كيف بدأ تصنيع الدواء واعتماده ؟
لقد كانت الحاجة الماسّة إلى العلاج مرتبطة بضرورة من ضرورات الحياة؛ إذ لا يوجد مجتمع من المجتمعات أو عصر من العصور إلا وهو يشتمل على لمسة علاجيّة أو وقائيّة، ومثلما كان الانسان القديم يحتاج إلى إخفاء نفسه في الكهوف أو فوق الأشجار ليتجنّب الحيوانات المفترسة، وليقي نفسه حرارة الشمس المحرقة أو برودة الجوّ فقد كان يلجأ إلى استخدام أنواع من الأعشاب ليضعها فوق لدغات بعض الحشرات وهنا تكمن البداية، فالحاجة إلى الاستطباب ضروريّة كضرورة الحياة على الرغم من الأساليب البدائيّة التي تعامل بها الانسان القديم، ولا يخلو الامر من تدخّل العوامل الروحية فيما بعد مثلما هو الأمر في الطبّ النبويّ، وطبّ الامام الصادق (ع)، والطبّ الصينيّ.
إنّ ما اعتمده الانسان القديم من أسس للعلاج اعتمدها العلماء الأوائل من استخدام الأعشاب والمواد الطبيعيّة في العلاج هو ما يصطلح عليه الآن بـالطبّ التجريبيّ أو الطبّ البديل (Empirical)، وهذا المصطلح العلميّ يعني استخدام النباتات أو مستخلصاتها طبيّاً أو علميّاً، وهو لا شكّ في بداياته لم يكن يعتمد أيّ أصول علميّة، فضلاً عن أنّه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحضارة الشعوب وأديانها ولا تزال بعض طرق الاستخدام القديمة مستعملة في وقتنا الحاضر. أمّا التطوّر الثاني لصناعة الأدوية فكان ( شبه التجريبي Semiempiriacl ) حيث بدأ وضع أسس علميّة للعلاج، ويعتمد استخراج الموادّ الفعّالة من الأعشاب أو المصادر الطبيعيّة الأخرى، ومن ثمّ إجراء التحويرات الكيميائيّة بما يتلائم مع فعاليّة الدواء العالية، ومن أمثلة ذلك: البنسلين، والسفالوسبورينالذي يستخرج من البكتريا، وقد أعطى هذا التطوّر دفعة تقنيّة طبيّة؛ إذ أحدث طفرة تقنيّة، وفتح مجالاً واسعاً في مجال تصنيع الدواء، ومن نتائج هذا التطوّر هو فصل المركبّات الفعّالة دوائيّاً بشكل نقيّ ومنفرد، ومن ثمّ دراسة فعاليّته الدوائيّة ومعالجة المشاكل التي تقلّل من فعاليّته؛ إذ يتمّ التحوير الكيميائيّ على المركّب الأصليّ بما يتلائم مع إعطاء فعاليّة دوائيّة جيّدة، وبهذا تمّ حلّ أكبر مشكلة تواجه المركبات الدوائيّة الطبيعيّة وهي مقاومة التحلّل في الجسم البشريّ، فضلاً عن المشاكل الأخرى.
أمّا التطوّر الثالث فقد وصلت بالصناعات الدوائيّة إلى المنهجيّة والتقنين إذ يشتمل دراسة مستفيضة للأمراض ومسبباتها بكلّ دقّة ليتمّ التعرّف على الميكانيكيّة الكيميائيّة الدقيقة للأمراض، ومن ثمّ تصميم الدواء المشابه للمركّب المسبّب للمرض فيخدعه ويدخل ضمن ميكانيكيّته، ويعمل على تثبيط هذه التفاعلات الكيميائيّة الممرضة، وهذا ما يصطلح عليه بـ (الكيمياء العضويّة الحيويّة)، وهناك في حقيقة الأمر أكثر من نوع من التفاعلات الحيويّة الممرضة تمّ اكتشافه وكان هدفاً للشركات الدوائيّة، منها: مستقبلات البروتين نوع ج ، والأنزيمات، والهرمونات، وقنوات الآيونات، وغيرها.
يمثّل التصنيع الدوائي الاندماجي واحداً من أحدث الطرق في صناعة الادوية، وهذه الطرق لا تزال تجريبيّة ويشترك فيها الأحيائيّ (جسم الانسان)، والكيميائيّ (تركيب الدواء) معاً في تصنيع وتنقية وتشخيص ودراسة الفعاليّة الحيويّة في الوقت نفسه وبأقلّ عدد من التجارب، أيّ يتمّ تحضير آلاف المركبّات الكيميائيّة التي يمكن أن تعطي فعاليّة حيويّة بالاعتماد على الجانب الحيويّ ودراسة فعاليّتها الحيويّة في الوقت نفســــــــه ليحدّد المركّب الفعّال في هذه المجموعة الدوائيّة الكبيرة المحضّرة.
إنّ أهمّ عامل يمكن أن يكون مؤثراً في اعتماد الدواء فضلاً عن الفعاليّة هو التداخلات الجانبيّة التي يمكن أن تسبّب أمراضاً عديدة؛ لذا أنصح من يطلع على بعض هذه الأساسيّات في صناعة الأدوية أن يكون حذراً في التعامل مع العلاج ولاسيّما مع الأعشاب الطبيعيّة، فالطبيب هو المسؤول الأوّل عن وصف العلاج لأنّه الأفهم والواضع للأمور في نصابها، وعندما نأخذ مضاداً حيويّاً للعلاج فهذا يعني أنّك أخذت قاتل للحياة وأنّ حياتك أصبحت جزءاً من الهدف.
رحيم جميل محيسن – البصرة























