فقد كانت نورا ً
لم يكن لدينا بعد القدرة على الكلام نحن الذين كنا نعمل كموظفين بشركة المقاولات في بابل ، و موجات الحر كانت مهلكة و اشعة الشمس عمودية السقوط تنصف الاشياء و تجردها من نفسها , السماء تشرف بعد يوم واحد على عيد رمضان حيث البهجة في القلب بكل ما تتخلله هذه الاجواء من طقوس راحة و تواصل و سرعان ما اوشكنا على نهاية العمل في الموقع ذهبنا الى مكان التبديل والمغاسل ملمين بأنفسنا انا وصديق لي من كربلاء للرجوع الى الدار ، قبل ان يقيدنا القدر بهاتف عاجل باكي للصديق (حسن التميمي) جاء ليخبره عن وفاة ابنة اخته التي صارعت المرض الذي اصاب قلبها بعجز اوقعها في شُركهِ ميتة ، تلقينا الخبر بصعقة ابدت فيها لون وجوهنا اشبه بليمونة صفراء ناضجة ، صرخنا مع بعضنا من شدة الفزع على هذه الطفلة التي لم يكتمل حولها العاشر من الاتمام اسرعنا الى السيارة للذهاب الى المستشفى المقام في بابل حيث محل وفاتها ، لم ادرك من اين خرجنا ومن اين سندخل السيارة تتسارع من الرياح الحارة و الغبار الذي ملأنا .. دخلنا نتساءل عن مكان الجثة التي طالما كانت بينهم يأنون عليها و يتصبرون بالصراخ الذي يدعو الى ان تعود بين احضانهم ، تسلمنا جثة الطفلة الصغيره على سرير متحرك نقوده الى مكان البراد لوضع الجثة بين ما تتم اجراءات الوفاة ، اكشفنا وجه الطفلة انا و صديقي الذي لم يرها من بكائه فقد كانت (نور) .. فقد كانت (نور) ، الطفلة المدللة صاحبة الضحكة الجميلة التي دخلت قلوب من كان حولها .. اخواتها الثلاث الاصغر منها و اب فقد وعيه حين تسلم خبر وفاتها فقد جاء يترنح بين ممرات المستشفى كخميرة عجين تسقط كلما تم اسنادها ، لم يسعفه شيء للوقوف طويلا فأمسى مضطجعا على الارض يولول و يأن عليها و يدعو الله يا ربي فقد كانت (نور) .. هذه (نور) يا رب لماذا لم تمنحها الحياة اذا . الله الله لم يكن بوسعي تحمل كل ما يدور و لا يمكنني الذهاب و لم يكن بوسعي غير ان اصبر الجميع ..امها التي فقدت وعيها اغاثوها بالمهدئ و الدموع ليخرجوها بعيدا عن ابنتها التي لم تشبع من الهواء ..دخلوا علينا رجال لم اعرف احدا منهم لكن تبينوا انهم اخوال اب البنت و اعمامه مع نعش لحمل جثة الطفلة التي طالما كانت تنتظرنا في براد المستشفى ، حملنا النعش و ذهبنا الى البراد لإخراج الجثة من المستشفى ، دخلنا الى البراد الذي عطت منه رائحة الموت حملت مع صديقي جثة الطفلة بعدما ودعها ابوها بقبلة محتضنا رأسها مناديا لماذا هكذا يا (نور) لم يصدق انها ميتة من شدة الدهشة فقد كان يتوسل بنا الا نحملها الى النعش على فرض ان تكون نائمة ستصحو بعد عدة سويعات لترجع معه للبيت الى حضنه و الى خواتها الثلاث ، لم يكن الامر كما كان يأمل , فقد تم خروجها بنعشها الذي غطيناه بغطاء اسود كعادة امواتنا المسلمين توجهنا الى المغتسل الذي يقع على قبيل الدرب الذي يوصلنا الى كربلاء .. لم اتمكن حينها من ان اتصبر لتجعد وجهي الذي افرطت منه الدموع ، الطفلة كانت اجمل من الموت هكذا سمعت احد المتشيعين يرددها ممزوجة ببكائه و مراسيم الدفن والزيارة هي الفارق الاخير الذي يفصلنا عن (نور) التي كانت بين احضان والديها قبل ساعات من الان قبل عدة ايام كانت تلعب فرحة بنجاحها المكلل بالفرحة ، قلبي الذي عاد وحيدا بعد تعبه اخر المساء لم يذكر بالطريق الا وجه الطفلة الجميل و الكلمات التي رددوها .. فقد كانت (نور) .. فقد كانت (نور)
حسن الجواد – بغداد























