سياسي صالح جداً

شاهد وشهيد

سياسي صالح جداً

مكتب ضخم وحراس مثله يصطفون كجدار قربه، رجل يجلس خلف المكتب وهو متجهم مهموم.

طرقة على الباب، وقبول بالدخول.

الموظف: استاذ ارجو ان تتمالك نفسك فصحتك مهمة.

الاستاذ: تكلم بسرعة.

الموظف: الشارع الجديد.. لا سكان فيه، ذهبنا ورمينا المساعدات من الطائرة المروحية ولا احد خرج لينظر او يستبشر او يأخذ شيئا.

الاستاذ: هل يكونون قد رحلوا ؟ ولكن كيف وهم محاصرون من ثلاث جهات؟! ربما تفترون عليهم وسرقتم المساعدات؟ الموظف: ارجوك استاذ لم يحدث شيء من هذا.

الاستاذ: بل حدث كثيرا الم اصادر منكم حاجات مخصصة لهم من قبل؟ يا لهم من معذبين انهم يقضُّون مضجعي، صرخاتهم تمنعني من النوم، لابد من التدخل السريع، سالوم نفسي قبل ان يلومني العالم.

الموظف: يا لرأفتك استاذ، وكم هم جاحدون ليطعنوا بنزاهتك وحبك لهم وولعك بخدمتهم.

الاستاذ: على مهلك لا تصفهم هكذا.

“ويهز راسه ويمد يده في جيب قميصه .صَمَتَ محاولا أخذ القرار لمواجهة اي وضع جديد فهو يعلم ان سكان الشارع الجديد مازالوا فيه، ولكن هل هم في حالة تمرد ام موت جماعي ؟

ترك مكتبه وسار ليقف امام المراة الكبيرة على مساحة حائط مقابل لمكتبه، ثم ليسير وهو يراقب نفسه ان كان سيمشي في الشارع بين الناس.

دائما ما يصحب معه بعض الصحفيين المحبين له لتكون اعماله في الصورة، فرغم عدم اهمية الراي العام وثرثرة المثقفين والبسطاء الا ان الصور لا باس بها فقد يكسب حب البعض بها”.

التفت محدثا الموظف: هيئ لي صحفيا يانعا اكسبه فرصة للشهرة، سيكون معي في جولتي هناك وادلي بتصريحات خطيرة تمهد الطريق لحل مشاكل سكان الشارع الجديد.

الموظف: ساختار لك شابا اعرفه جيدا وهو بارع في العمل رغم عدم استفادة احد منه.. لم يمض على تعيينه اكثر من شهر.

الاستاذ: جيد. احضر لنا الطائرة المروحية لاطلع على مالم تقله لي عن الشارع المسكين.

حضرت الطائرة والاستاذ يتحرك صوبها وحراسه من حوله وخلفه الموظف وشاب يحمل محفظة للاوراق وكاميرا. واقلعت مرتفعة وسط ضجيج الاستاذ والنظرات الباردة للمحيطين به فقد اعتادوا على عباراته كلما اقلعت به طائرة..

وهو يقول: اياكم واي حركة اني اخاف المرتفعات، اي بؤس اعيش بمسؤوليتي عن هؤلاء المتعفنين.

ثم اخذ يفكر كيف سيتصرف فالكاميرا مسلطة عليه فصار يحدث نفسه بصوت عال:

سأختار صفات القادة المشهورين فاولا ساترك مجالا لرفع الكلفة سأزيل الحواجز بيني وبينهم، لكن ستبقى هيبتي بلا انتقاص وستكون خطاباتي محبة لهم بلا اول ولا اخر فلا سابق لي من عظماء التاريخ الانساني، كما انني سأسير بينهم كما سار الاسكندر في الفيلم وساقف بينهم كما وقف ملوك الفراعنة كوقفة إلهية قادمة من السماء اما مشية نابليون فستكون بصمت راق فربما سأرسم صورة واضعها على جدار الشارع هنا ، يا اااه ما اصعب ان تكون مسؤولا.. لكنه شيء جميل جدا تتعود عليه فلا تريد تركه رغم الصعوبات.

كان الجميع يسمعه بهدوء.

الموظف وقد لاح له مكان الهبوط: حمدا لله على سلامتك استاذ هاقد وصلنا.

الاستاذ: فضيع.. ان ما يجري فضيع. هيا تحركوا جميعا لنقوم بالأمر بسرعة لأني لا احتمل رؤية عذاب الناس، وانت ايها الصحفي ابدا بالتصوير وتسجيل كل خطوة وكل حديث لي، واختار اللقطات المناسبة لتظهر مدى المي وتعاطفي معهم.

الصحفي: اكيد استاذ لقد بدات فعلا.

سار الجميع الاستاذ في المقدمة وعلى جانبيه الحراس والموظف والصحفي.

الاستاذ: هيا اطلق صوتا ما، اجراس او مكبرات ما هذا السكون الم يسمعوا صوت الطائرة ؟!!

الموظف: حاضر استاذ.

واطلقت المكبرات معلنة زيارة الرؤوف بسكان الشارع الجديد ولكن لا احد يهب للخروج فالخيم مغطاة بالثلوج والشارع محاصر بالمياه من ثلاث جهات وطريق وحيد ضيق قرب مسار الخيم ان رغب احد ما لينظر.

شعر بالحرج الاستاذ وقرر ان يرفع اطراف بنطلونه ويسير حيث ينظر الى داخل المخيمات، ونظر ممتعظا للحال وحراسه من حوله ينزلقون في المياه.

الاستاذ:

ايها الموظف يبدو ان لا احياء على الاطلاق.. ربما ماتوا من زمن لقد فشلت خططي كلها، ايها الصحفي صورني الان وانا ابكي فوق الجثث ساختار الاطفال.

الصحفي: نعم استاذ اني اقوم بعملي كما تحب.

واكتفى الاستاذ ببعض اللقطات فلا حاجة لتكرار مشهد فكل الخيم متشابهة وكل الاموات فيها متشابهون.

الاستاذ: سالقي خطبة للتاريخ فانا مؤمن انهم سيسمعون قولي ويهتفون، سجل ايها الصحفي كل حرف مما ساقول:

(ايها الطيبون المسالمون البائسون ادرك واقبل عذركم ان سمعتم الاجراس والدعوات فلم تقوموا لي فقلبي المعذب بعذابكم شامخ واقوى من اي وقت مضى سأسجل في هذا اليوم وهذه الساعة هذا الحدث الذي سيخزي العالم فلا احد منكم سيكون شاهدا على هذا الموت، سأقيم لكم مأتم بضجيج عال فناموا بهناء، وسأقيم عليكم مسجدا واسعا ذا رخاء كما اهل الكهف في كتب وقصص الله، ناموا برغد بلا تعكير لصفاء احلامكم , ناموا بالدفء والطعام وضحكات الصغار، اعلن من هنا الحداد الرسمي لمئة يوم. والسلام ختام.)

عاد الجميع وركبوا الطائرة واقلعت مسرعة وتنهد الاستاذ قائلا: ما رايكم بما قلت وفعلت؟

اجابه الجميع: نِعْمَ اللطيف انت.

وانتهى اليوم ونسي الاستاذ امر المسجد والمئة يوم وطلب من الكل كتمان الامر فالناس في ذاك الشارع ربما هربوا الى ملاذ امن ولا حاجة بهم الى مسؤول فالخير كثير والدفء في كل مكان وفير.

اما الصحفي فقد اكمل عمله واطلق فيلما كاملا يصور المسؤول من صعود الطائرة وحتى عودته مقرور العين غير مقهور، وبلغت الإعجاب لعمله بالملايين وطويت صفحة اليوم بلا اي تأثير.

ابتهال خلف الخياط-  بعقوبة