الفترة الرعناء – نصوص – عبد الحميد الرشودي

444

حياة الأزري وشعره

الفترة الرعناء – نصوص – عبد الحميد الرشودي

كان المرحوم الشاعر الجهير القدير عبد الحسين الازري قد أثيرت حفيظته بسبب التعنت في تعيين ولده عبد الكريم الازري الذي عاد لتوه من البعثة وما صحب ذلك من تلكؤ في انجاز معاملة تعيينه فنظم هذه القصيدة ونشرها في مجلة الاعتدال سنة 1936 وقد قال في ذلك العهد ما لم يقل مالك في الخمرة. ترى لو انبسطت فسحة الاجل بالازري واصطلى بجحيم التسلط والتحكم البعثي الفاشي الذي سلخ في تحكمه خمسة وثلاثين عاما سلخ خلالها جلود الشعب العراقي بظلمه المقنن وجوره وبدعه ومناكيره ماذا كان عساه ان يقول ومن نرى احق بهذه القصيدة؟ العهد الذي عناه وعاناه ام العهد الذي عاناه الشعب العراقي الضحية في تلك المدة الظالمة المظلمة وقد رأينا من المناسب ان نعيد نشر تلك القصيدة الغراء فهي اشد انطباقا على عهدهم الأسود المقيت وسيجد القارئ في طوايا هذه القصيدة من الحقائق المرة التي هي اعلق والصق بذلك العهد البغيض فكأنما كان الازري ينظر بعين الغيب الى مثل ذلك العهد المقبور. وهذا العهد الذي فاق ظلمه على الشعب منذ التاسع من نيسان 2003 الذي فاق بظلمه وتعسفه كل العهود السابقة وربما العهود اللاحقة نسأل الله العفو واللطف.

فترة رعناء بين عهدين

               اضحكتنا ورب ضحك بكاء

فترة من زماننا رعناء

           فترة ضاعت المقاييس بين الناس

فيها وسادت الاهواء

        خلقت من خشارة (1) الناس رهطا

عرفت بعد خلقها الإباء

                لمة من بني الشوارع عاشت

حيث عاش الأعيار واللقطاء (2)

               فتحت عينها على الشعب المر

فكادت ان تيبس الامعاء

حشرات طلعن من طبقات الـ

أرض لما استبدت الظلماء

رفعت من الحضيض ولم تر

فع نهاها فمسها الخيلاء

وكذاك اعتلاء من ليس اهلا

للمعالي مصيبة وبلاء

يا لها فترة من الدهر فوضى

يستوي الهدم عندها والبناء

كثر الانتحال فيها وباتت

تستغل الانساب والاسماء

لم يفيئوا الى التنحل لولا

انهم في اصولهم فقراء

ليت شعري والعهد غير بعيد

غبي الناس ام هم الاغبياء؟

وبماضيهم اذا الدور ولى

فالالى بعرقوتهم احياء

صحبوا حملة الغزاة فجاؤا

مثلما يصحب السيول الغثاء (3)

وبأسلاب غيرهم من ضحايا

ظلم عاشوا وعاشت الأبناء

الاشباع جوع نكرات

سفكت بالبلاد تلك الدماء

يالسخرية المقادير فينا

لست ادري اما لهذا انتهاء؟

كيف لا ترقبي كل عثار

من قصير عليه طال الراء؟

باع من فقره الضمير كما با

عت لزان عفافها عذراء

غره المرتقى فظن بان الـ

ناس احاشاه اعبد واماء

وله وحده الكرامة والعز

ة والمجد والنهى والعلاء

تقرأ العجب فيه من نظرات

ملؤها الاحتقار والازدراء

مطرق ان مشى كمن اشغلته

لحلول المشاكل الآراء

لو تصفحته وجدت ثيابا

فوق جسم كأنه المومياء (4)

وكثيرون لو تطلعت فيهم

كأساق (5) في جفوفهن هواء

مجديا كالسباخ من كل خير

جل ما في جرابه الكبرياء

ان تسل منه فالجواب اقتضاب

او تسلم فرده ايماء

او ترجو من المغايض (6) زهرا

ونبات المغايض الحلفاء

يوجد الخير حيث يوجد في المرء

ضمير يشع منه الضياء

واذا ما استبنته قال انا

من اياد (7) وغيرنا الادعياء

نحن من حاملي اللواء بذي

قار ابونا وامنا البرشاء (8)

وبنو عمنا الاراقم من تغـ

لب والاعشيانوالخنساء (9)

وجبال السراة تشهد انا

عرب ليس غيرنا عرباء

هكذا تفعل المهازل في الـ

نبا وتقضي العبادة العمياء

وكذا يبطر الرخاء خفيف الـ

وزن من حيث لم يسعه الاناء

خفة تشبه الجنون وحمى الـ

موم هاجت من خبشها الصفراء (12)

وتمشت في الجسم رعشتها الخر

ساء فاعصوصبت بها الأعضاء

تتغنى بها البلاهة والطي

ش وبعض من الغناء البكاء

لا تلمه فد رأى فوق مالم

بتصور وزال عنه الشقاء

من رباش تحفه في المقاصير

وكانت تضمه القرفصاء

وتراه على الارائك جذلا

ن وقد كان في العراء الثواء

وتخب السيارة اليوم فيه

بعدما خد اخمصية الحفاء

أيها الفترة اقترفت ذنوبا

تلقى عقابها النبلاء

ليس هذا الزمان الا كتابا

انت منه الصحيفة السوداء

فيك راح الهوى يحط ويملي

لم تقيده ذمة او حياء

طالما غطت الظواهر عين

ي وغطى على الظنون الرياء

ثم دارت رحى الزمان فابدت

لي ما ينطوي عليه الجفاء

رب داء ترى من العار شكوا

وشكوى يثنيك عنها الإباء

تعريف موجز بالشاعر

{ ولد الحاج عبد الحسين الازري في بغداد سنة 1880 لاسرة بغدادية عريقة اشتهر فيها الشاعر الكبير الملا كاظم الازري وهذه الاسرة تنتمي الى قبيلة تميم كان الحاج عبد الحسين اديبا وصحفيا وشاعرا بارعا يسامي شعراء الطبقة الأولى من شعراء العراق ويدانيهم بما يملك من قدرة على النظم وابتكار المعاني بديباجة مشرقة لا تكلف فيها ولا اعتساف وقد كان مشاركا في جميع المناسبات الأدبية والسياسية والاجتماعية فقد رثى احمد شوقي وشاعر الهند وفيلسوفها طاغور وجميل صدقي الزهاوي وقد جمع شعره في ديوان طبع سنة 1980 في بيروت بتحقيق مكي السيد جاسم وشاكر محمود شكر انتقل عبد الحسين الازري الى رحمة الله سنة 1954 وهو ابو عبد الكريم الازري الوزير الأسبق تغمده الله برحمته الواسعة.

شرح المفردات الغامضة الواردة في القصيدة:

1- الخشارة (بالضم) الرديء من كل شيء وسفلة القوم

2- اللمة (بالفتح) الشيء المجتمع.. الاعيار جمع العار: وهو السبة والعيب

3- الغثاء (بالضم) الزبد

4- المومياء يراد بها الجسم المحنط واصل الكلمة (الموميا) بلا همزة: دواء يتخذ لتحنيط الاجسام (دخيلة يونانية)

5- الاساقي جمع السقاء وهو وعاء من الجلد يتخذ للماء واللبن

6- المغايض: جمع المغيض وهو مجتمع الماء

7- اياد حي من معد ينتسبون الى اياد بن نزار بن معد

8- ذوقار: موقع في جنوب العراق وبه سميت محافظة ذي قار وفيه حدثت معركة مشهورة بين العرب والفرس قبيل ظهور الإسلام كان النصر فيها للعرب. البرشاء اسمها رقاش بنت الحارث وهي ام ذهل وشيبان وقيس بني ثعلبة (جمهرة انساب العرب/ 319 والقاموس الإسلامي/ 455).

9- الاراقم: جشم ومالك والحارث وعمرو وثعلبة ومعاوية أولاد بكر بن حبيب بن عمر بن غنم بن تغلب (جمهرة انساب العرب 304. الاعشيان تثنيه الاعشى والملقبون بهذا اللقب كثيرون منهم سبعة عشر شاعرا أورد الآمدي أسماءهم ونبذأ من اشعارهم في كتابه (المؤتلف والمختلف ص 10 وما بعدها واشهرهم اعش قيس. الخنساء

10- الغور: غور تهامة وغور الاردن وغور العماد موضع في ديار بني سليم العذيب بالضم ماء لبني تميم وموضع بالبصرة وادي الجزع، واد باليمامة الابرقان! منزل على طريق مكة من البصرة.. ويسمى أيضا ابرق حجر اليمامة. الدهناء: من ديار بني تميم وهي ارض واسعة.

11- جبال السراة متصلة على نسق واحد من اقصى اليمن الى الشام العرب العرباء جرهم وطسم وجديس وعاد وثمود وارم وغيرهم وقد بادوا

12- الموم: اشد الجدري الذي الجسم كل قرحة واحدة

مشاركة