قصة قصيرة (1)
رحلة ماجدة مع العذاب
بينما كانت ماجدة تسير في قطار العمر تشق طريقها في سكة الأمل تتجه نحو سكك السعادة بعد أن مرت بالعديد من المحطات اجتازت البعض منهن والسعادة تملأ قلبها تحمل معها أجمل الذكريات التي عاشتها فيهن ودونت كل ما مرت به وعاشته كمفكرات احتفظت بهن لنفسها بدأت ماجدة بتدوين قصة رحلتها مع العذاب التي عاشتها بعد أن مرت في محطات كان فراقا بمثابة مسمار في قلبها ينزف حنينا إليه كلما مر ذكراه عليها تجالس ليلها الشتائي الطويل تحكي له عن وجعها و تروي له حكايتها .. . في ذلك المساء الكئيب كانت ماجدة واقفة عند نافذة غرفتها تنتظر مكالمة جرجيس الذي تأخر عليها ؛ ليخبرها أنه عاد من حفل زفاف أحد أصدقائه إلى المنزل شدّ نظرها منظر سحابة وهي تغزو القمر بسرعة فاقت سرعة نظرها حتى أختفى تمام عن الأنظار خال لها حينها وجه جرجيس في القمر فخرجت من الغرفة مسرعة والقلق يعم أجواء روحها كمن يبحث عن شيء أضاعه واتصلت به؛ لتتأكد إن كان بخير وعاد إلى المنزل أم لا يزال في الحفل فتأكدت أنه لا يزال في الحفل فقد كانت أصوات الطبول التي تقرع مع الموسيقى الصاخبة عالياً حين رد جرجيس عليها ثم سألته ما رأيك في أن نلتقي الأحد في المطعم ذاته حيث التقينا الأسبوع الماضي رد جرجيس عليها (لا الأحد سأذهب إلى الكنيسة و…) فقاطعته متسائلة : – إلى الكنيسة ؟ ولكن لما إلى الكنيس ….؟ صمتت قليلاَ ثم قالت متسائلة: – هل يعني ذلك أنك لست…؟ وصمتت مرة أخرى تنتظر منه جوابا يخبرها أنه من نفس دينها تنتظره يعطيها جوابا وافياً لكم الأسئلة التي ازدحمت في رأسها أن يقول لها أن حبه لها قد تجاوز كل الحدود وقطع جميع المسافات وأنه لن يتركها ولن يسمح لشيء يقف عائقا بينه وبينها تنتظره يقول لها شيئا…. فرد عليها صمته حينها عرفت جوابه وضلت صامتة هي الأخرى فعلت أصوات الطبول والموسيقى أكثر ثم أغلق هاتف الحب ومضى صوته عنها كما مضى جسده. أنه الحب الذي أخرسه كما أخرسها هي الأخرى عن النطق بشيء غيره وأعماهما عن رؤية أي شيء سواه الذي تسلل إلى قلبيهما في تلك الظهيرة حين دخلت ماجدة إلى المطعم كان جرجيس يجلس وحيداً على الطاولة يتناول غداءه وشاء القدر؛ ليخرجا معاً ويولد حبهما في ذلك المطعم على تلك الطاولة التي صارت فيما بعد طاولة لقاءاتهما التي لم يزد عددها على عدد أصابع اليد ليرحل هو عنها بعدها صامتاً وتضل هي تحلم أن يزيح القمر عن وجهه سحابة الفراق التي حجبته تتأمل أن يطرق جرجيس بابها عائداً إلى أحضانها تحلم أن يجعل الحب منه جنيناً يولد من جديد على يديها؛ فعاشت معلقة بين واقع ترفض العيش فيه دون جرجيسها وبين حلم لا تطول تحقيقه بيديها حتى يئست من عودته فسلكت طرق النسيان.. . دخلت ماجدة غرفتها لتحاكي ليلها الحزين و تخبره أنها عزمت نسيانه تحاول أن تقاوم ذاكراتها تكتب احرف كلمة (ن س ي ت ه) على ورقة ؛ لتقرأها على نفسها …. و كأنهن تعويذات تحصن بهن قلبها المذبوح من نزف الحنين إليه خاشية على نفسها أن تصاب بأنيميا الحنين الحادة لذكراه فتسكن جسدها حمّى الذكريات و تسقط مغشياً عليها وتغرق في بحر الشوق كلما حاولت النهوض للتخلص من بقايا حنينها المميت إليه حينها تصبح عاجزة عن الاستمرار في العيش دونه ؛ فتموت وهي على قيد الحياة . فتحت ماجدة نافذة غرفتها و هوت إلى فراشها بعد أن مرغت وجهها بلزوجة دمعها المنهمر… ثم استلقت على ظهرها وبينما هي تحاكي ليلها الصاغِ إليها أنشدت نظراتها إلى وجه جرجيس يطل عليها من سقف الغرفة وجهه يكبر يغطي السقف .. ثم يصغر يقترب منها شيئا فشيء بينما هو يهبط عليها من السقف تلتصق شفتاه على شفتاها تختنق. تشعر أن قبلته تكتم أنفاسها تدير وجهها عنه وتدفن رأسها في الوسادة بينما هي تبحث بيديها عن الورقة في فراشها! أنها تبحث عن ورقة تعويذاتها تجدها و تقرأهن على نفسها ثم تسكن وتنام وكأن ما قرأته مثابة مخدر خدرت به عضلة قلبها ليتوقف عن نزف الحنين إليه فتغادر عنها حمّى الذكريات ويسكن ألم الشوق عن أعضاء جسدها فتغط في النوم ثم تركب سفنها وتبحر و تمر عبر بحار و محيطات من الأحلام والأمنيات التي عجزت عن تحقيقها في تلك المحطات . بينما ماجدة راكبة في احدى السفن تشق طريقها نحو جزر النسيان سمعت إحدى النساء تنادي زوجها الذي كان يلاعب طفلا صغيرا بالقرب من باب المنزل : جرجيس …حبيبي .. تعال واجلب فيكتور معك فقد حان وقت الغداء أستوقفها الاسم وكأنه تيار كهربائي دب في جسدها وسار مع خلاياه العصبية فأصابتها رعدة اعادت بها ذاكرتها إلى الوراء فيستيقظ الماضي في داخلها وهي تردد أسمه : جرجيس ؟
جرجيس ؟ !
إيمان نجاح – بغداد























