الأميرة والعراف

الأميرة والعراف

 ضجتْ المدينة بأخباره ما ان حلَ عرّاف يحدّث الناس بأشياءٍ هم أصلاً لا يعرفونها وصلت آنذاك أخبارهُ للأميرة..سخرت من الجميع وحذرتهم من الجري وراء تفاهات وخرافات لا جدوى منها .. وأطلقت فرمان مضمونه سيجلد ويسجن كل من يأتي بسيرته أو حتى ذكر اسمه كانت تلك الأميرة تعاني من كابوس ضل يراودها منذ الطفولة وهو.رجل يخترق حياتها يسرق أغلى أشيائها ويرحل فكانت لا تقّرب أي رجل أليها.. وعمدت ان يكون جميع من في القصر من النسوة وهن من يوصلنّ قراراتها لباقي حاشيتها من الرجال وفي إحدى الصباحات اقترحت عليها جاريتها المقربة منها جدا وصاحبة أسرارها ان تبعث بطلب ذلك العراف لعله يعرف شيئأ أو تفسيراً لذلك الكابوس وبعد جهد جهيد بذلته تلك الجارية وافقت الأميرة بلقاء ذلك العراف واشترطت ان يكون بينهما ستارا لا يمكنه أن يراها أو حتى يلمح ظلها حينها سارعت الجارية بإرسال من يجلب ذلك الرجل للقصر وهمت بتنفيذ ما طلبت الأميرة دخل العراف المكان ورمى السلام وطلب منها الأذن بالحديث أذنت له قال لها : أحب لون شعرك ابتسمت وقالت بسخرية وما لونه قال لها: تمري تخللته خيوط الشمس..بهتت ولم تتكلم قال : وأحب لون فستانك أيضاً… قالت له بصوت يرتجف وما لونه قال لها: منذ خلقت وأنا أحب اللون البصلي حينها وقفت وبدأت تتفقد الستارة العازلة بينهما. لم تجد فيها أي ثقب أو شرخ جلست مكانها وطلبت منه الاستمرار بالحديث قال لها: ما هذا الذي على كتفك الأيسر قرب عنقك.. تحركت صوب المرآة أزاحت شعرها عن كتفها لمحت ذلك الخال وابتسمت قالت له وماذا بعد قال لها وما الذي على قدمك الأيمن…قالت له لا شيء بعد ان ألقت نظرة سريعة عليه قال لها تفحصي جيدا سيدتي بدأت تقلب قدمها وتبحث عن اي شيء..وجدت ندبة بسيطة بيضاء بلون جسدها ولا يراها الا من تفقد قدمها عن كثب حينها طلبت من جاريتها ان تعمل فتحة في ذلك الستار كي تراه منها وفعلا عملت الجارية ما طلبت منها الأميرة وبعدما ألقت عليه نظرة سريعة عليه انتابتها مشاعر متناقضة لم تجد لها اي تفسير هرعت إلى غرفتها بعد ان طلبت منه المغادرة وعند طلوع الفجر أمرت جاريتها بجلب ذلك العراف من جديد وعند مجيئه سألته فورا من علمك التنبؤ  قال لا هذه الأشياء لا تعلّم وجدت نفسي أجيدها منذ الصغر فأن سمحتي لي سيدتي سأخبرك بشيء أنتِ لم تنتبهي عليه قالت له وما هو ذلك الشيء؟؟ قال لها:هناك بقعة صغيره بلون القهوة خلف ركبتك قالت له :كيف؟؟ قال لها أمك توحمت بقهوة عندما كانت حامل بك وتركت اثر خلف ركبتك سخرت منه وقالت لا تتذاكى علي أكثر من اللازم قال لها : لن اتذاكى عليك ولا على اي إنسان وان لن تصدقيني لا ترسلي بطلبي سيدتي بدأت تبحث خلف ركبتها فدُهشت لما رأته بقعة بلون حبة القهوة وليست بخال.. قالت له وما تفسيرك لهذا الحلم الذي ظل يراودني منذ الصغر رد عليها: أنا لست بمعبر يا سيدتي ولا مفسّر أحلام انا(عرّاف) قالت له ماذا تجيد أيضاً قال لها أنا شاعر يا سيدتي قالت له أتلو علي ما خطته يدك فصار يقرأ وهي تسرق النظر إليه خلسة وتبتسم أعجبت به وبدأت ترسل في طلبه كل يوم إلى ان فاجأته بطلبها قالت له ما رأيك ان تعيش هنا في القصر دُهش مع جاريتها من الأمر فهي لا تدع احداً  من الرجال يدخل قصرها فما بالها قال لها لي الشرف سيدتي ولكن ماذا اعمل هنا؟؟

قالت له سترافقني أينما ذهبت وستكون عزيز مدينتي حينها أمرت جاريتها بإزالة الستارة وهمت بالدخول إلى جهته حيث يجلس وقف بذهول ما ان رآها وهي ذهلت ما ان اقتربت منه كان قريبا إلى القلب بحضوره بصوته بحديثه …في كل شيء بدأت تهمل أمور مدينتها وتتجاهل كل تفاصيل المملكة أصبحا يقضيان كل أوقاتهما معا وأصبحت ترى الدنيا بضحكته ونغمات صوته شيئاً فشيئا صارت تنسى كل من حولها من هموم..وحتى الكابوس الذي طالما أرهقها غادرها هو الأخر وأصبحت لا تستطيع الاستغناء عن رفقته الا في أوقات النوم التي تفصلهما على مضض وفي إحدى الصباحات أرسلت في طلبه كعادتها للإفطار معه عادو إليها بخبر عدم وجوده في الجناح بعثتهم بالبحث عنه وإبلاغه بأنها في انتظاره وهرع الجميع يبحث عنه دون جدوى وبعد بحث كثيف عنه ذهبت بنفسها إلى جناحه لتبحث عنه لم تجد اي اثر لإغراضه ولا له جن جنونها وأرسلت الجند بالبحث عنه في المدينة وخصصت جائزة كبيرة لمن يعثر عنه لكن كانت كل المحاولات تبوء بالفشل حينها عرفت انه رحل بعيدا وانه هو من كانت تراه في كوابيسها (دخل حياتها وسرق قلبها ورحل) حاولت نسيانه بشتى السبل غيرت كل ما في المملكة من أثاث وطقوس علها تنسى كل ما عاشته معه ولكن بقي هناك ما لا تستطيع إزالته شامة …ندبة….وحبة القهوة وشعرها التمري وخيوط الشمس…

حنان الامين – بغداد