رحلة عبر ذاكرة الزمن
في لحظةِ إسترخاءٍ هادئة سافر ذهنهُ الى الزمن البعيد حينما كان طفلاً صغيراً يقاسِي البرد و يخوض في أزمات ومعاناة الحياة في كل الاتجاهات. كان يعمل كبائع جوال لبعض المستلزمات لعله يجد ماينفقه على أسرته المتكونة من ثلاث أخوات يصغرونه بعدة أعوام و اربعة أشقاء يكبرونه في السن, كانوا يذهبون في الصباح الى مدارس المتميزين تلك المدارس التي لاتقبل إلا من كانت لديه ميزة خاصة لاتتواجد عند الطلبة ألآخرين. كان الحياء يغلفهم بشكل كبير حيث ملابس الرثة التي لاتتناغم مع بقية ملابس الطلاب المنحدرين من عائلات ميسورة الحال قرروا أن يضعوا عامل الحياء جانباً ويصمموا على المضي قدماً من أجل تحقيق الاهداف الايجابية التي تنتشلهم من ذلك الواقع المزري رغم الصعوبات الكبيرة التي يواجهونها يومياً من أجل أن تمضي حركة الحياة بكل جوانبها الايجابية. كانوا يمضون كل وقتهم في الدراسة والعمل المجد من أجل الرقي الى أسمى مراتب العلم والنجاح. لم يكن لعالمهم الطفولي أي أثر. إنسلخوا عن عالم الطفولة بكل ماتعنيه هذه العبارة من معنى أنسلت ذاكرتهِ المرهقة الى تلك اللحظات المأساوية وهو يشاهد جسد والده مسجى على ألأرض بلا حراك, فقد إغتالته ثلة من حثالات المجتمع لجرمٍ لم يرتكبه . على حين غرة أصبح يتيماً مع جميع أشقائه لايعرف كيف يواجه الحياة بكل جحيمها الذي لايرحم اليتامى. تحول الى يتيم يجوب الشوارع والطرقات مع اخوته يبيعون أشياء يجنونَ من ورائها ربحاً بسيطاً يستطيعون من خلالها ديمومة الحياة لتلك العائلة البائسة. ليالٍ طويلة مرت عليهم ونيران الجوع تنهش أمعائهم يحلمون بكسرةِ خبزٍ صغيرة أو قطعةِ جبنٍ أسيرة يعالجون فيها آلام أمعائهم الخاوية. كانت والدتهم تنظر اليهم ودموعها تغطي كل مساحات ألأرض, لاتعرف كيف تتصرف أزاء تلك ألأرواح البريئة وهي تعاني سكرات الموت من أجل حفنة بسيطة من الرز أو لقمةٍ خاوية أو أي شيء ينقذ أبناءها الصغار. أخذ نفساً عميقاً وهو يسترجع بذاكرتة تلك اللحظات المرعبة المأساوية حينما يشتد البرد وتتجمد الحياة فوق الباب الخشبي المتهرئ , وكيف كانت شقيقاته الصغار يتلوعن من شدة البرد وكيف ينفذ الى أجسادهن وهن لم يزلن براعم زاهية كفراشات تكاد تتساقط على ألأرض بلا رحمة. يهرعُ الى خارج البيت مع أشقائه الصغار يحملون صندوقاً بلاستيكيا يستجدون فيه قطرات قليلة من النفط من هنا وهناك ليوقدوا تلك المدفأة لعل ذلك يجلب الدفء المؤقت الى أجساد شقيقاتهِ الصغار. كل محاولاته كانت ترسم لها طريقاً من الفشل الذريع , لا أحد يهتم لحالهِ. لايستطيع العودة الى المنزل خاوي الوفاض. ينام على الرصيف هرباً من نظرات شقيقاته الصغار ..يخشى أن يطلقن عليه بالفاشل في جلب قطرات النفط. يفق في الصباح ليذهب الى المدرسة لينهل من منابع العلم رغم الجوع الذي يحط في كل قطعة من أجزاء جسدهُ البض. هو مقاتل من نوع آخر لايمكن أن يصل اليه ” أولئك المقاتلين الذين صادروا حياة والده في غفلةٍ من الزمن” . بعد المدرسة يُسرع الى الطرقات الطويلة يبيع المناديل الورقية يحلم بالحصول على دراهم معدودة يشتري بها نفطا قليلاً كي يوفر الدفء الى عائلته التي تحلم يوما ما أن تشعر بالدفء أو الشبع. كانت الدموع تنهال من مقلتيه كأنهار لاتتوقف عن الجريان. كان الالم يعتصره لدرجة الهلاك. فجأة دب ألأمل الى قلبة وراحت السعادة ترفرف على قلبه الممزق من ويلات الزمن السحيق..عشق فتاة في الكلية التي يدرس فيها. كانت في نفس الصف الذي يجلس فيه كل ساعات الدراسة. راح يشيد قصورا في الهواء أو على الرمال..سيبني معها يوما ما عشقا خالداً و ذكريات حبٍ لاتنتهي. فجأةً جاءت الريح الصفر وماج البحر أمواجاً كالجبال ورفضته الفتاة بسبب فقره. إنزوى في زاوية من زوايا روحهِ الكسيرة وشعر أن العالم يتوقف عن الدوران. لعق جراحهُ بصمت وعاد الى دموعه الاولى وأمتزجت الدموع مع بعض دموع الجوع والفقر مع دموع الخذلان. ضاعت أحلام الشباب وأيقن أن القدر يرسم له طريقاً شائكا من طرق الدمار والانكسار والانهيار الى الابد. قرر أن ينهزم من صراع الحب ومعركة الفتاة التي نظرت إلية نظرة أزدراء وراح يقاتل بطرق أخرى للخلاص من آلامه المرسومة على روحة منذ وفاة والده – غدرا-. إنكب على كتبهِ من جديد وراح يلتهم كل زاوية من زوايا العلم والعلوم في مختلف الحقول . وتخرج وأصبح طبيباً لامعاً يعالج الناس من كافة الامراض بَيْدَ أنه لم يجد أي أحد ليداوي تلك الندبات العميقة في روحه. تحجر قلبه ولم يعد يهتم لأحد . أراد الانتقام من الجميع . لم يقف أحد الى جانبه تركوه وحيداً يصارع ألألم والجوع في كل الاتجاهات. تخرج من الجامعة وأخذ يعمل بجد ثم اقبل على الدراسات العليا تحول الى مخلوق بشري ذي شأن كبير , اصبح له ولأخوته بيتهم الخاص ذو جدران لامعة لا يشوبها ترهلات الزمان ولا يدخل البرد من فتحات جدرانه . بيت يملؤه دفء المحبة و الوئام العائلي كان كل واحد منهم يسعى الي العطاء والتضحية لاجل الاخر عاشوا فية جميعاً مع أبنائهم. لكنه كان حنوناً داخل اسوار بيته بينما خارج تلك الأسوار كان يتقن كل فنون ألأحتقار وتدمير ألأخرين وكان يشعر بلذة كبيرة وهو يحطم ألأخرين. كان عقله الدفين يحثه على الانتقام من جميع المخلوقات التي تتحرك على ألأرض لأنه كان يعتقد أنهم سبب دماره وتحطيم عائلته. مع هذا كانت هناك بذرة طيبة داخل روحه تحثه على نسيان الماضي العسير والتحول الى إنسان مفيد في المجتمع الكبير. على حين غرة قرر أن يخلع ثوب الوحش في ألأنسان ويتحول الى إنسان راقٍ يخدم ألأخرين بكل قوته الجسدية والمادية. أفاق من سلسلة ألأفكار التي كانت تقيده بشكل مأساوي. كانت هناك طرقات على باب غرفته الجميلة, أذن للطارق بالدخول. كانت إبنة أخيه التي لاتتجاوز ألأربعة أعوام. راحت تحتضنه وتقبله وتدعوه باسم جميل يعشقه جدا” عمو” . ” أحبك عمو خالد أكثر من أي شيء في هذا العالم” . فيأخذها باحضانه ويداعبها و يخبرها ” وأنا أحبك أيتها الشقية المدللة” . قال تلك الكلمات وهو يحدق في عينيها الرائعتين . شعر بقشعريرة تدب في أوصاله. شعر بشيء غريب يدب في قلبه ويحيله الى بركان من حب وشوق الى كل ألأطفال لا بل الى كل الناس.
عاهد ذاتهِ على أن يكون أباً لكل ألأطفال المحرومين .
أدرك – من خلال صحوة الضمير- أن الحياة عطاء متجدد وحب لكل شيء وسعادة ألأنسان تكون في إسعاد ألأخرين. أصبح يتفقد جيرانه كل مساء ويقدم لهم العطاء لأي شيء هم في حاجةٍ إليه. .يعالج المرضى مجانا لكل من لا يستطيع دفع الاجور. تحول الى معينٍ لاينضب .
الفقر و الحرمان ليسا عائقتين للنجاح طالما انك تحمل بداخلك اخلاق الأنبياء و حنان الكرماء وسخاء العظماء . وقلبك ينبض بالإصرار على تحقيق الذات. ادرك في اعماق نفسه حينما يكون معدن الانسان ذهباً فانه غير قابل ان يصدأ في وطن صدأ به الطفولة وغادر الاطفال عالمهم وغاصوا بعالم التشرد والحرمان . ادرك خالد ان الوطن سيظل صدى الوجع مرعباً فيه وأنينه ليس له نهاية والالم يشق قلوب الثكالى لكن طالما هناك إنسان يحمل الحب وإصرار والعطاء دون انتظار مقابل سيظل الأمل شعاع يسطع بقلوب الاطفال وسيرسم ملامح الجمال على جدران ذاكرتهم وسيكون أمثال الدكتور خالد تمثال خالد لعطاء متجدد لن ينضب ابد .
فالحب سمفونية خالدة سنظل نغنيها بغض النظر عن اي فوارق دينية او عرقية سنشد بأيد بعض لنرتقي وليرتقي الأمل داخلنا لنبني سُوَراً عالياً لا يخترقه الم . أتمنى لكم حياة حافلة بالهمة والإصرار بعيد عن خذلان الزمان.
فاطمة ابراهيم الخرساني – امريكا























