حب تحت شجرة (1)

حب تحت شجرة        (1)

كانا يجتمعان في الحقل الجميل حيث العشب ونسائم الصباح والمساء الجميلة. يلعبان لعبة الاختباء بين الشجيرات ويركضان بمرح مع الآخرين. يقطفان الزهور التي تسبق ثمرها المعد للقطف والبيع. ويجمعان الفراشات الملونة. يصنعان مطرقة لطرق الجراد وضحكاتهما تسمع من مكان بعيد.

في يوم من الأيام سقط ايمن وهو يركض فانجرحت ركبته واخذ الدم يسيل منها فقامت اميرة بتضميدها بشريط ضفيرتها بعد ان غسلتها بماء من الساقية الصغيرة التي تشق الحقل. في المدرسة التي تبعد مسافة عن بيتيهما كان أيمن ينتظرها ثم يذهبان سوية. يداهما متشابكتان ويواصلان سيرهما مرة يمشيان ومرة يقفزان وأخرى يركضان وراء بعضهما او يطاردان  الفراشات في طريقهما الا ان تحيد الفراشة عن طريق مدرستهما فيتركانها ويواصلان طريقهما.

في احدى الأيام المدرسية الجميلة اشترت أميرة حلوى كان قد جلبها صاحب الحانوت المدرسي لأول مرة فاشترى الطلاب القادرون على شرائها, بينما وقف أيمن هناك ينظر إليهم. أحزنها منظر عينيه الحزينتين وهما يسترقان النظر للحلوى وأعطته حصتها قبل ان تتذوقها.

_ خذ اشتريتها لك.

لم يكن أيمن يتصنع او يضع اي حاجزا مع صديقة طفولته أميره بل كان يشعر بها صديقته الأفضل والأقرب.

أخذها مبتسما.

_شكرا و أنت؟

_ اشتريت واحدة واكلتها وجلبت هذه لك.

لم تتذوقها ولكنها اثرته على نفسها.

لم تتركه أميرة متحيرا حينما اكتشفت انه لم يكتب واجبه وكان خائفا من المعلم. وبدا الكل يضحك ويستهزأ به عندما كان متفاجئاً بان المعلم كان قد طلب منهم كتابة القصة القصيرة الموجودة في كتاب القراءة. أخذت أميرة دفتره من غير ان يشعر به احد وكتبت الدرس ولم تخرج للعب في ساحة المدرسة إثناء الفسحة ذات الخمس دقائق كالباقين, بل استمرت تكتبها له وعندما دخلوا قاعة الدرس كانت قد وضعت دفتره على منضدته جاهزا للتصحيح. فكان أيمن مسرورا وشاكرا في قلبه ولكن براءته لا تسعفه للتعبير عن شكره سوى أظاهره لدهشته لذكائها. أنقذته ذلك اليوم أميرة من غضب المعلم وكانت واحدة من مرات عديدة ومتكررة تهرع لمساعدته بها.

وفي العودة من المدرسة, يعود الصغيران يطاردان الفراشات والحشرات الطائرة حتى يصلان البيت.

كانت أميرة تقضي الساعات معه في الحقل وهي تعلمه كيف يقوم بفك المعادلات وجمع الأرقام وغيرها. وتساعده على تعلم الكتابة التي يساعدها على تعلمها والدها المعلم. وكانت كل ما تشعر انه لا فائدة من تعليمه تحاول تغير مزاجه باللعب لساعة ثم العودة لكتبهما المبعثرة على الأدغال من جديد وبدا رحلة إدخال المعلومات لرأس ايمن العصي.

_ ان لم تستمع لي جيدا, سوف لن أكلمك ثانية.

_ أعدك بان أصغي جيدا هذه المرة.

فتحاول مرارا وتكرار الا ان يستطيع ايمن من استيعابها وحلها ثم تتحول لأخرى غيرها.

كبر أيمن وكبرت أميرة وهما الان في الأول المتوسط. افترقا في مدرستين أحداهما للذكور والأخرى للبنات. ولم تعد أميرة تخرج للعب معه كالسابق. بل أصبح شيئاً مستحيلاً عليهما. كانت تنظر اليه من بعيد حين تخرج صباحا للمدرسة وهو ذاهب لمدرسته. يبادلها النظرات. في إحدى الأيام رأته يقترب من تلك الشجرة التي طالما لعبا لعبة الاختباء حولها وانحنى ثم أشار بإصبعه تجاهها ففهمت انه وضع لها شيئا. أخذت أميرة طريقها المؤدي للمدرسة ثم انعطفت قليلا باتجاه الشجرة ووجدت سلسلة وورقة مكتوب فيها ( احبك أميرة قلبي). نبض قلبها وشعرت بمشاعر جديدة تطرق باب قلبها تجاهه. فالصديق البريء سابقا التي كانت تمطره بالحب والمودة البريئة اصبح الان ينظر اليها كحبيبة.

كل صباح يترك لها ايمن قبل ذهابه للمدرسة وريقة مكتوب فيها كلمات حب وهي تنتظر واقفة ليغادر الشجيرة فتتقدم باتجاهها قبل ان تشق طريقها لمدرستها. وتأخذ ما تجده من غذاء لحبهما. كلمات أخذت تعبث بقلبها وتجعل منه مكان امن لأيمن.

ترك لها رسالة يشتكي من ظلم أبيه. شرح لها كيف ان اباه يعامله بقسوة ويوبخه لأتفه الأسباب. ويطلب منه ان يعمل ليساعده في مصروف البيت بينما يريد هو ان يهتم بدراسته كي يحصل على عمل محترم ويستطيع ان يكون بيت معها.

قرأت أميرة رسالته وشعرت بالحزن الشديد لأجله. اخبرها برسالته انه قضى الليلة في بيتاً صديقه لان والده طرده. أخذت أميرة تجمع من مصروفها الذي تجمعه من خياطة الفساتين لبنات القرية وتتركها له بقرب الشجرة؟ وكان أيمن يجد كل يوم رسائل أمل وحب ومساندة وفي أخر الأسبوع يجد مبلغا من المال كانت تجمعه له طوال الأسبوع وفي بعض الأحيان طوال أسبوعين.

وجد أيمن علبة مكتوب عليها (عيد ميلاد سعيد حبيبي) قرب الشجرة. فتحها فوجد ساعة جميلة ووجد صورتها ومبلغاً مالياً. عاد للبيت وهو يحلم بأميرة وبحبها لها وانه سيكون اسعد إنسان بصحبتها.

أيمن وأميرة لم يلتقيا منذ زمن. وكانت الشجرة هي صديقهما وحافظ سرهما. كانت تتحمل كل تلك الإمطار من المشاعر فتحتفظ بأمانتها الى ان توصلها لصاحبها.

حبيبي أيمن لقد تم قبولي في كلية الهندسة وسأنتقل للمدينة لأدرس هناك وماذا عنك؟ اكتب لي أرجوك أريد ان اعرف بأي كلية تم قبولك؟

وجد أيمن هذه الرسالة وشعر بغيمة سوداء محملة بالحزن تخيم على قلبه. كتب لها بأنه سيذهب لدراسة القانون وانه يحبها كثيرا وطلب منها بان لاتتخلى عنه كما انه سوف لا يتخلى عنها أبدا.

في صباح اليوم التالي ذهب للشجرة كالمعتاد فوجد رسالة منها.

_ حبيبي أيمن, كيف يمر في بالك بأنني سوف أنساك. سوف لن تمر في بالي ولو بحلم عابر فكرة نسيانك. نسيانك هو نسيان تاريخ وحياة وأيام ماضية مليئة بالضحكات والورود والفراشات والركضات والسقوط والنهوض والبكاء والضمادة وشريطي الأحمر وضفيرتي المهملة ودفترك المتسخ الذي كنت احشوه بقلمي الرصاص.

تبسم أيمن وهو دامع العينين وكتب لها.

_ أميرتي الحبيبة, وهل هناك أمل ان نلتقي في الأربع سنوات المقبلة؟

وكانت الشجرة تحمل أمانة مكتوب عليها.

_ سأكون في القرية كل خميس وجمعة وساترك لك الأمانة عند شجرتنا الأمينة.

زينب علي – بغداد