روسيا والصين وحريات الشعوب

روسيا والصين وحريات الشعوب
حسن حنفي
ارتبطت حركات التحرر الوطني بأيديولوجيات التحرير وفي مقدمتها الماركسية أو الحركات الوطنية أو الإصلاح الديني. وكانت أشبه بمقدسات عند جيل الخمسينيات والستينيات. وكانت موضع اتهام من أعدائها بأنها أساطير. فلا فرق بين الأيديولوجية والأسطورة. والأيديولوجية العلمية التي تقوم على أساس اقتصادي مادي لا تفرق بين ماركسية ورأسمالية. فكلاهما يبغي الربح والنمو بصرف النظر عن الكيفية والطريقة والمستفيدين. وتصعد الأيديولوجيات وتنهار مثل الماركسية والاشتراكية والليبرالية والرأسمالية مثل الأساطير تماما، أساطير التفوق والقوة والعرق والاختيار الإلهي. فلكلٍ عصرها وظروفها التاريخية. وقد ظن الشباب الثائر أن الأيديولوجيات حقائق ومُثـُل مطلقة وقيم إنسانية عليا. فالأيديولوجيات التقدمية كالماركسية والاشتراكية تقوم على الحرية والعدالة والمساواة، وحقوق العمال والفلاحين، ورفض الاستغلال والاحتكار وما تقوم عليه الأيديولوجيات الرجعية كالرأسمالية والليبرالية. وتقوم الأيديولوجيات الليبرالية والرأسمالية على قيم الحريات الفردية، والنشاط الاقتصادي الحر والمنافسة. وكلما تقدم هذا الجيل في العمر وأصبح جيل السبعينيات أدرك أن هذه الأيديولوجيات والأساطير تقوم على المصالح، تتغير بتغيرها. فلا توجد حقائق مطلقة بل مصالح متغيرة. وينظر إلى الجيل الجديد الثائر الغاضب مثل جيل الربيع العربي بحنو وإشفاق لعله يكون أسعد حظا منه. ويظل على اعتقاده بقيم الحرية والعدالة والكرامة دون أن يلعب به أحد ويسرق منه الثورة. فالمصالح أعم من القيم وأقوى منها.
وكانت روسيا والبلاد الاشتراكية هي التي تجسد في الواقع العملي أيديولوجيات تحرر الشعوب بعد أن تحررت هي من حكم القيصر بفضل الماركسية. وتابعتها نظم أوربا الشرقية التي بينها وبين روسيا تواصل جغرافي. ساندت معظم حركات التحرر الوطني في القارات الثلاث ضد الاستعمار الغربي، الفرنسي أو البريطاني أو الأمريكي. وأمدتها بالسلاح. ولم تكتف فقط بتأييدها في مجلس الأمن والتصويت لصالحها. وكانت أول دفعة من الأسلحة أخذتها مصر بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 1955 من تشيكوسلوفاكيا. وظلت تمد مصر بالسلاح حتى حرب أكتوبر 1973، وفاعلية الصواريخ الروسية في الحرب، وصواريخ سكود قصيرة المدى في أيدي الفلاحين الفيتناميين بين الأشجار ضد الفانتوم الأمريكي. ولم تكتف فقط بالسلاح بل أيضا ساعدت في خطط التنمية، والسد العالي في مصر نموذج على ذلك.
ونشأت حركة جديدة في العالم، حركة عدم الانحياز بقيادة مصر والهند ويوغوسلافيا، ناصر ونهرو وتيتو في باندونج عام 1955 لنزع فتيل الحرب بين القوتين الكبيرتين في العالم، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وتكونت كتلة العالم الثالث أو منظمة حركة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. وقد أصبحت تمثل ثلاثة أرباع سكان العالم، وثلاثة أرباع الدول في مجلس الأمن. ولم يشك أحد في جيل الستينيات أن مساعدة الاتحاد السوفييتي في تحرير الشعوب من الاستعمار كانت سعيا وراء مناطق النفوذ، تقليص نفوذ الولايات المتحدة من الحزام المحيط بالاتحاد السوفييتي ابتداء من الوطن العربي حتى الهند وفيتنام والصين شرقا، ومن أوربا الشرقية غربا. فالمبدأ بتجاوز المصلحة.
وتغاضت الشعوب العربية عما كانت تسمع من القهر داخل الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية وتصورتها دعايات أمريكية رأسمالية ضد الحليف السوفييتي. وإن صحت فليس من حقها التدخل في الشؤون الداخلية له. بل لقط فرط العرب في الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا إثر ربيع براج الذي كان النذير الأول للربيع العربي. ولم يعترض العرب على الغزو السوفييتي لأفغانستان، وهي دولة مسلمة كان بين ملكها وملك مصر أواصر قربى. ومنها أتى الأفغاني باعث الحركة الوطنية المصرية وواضع شعار مصر للمصريين . ثم انهار الاتحاد السوفييتي ذاته بعد إعلان ذلك بنفسه في البريسترويكا و الجلاسنوت . فلم تستطيع الاشتراكية العلمية أن تحقق لا الحرية للأفراد ولا العدالة الاجتماعية للشعوب ولا التنمية للأمم. وانهارت النظم الاشتراكية في أوربا الشرقية، دولة وراء الأخرى بعد انهيار الأخ الأكبر واستردت حرياتها. ومعظمها تحول إلى النظام الآخر، النظام الرأسمالي، وانضم إلى المعسكر الغربي وأصبح عضوا في الاتحاد الأوربي.
والآن بدأ الربيع العربي ضد الاستبداد الداخلي وفساد النظم بسرعة فائقة، تونس فمصر فليبيا واليمن فالبحرين فسوريا. ولما كانت روسيا حليفة لسوريا فقد أيدت النظام السوري ضد الثورة الشعبية السورية، وأوقفت أي إدانة فعالة له في مجلس الأمن باستعمال حق النقض. ويرى المذابح للرجال والنساء والأطفال والشيوخ كل يوم، ويشاهد الإعدامات رميا بالرصاص والذبح بالسكاكين وجز الرقاب. ويصر على تأييد النظام. وهنا صدمة جيل الستينيات الذي أصبح الآن في السبعينيات والثمانينيات من العمر، أين قيم الحرية التي طالما دافع عنها الاتحاد السوفييتي أثناء حركات التحرر الوطني؟ إن ما يفعله مع المعارضة الداخلية بقمعها لاستمرار النظام هل يجوز استعماله مع ثورات الشعوب ضد نظمها دفاعا عنها لأنها حليفة له، تعطيه مركزا للنفوذ فيها وفي الشام وفي الوطن العربي كله أو لبيع السلاح له أو لاعتباره قنظرة أو حزاما في خاصرتها من إيران إلى حزب الله مارا بسوريا؟ أين الدفاع عن حريات الشعوب؟ أين المبادئ والقيم، الحرية والكرامة؟ وإذا كان هو ضد التدخل الخارجي في شؤون سوريا فلماذا يتدخل هو بالإمداد بالسلاح؟ واضح أنه يدافع عن مصالحه، ويضحي بمصالح الشعب السوري. ينسى تاريخه مع العرب. ويضحي بالشعب العربي لصالح النظام العربي. فمازالت روسيا هي الاتحاد السوفييتي، النظام القهري الطويل الذي لم يتبدل من القيصر حتى الآن. ولم تهتز روسيا بأربعة عشر ألف شهيد، وسبعين ألف جريح، ومائة ألف سجين، وإطلاق كافة أنواع النيران من الأرض والجو والبحر على المظاهرات السلمية. وهو صامت لم يتفوه بكلمة في صالح الربيع العربي الا ضد تدخل قوات حلف شمال الأطلنطي في ليبيا أيضا دفاعا عن مصالحه والنظام الاستبدادي الليبي السابق وسوق نفطه وسلاحه ومنطقة نفوذه.
أما الصين فقد كانت أيضا حلما في ذهن الشباب العربي. يتحدثون عن المسيرة الطويلة وكأنها سيرتهم. ويقرنون ماو تسي تونج بهوشي منه وجيفارا. ويقرأون الكتاب الأحمر. ونسوا انتفاضة الشباب من أجل الحرية في الميدان السماوي، ووصفوا حركة المنشقين بأنها مؤامرة غربية ضد النظام الشعبي الاشتراكي. ولا يتحدثون عن مذابح المسلمين في سنكيانج، تركستان الشرقية. وبدأوا الآن يستغربون من هذا العملاق الاقتصادي الذي أغرق الأسواق الدولية بمنتجاته بما في ذلك الأسواق العربية والتي تدين للولايات المتحدة الأمريكية. وهو المستثمر الأول في أقريقيا. عملاق اقتصادي وقزم سياسي. يتبع روسيا في حق النقض في مجلس الأمن. وكان ديجول يجيب من يسأله لماذا لا يطرق أبواب الصين؟ قائلا وماذا أقول لبائع ترانزستور؟ . حتى كوبا التي كانت أسطورة الشباب العربي في الستينيات، كاسترو وجيفارا على الألسنة والصور على القمصان، أصبحت أيضا تابعا للاتحاد السوفييتي بتحالفه مع النظام السوري ضد ثورة الشعب السوري. بل إن شافيز الذي بدأ يلهب خيال شباب هذا الجيل لم يتفوه بكلمة دفاعا عن ثورة الشعب السوري. والثورة الإسلامية في إيران التي ظنها العرب إحياء للناصرية الإسلامية تحولت إلى ظهير خلفي للنظام السوري. نسيت الثورة وأيدت الاستبداد الشاهنشاهي العربي.
الآن تظهر الولايات المتحدة وكأنها هي التي تتفهم ثورة الشعب العربي ضد النظم الاستبدادية التي تهاوت والتي كانت بالأمس القريب حليفا لها. وهي التي طالما قرنت بين الإسلام والعنف بعد سبتمبر 2001، تتفهم الآن الإسلام السياسي المطالب بالحرية والعدالة والقادم كبديل للنظم السياسية المتهاوية في تونس ومصر، وربما في اليمن والبحرين وسوريا. وكذلك الغرب، شمال المتوسط يتفهم روح الثورة في جنوبه وشرقه.
ألا تسلم روسيا الوطن العربي للولايات المتحدة والغرب على طبق من فضة؟ ألا تقوم بما قام به الاستعمار القديم بمعاداة الشعوب المتطلعة للحرية؟ سبحان مغير الأحوال.
/8/2012 Issue 4277 – Date 14 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4277 التاريخ 14»8»2012
AZP07