا بركات أفندي..
في هذه الانتقالة جرت على لسان الضمير المتكلم وبقية الأصوات في “المقهى” وبالأخص محاورته مع بركات أسقاطا فلسفيا يدور حول الموضوع_ الذات…
من خلال رصد حركة السّرد لفندق كويستيان تسير حركة الأّفعال كما مخطط لها كمهاد سهمي..
من برلين القطة “سيسو” حيث الذكريات المعتقة بطعم “رباب” ّذات الملوحة البغدادية المميّزة, عبر فضاء أزرق صاف أحلّق الآن بالبوينك 737 أسمي الحقيقي هو ناصر رشيد فوزي كما هو مثبت في جواز سفري العراقي و هوية الاحوال المدنية ودفتر الخدمة العسكرية ..يسموني ايام العسكرية (كاكا ناصر أحيانا نترك الجثث الطرية المبللة في الممر المظلم الطويل لغرفة البرّاد في حالات الاكتظاظ القصوى نعيد حشر المتيبّسة منها بثني اطرافها أو كسرها.. ..
وهنا نرصد حالة أخرى من حالات الانتقال الزمكاني في فنية تتبع الافعال وأثره على ذهن ونفسية المتلقي .
في برلين زمنها مختلف “قطة شعرها ابيض ناعم ” الى الحرب العراقية الايرانية مما يجعل ذهن المتلقي مستشعرا مفارقة زمكانية غاية في القبح_ شعر ناعم// جثث متفسخة
وقد يستدل على حسنة للحرب عبر هذه المفارقة.. اذ اعتاش “كا كه نصر” بالحرفة التي تعلهما اثناء الحرب.
في برلين ضمن كادر شركة “جيرفس شو موخا” في شعبة التوابيت الأبنوسية الباذخة وهي الشعبة التي تتلام مع كآبة( ناصر).
وهذا يجعلنا أمام إسقاط فكري/ تنظيري حول محاكات كآبة (ناصر) لواقعها المتجذر في ذاكرته المنسلخة من خارطة وطن هشمها وميض الحروب العبثية.
– في أستمرارية الرصد..
من موخرة المضيفة المثيرة البارزة مع ضيق تنورتها الى “فندق كويستيان”
” الفندق الذي تم ّ ترميمه حديثا بعد إيجاره من مالكه الشرعي العم بطرس ..المسيحي الذي هاجر بعد مقتل ابنه البكر……
تمتد فصول الحكاية
من مشهد زمكاني يتعلق بمشروع طبع المخطوطة وملحوظات كريم حنش إلى مشهد ” الريم” وجبهات القتال وتستمر المشاهد عبر انتقالات مختارة وفق خارطة من الازمكنية المختلفة والمتنوعة…
“استغل شيخ حمادة مؤذن جامع العاقولي المسكين..قُتِل ذلك الشيخ المُسن في باحة الجامع ليستلم مفاتيح الجامع من الدائرة التابعة الى الوقف السني .
الغرفة306 في فندق كويستيان والسؤال الملح “كيف أصل إلى رباب؟”
إلى صبا ح جديد و رحلة البحث عن “كاكا ناصر”ومحنة اختفاءه
حي الجهاد والمعركة الطاحنة بجانب الكرخ ..التي اندلعت بد دخول سيارة نوع( كيا) قامت بتصفية مصلين في حسينية فاطمة الزهراء.
علي عبد الهادي الشخصية التي رافقته ورتاح ووثق بها وحثته على العودة الى العراق يدخل الخضراء المنطقة الكثرا تحصينا وتعقيدا ومنها يدار العراق.
موعدي هذا الصباح مع “رباب”
تستمر رحلة البحث
يعود مشهد الريم بقوة الى “ذاكرة ناصر “
العشق.. الجنود.. رحلة رحاب للبحث عن زوجها.. فرق الاعدامات.. نقل الجثث بواسطة “الريم” بعد إنزال الركاب عنوة.. الجثث لم تكن لمصابين.. متخاذلين تم أعدامهم.
مقبرة جماعية لهم دون وصول الجثث.
في اليوم السابع لغياب ناصر يصل علي عبد الهادي الى مقبرة الحاج حسين الحديثة للمغدورين…
في اليوم التالي وعند الظهيرة القائضة
“البّراد هدية السلطات الامريكة للعراق وجدت على القاضي بانتظاري
دخلت من البوابة الرئيسية واذا بنفحة هواء باردة مشبّ برائحة الكافور أعادت لي خلطة روائح البراد المركزي وزهور” كاكا ناصر” الخلفية في مركز تجهيز الشهداء ابان الحرب الثمان سنوات.
صديق العمر وهوالماني الجنسية
خلعت نظارتي ومسحت الجاحظتين بعدما بللها الدمع دمعتي كانت مالحة لا حياة فيها.
هكذا الانتقالية في المشاهد المختلفة
ليتسنى للذاكرة الغور في زمنها النّفسي وما يرتبط ..مع هذا الانتقال من حالات استكشافية واعادة طرح الاسئلة لانتاج رؤية تكون مساهمة ايجابية في حالة التلقي ضمن مختلف الزمكان للمشاهد في خارطة السّرد.
جاءت هذه الانتقالات مثيرة للاسئلة الفلسفية فمن المصطلحات وزيفها الى الصرا ع الطائفي والحب والوطنية والاغتراب في استبطان الذات ورصد المجتمع في ظل المحنة.
الموت (وفق ابعاده الفكرية, لكل شيء نهاية_ البحث عن عشبة الحب: نحن نعيش في عالم ..حيث علينا أن نمارس الحب في الخفاء ,فيما العنف المسلح نمارسه علنا …
“جون لينون”
أثر الحب على الشخصية؟؟؟؟
الانتقالات الزمكانية لهذا العمل الروائي االكبير والشيق بكل مستوياته, وما يثير ذهن المتلقي للبحث والكشف والاستدلال المنطلق من مرجعيته الثقافية وتوجهاته الفكرية واسقاطاته النفسية والاجتماعية.
ندع الآخر للبحث والتنقب والكشف عما تشكله قراءته من بعدا كا شفا مستدلا حسب رؤيته وتجربته الذاتية.
تحية تليق الى الروائي الكبير خضير فليح الزيدي. وهذا العمل الذي يفتح أوراقه على أوجاع ظّلت مغروسة في صدر بطل العمل وأبت المغادرة إلا تاركة ثأرها على جسده المغدور…..
كامل التميمي – بغداد
























