وليد هرمز.. الشاعر الذي جننتهُ البصرة

414

وليد هرمز.. الشاعر الذي جننتهُ البصرة
لا أشرعة تقود النوتي المتنكر بالعماء

حسن النوّاب
سالميتي..؟! حين تقرأ هكذا عنوان علي مجموعة شعرية، ستحيط برأسك علامات استفهام وتعجّب لا حصر لها، لأن المفردة تبدو غريبة علي مسامعنا ويحيلك ايقاعها الصوتي الي طقس شعبي يحمل نكهة فلكلورية،لكن الشاعر وليد هرمز لا يدعنا في حيرة طويلة، اذ سرعان ما نجد بعد قراءة صفحات قليلة من الكتاب ، ان هامشا وضعه يقول ان سالميتي كلمة اكدية تطلق علي مدينة البصرة. وهكذا يفتح امامنا كوّة مليئة بالخصب والحب والإستغاثات حتي نتفاعل مع قصيدته الطويلة التي دوّنها وفق ايقاع شعري من بحر مركّب عن مدينته البصرة، للحد الذي جعلنا نشعر بالزهو من انتمائه الجنوبي النبيل وهو الشاعر الذي يحمل علي صدره الصليب، حتي بدي لنا ذلك الصليب كأنه نخلة بصرية مزروعة في شعاب جسده وليست علي صدره فحسب، حيث نراه في قصيدة ساليمتي مشحونا بعواطف ملتهبة وكلمات يضيئها الجمر وتكاد تحرق الورق الذي رسمت عليه تلك الشهقات حين يقول:
” ذاهبٌ، اخيراً، إليها كقدرٍ
ذاهبٌ علي رسُلي،
الي انسيابي الأخير،
عطشٌ الي اثداء ينابيع ،،
ثم يهتف بحرقة الوجد قائلا:
اهيئُ حبر القلب،
اهيئُ ضرباته المستأنسة بعشب الشهيق. “
غير ان الشاعر الهرمزي لن يتوقف بوحهُ بعد لأن البصرة تهجع في نبع روحه مثل موقد نار ولست مغاليا اذا ما قلت ان نيران الشعيبة كلها توهجت في منفي ذاكرته، ولذا نري نسغ لوعته يتصاعد هارمونيا مع ايقاع الكلمات التي تتشظي من دمه حيث يقول:
” لاشريعة ماء لبلم عشاري
لا اشرعة تقود النوتي المتنكر بالعماء
الي مضائق سالميتي “
ثم يستدرج القاريء الي عوالم قصيدته حتي يتوغل معه في جغرافيتها حين يبدأ الشاعر هرمز بتوصيف الأمكنة الأثيرة علي قلبه في البصرة بلغة مشحونة بالألم والحسرات حيث يقول:
” انا المشّاء الجفل
مثقل بمفاتيح من رمل “الرميلة”
بأصفاد من حجر “سنامْ”
مرتجف كعرف ديك
علي برج ” سورين “
دجٌّ ازرق يطوف علي
بحر ” السبتيين “
ونكتشف ان الشاعر ابتعد عن البصرة منذ ثلاثين عاما ملتحفا ظلام المنافي الموحشة، هاهو يناديها بقلب مكلوم تقطعت نياط وجده بالجنون قائلا:
” ايكفيك ثلاثون نأيا ؟
ايكفيك ثلاثون جنونا..
لاكاهنٌ طاهر، يدهن جبينك بزيت الثالوث
لاصلاة المنسية علي ملح ” أدوم “
لاعراب يشهد علي معموديتك،
لا أم تطرز قميصك بالشريط الأبيض والصليب. “
ولأن القصيدة التي دونها هرمز طويلة وضاجة باللهاث والعناء والأسي حيث امتدت علي اربعة وسبعين صفحة من الكتاب، نشعر ان الشاعر قد نال منه التعب كمن ينحت مفاصلها بإزميل من جرّيد النخل، لذا يباغتنا بعد حين بسرد شعري هامس في غاية الدهشة لا تجد روحك الا متناغمة معه حين يوّظف عناوين قصائد السياب بشفافية عالية مع نسيج كلماته و يبدأ الترتيل:
” لكن الشاعر غفا، فجأة
غفي النسر
غفت الأسلحة بيد الأطفال
غفت المومس العمياء في المبغي
غفا الهراقطة في المعبد الغريق
غفا المطر بإنشودته
غفا حفارو القبور في ام البروم
غفا المسيح في جيكور
غفت وفيقة علي الصليب..
غفا جدي الكِلديُّ علي طمي بويب
غفا لوركا في منزل الأقنان..
وتستمر هذه الغفوة العذبة التي تشبه ترانيم يرددها كلداني في كنيسة علي مساحة صفحتين من الكتاب، والشاعر هرمز مازال يحاول ان يملأ مسامات روحه في تفاصيل اخري يستلهمها من بصرته الموغلة في البعد عن ناظريه ولكنها حاضرة كفنار في عش رأسه، ولكأن انثياله المتدفق هذا يذكرنا بقصيدة “صور” للشاعر اللبناني عباس بيضون حيث الخطاب الدرامي المتوتر المضيء بالصور النثرية، غير ان شاعرنا هرمز يحرث بأضلاعه تخوم سالميته التي لا شبيه لها في الطبيعة.. يحرثها بموسيقي ضاجة بالحنين، اجل.. انها ارض البصرة التي تمطر سماواتها نوارسا ودمعا وغبارا وبلابل ، تلك المدينة التي اشتعل قلب الشاعر وجدا لرؤيتها وهو يئن بلغة شعرية هادئة لكنها مليئة بالوجع قائلا:
” ذاهب، اقرع ابوابها الخمسة،
هكذا كخفة سنجاب
اقضم جوزة عمري بقشرتها
بلا قوافل
بلا مريدين
بلا انيس
بلا ندم
اذهب لأولد هناك
لأموت هنا
في النسيان “
هكذا يخبرنا الشاعر وليد هرمز بلوعة في متن قصيدته ونحن نجوب عوالمها المنسوجة من شهقات وعبرات وانين وجنون والق بعيد، ان ولادته لم تتحق مالم يكن هناك في سالميتهِ..البصرة العجيبة ابدا.

/2/2012 Issue 4116 – Date 7- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4116 – التاريخ 7/2/2012

AZP09
HSNO























مشاركة