وقفة مع النفس

وقفة مع النفس

كيف لا تصيبنا النشوة من إطراء الآخرين إذا شئنا أن نعرف كيف نحارب آفة حبّ الذات في أنفسنا كي لا نفرح كثيراً من مديح الآخرين، فعلينا أن نفهم أنّ ما يبديه الناس من مديح وثناء ينقسم إلى عدّة أقسام: الأوّل هو المديح الذي لا يمتّ للشخص الممدوح بأيّ صلة، وإنّ فرحه به هو لون من ألوان الفرح الزائف؛ كأن يقال: فلان من أهل المدينة الفلانيّة التي أنجبت الكثير من العلماء؛! أو أن يقال: كان جدّه من كبار علماء عصره؛. فأيّ صلة لمثل هذا الإطراء بهذا الشخص؟! وأي مديح يكون له بهذا الكلام؟! فمحاربة هذا النمط من الوساوس ليس بالأمر المعضل جدّاً، وسيفهم الإنسان بقليل من التأمّل والتفكّر أنّه لا علاقة له بهذه الألوان من الإطراء. والقسم الثاني هو مدح المرء بسبب ما وهبه الله من مواهب وصفات؛ كأن يُثنى على امرئ لما اُوتي من تناسق في الجسم وما وُهب من الإمكانيّات الجسديّة. وللمرء أن يفرح قليلاً بهذا المديح، لكن عليه التفكير أوّلاً بقضيّة أنّه ليس هو الذي حصل بنفسه على هذا الجسم وهذه الإمكانيّات، بل إنّ الله جلّ وعلا هو المتفضّل بها عليه وإنّ عليه في مقابلها تكليف الإفادة من هذه النعمة على أحسن وجه. ثمّ إنّ عليه ثانياً أن يلتفت إلى هذه النقطة وهي: هل إنّ كلّ مَن مُنح هذه الإمكانيّات والجمال فهو عزيز عند الله؟! فلربّما كان هناك من هم أقلّ منه إمكانيّة بكثير وقد ظفروا بحسن العاقبة، ولربّما وُجد مَن يفوقه بالإمكانيّات والجمال فأصبح سبباً في ضلالة جماعة من الناس. فهذه الفضائل لا تشكّل سبباً وجيهاً لتفاخر المرء بنفسه. أمّا ذلك القسم من المديح الذي تصعب مجابهته فهو إطراء الآخرين على ما يقوم به الإنسان من الأعمال الاختياريّة الحسنة وما يظفر به من كمالات بسببها؛ كأن يكون قد جدّ في طلب العلم، وعبد الله، وقدّم الخدمات للعباد، أو كان سبباً في نجاة اُمّة من الضلالة، أو امتلك صفات أخلاقيّة حسنة دفعته لإنجاز صالح الأعمال، كما لو اتّصف بالسخاء أو الصفح والتجاوز. فالمرء يدرك أنّ تلك الكمالات من نفسه. وفي مثل هذه الحالات يفرح المرء كثيراً من إطراء الآخرين ممّا يفسح المجال لوسوسة الشيطان له. ففي القسمين السابقين لا يكون للشيطان دور كبير، أمّا هنا فإنّ مقارعة الشيطان والوقوف بوجهه يكون أشدّ عسراً وصعوبة؛ ذلك أنّ الإنسان قد قام بهذه الاُمور باختياره حقّاً، وقد نال نتائجها أيضاً. وهنا ينبغي للمرء من أجل الخلاص من شرّ وساوس الشيطان أن يتنبّه إلى أربعة اُمور؛ فعليه أوّلاً أن يعلم أن القسم الأعظم ممّا قام به من أعمال حسنة إنّما هو ببركة توفيق الله له وأنّه تعالى هو الذي هيّأ له المقدّمات لذلك. فلو فكّر المرء مليّاً في ذلك لوجد أنّ دور إرادته في كلّ ما يقوم به قد يكون أقلّ من واحد بالمئة، فكم من الوسائل والأسباب قد وفّرها الباري عزّ وجلّ من أجل أن تكون للمرء هذه الإرادة! ثانياً عليه الالتفات إلى قضيّة مهمّة وهي أنّه من غير المعلوم أنّ هذه النعمة التي استمرّ الله تعالى في إعطائه إيّاها إلى هذه اللحظة ستستمرّ بعد ساعة من الآن، فمن يدري أنّ العلم الذي يمتلكه الإنسان سيبقى إلى ما بعد ساعة. فالقرآن الكريم يقول: وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً؛4؛ فقد يمتدّ عمر الإنسان إلى أتعس مراحله من الشيخوخة حتّى أنّه لا يعود يعلم شيئاً بعد ما كان عالماً ومطّلعاً. فالذين يبتلون بمرض الزهايمر في الكبر قد لا يعرفون حتّى أبناءهم. فإن كانت لدينا نعمة فهي باقية بإرداة الله عزّ وجلّ وهو إن لم يُرِد لم نبق متمتّعين بها. النقطة الثالثة هي أنّ على الإنسان أن يقلق من مآله وعاقبته. إنّهم لكثيرون اُولئك الذين عاشوا عمراً طويلاً وهم يتمتّعون بطيب السمعة بين الناس وقدّموا خدمات جليلة لكنّ عاقبتهم كانت الكفر! ومن هنا فليس للإنسان أن يفخر بأيّ كمال أو يطمئنّ به. أمّا النقطة الرابعة التي ينبغي الالتفات إليها فهي أنّ الفرح من تملّق الآخرين وكلامهم المعسول قد يوقع الإنسان في فخّ الرياء ويشكّل مقدّمة لسقوطه. ومن هنا يقول الإمام الباقر (عليه السلام) لجابر: إذا تعرّضت للمديح والإطراء فلا تفرح ولا تشعر بالنشوة كثيراً!

زينا ماجد حميد