الناقد الفلسطيني فيصل دراج لـ الزمان
قراءة النصوص من داخلها فقط نوع من التضليل
حاوره هشام عودة
مثقف موسوعي. هكذا يمكن وصف الناقد القادم من حقل الفلسفة الدكتور فيصل دراج، غير أنه يرفض الاعتراف باقتصار مشروعه النقدي على الرواية العربية فقط، مؤكدا أنه مهتم كذلك بنقد الفكر العربي المعاصر ومساءلته، لا يتورع في إعلان مواقفه الحادة، في الأدب والسياسة والحياة، داعيا إلى ضرورة قراءة الأدب قراءة موضوعية تربط بين مرجعه الداخلي ومراجعه الخارجية، واصفا من يرفضون هذا القول من النقاد بأنهم يسعون إلى حياد سياسي زائف، ولا يريدون اتخاذ موقف مما يدور حولهم.
دراج الذي رأى في الفلسفة قصورا في عملية التوصيل مع الجمهور، يسعى من خلال مشروعه النقدي إلى قراءة مواقع الإبداع في الثقافة العربية المعاصرة، رافضا الإقامة تحت مظلة نظريات نقدية غربية جاهزة، معترفا بأنه يعمل في إطار مشروع النقد المركب الذي يتطلب معرفة واسعة في كثير من حقول المعرفة.
في هذا الحوار قال د. دراج كثيرا من المقولات التي تحتاج إلى مزيد من الجدل المعرفي، لكنه لم يقل كل شيء بالتأكيد. وفيما يلي نص الحوار
جاء في مبررات منحك جائزة سلطان العويس أنك تشتغل على مشروع نقدي مركب، خارج إطار النظريات السائدة، ماذا تقول في ذلك؟
أعتقد أنه توصيف حصيف ودقيق، فعلى الرغم من استفادتي من نظريات كبرى في الرواية، مثل تلك التي تقرن بجورج لوكاش وباختين وغيرهما، فإنني لم أستطع، ولن أستطيع، أن أمارس تطبيقا حرفيا لهذه النظريات، ليس بسبب رفضي لما هو أحادي فقط، ولكن لأن هذه النظريات، بالرغم من لمعانها الأكيد، تنتمي إلى حقل ثقافي وفلسفي وفكري مختلف كليا عن واقع الثقافة العربية، وواقع الرواية العربية أيضا.
أود أن أقول هنا، إنني كنت، ولا أزال، ناقدا عنيفا لكل أشكال المحاكاة الصماء، والتقليد الفقير، وضد ذلك التعالم الساذج والمضحك، الذي يكتفي باستظهار بعض المقولات الجاهزة، مثل التناص وما فوق النص وما تحت النص والنصية، دون أن يعي منها شيئا كثيرا، ذلك أنه من المفترض أن تشتق هذه المقولات من القراءة المتعمقة للرواية العربية، وألا تقحم عليها إقحاما يفصح عن عدم فهم الرواية، وعن عدم إدراك المقولات المطبقة عليها يستثنى من ذلك طبعا بعض النقاد الذين يبحثون عن الحقيقة النظرية وينأون بأنفسهم عن التشاطر المتعالم، مثل حسين حمودة في مصر، وخليل الشيخ وفخري صالح في الأردن، وسعيد يقطين في المغرب، على سبيل المثال لا الحصر.
النقطة الثانية التي أود أن أتطرق إليها، ترتبط بعدم إيماني بما يدعى النقد الأدبي الخالص، لأن النقد لن يكون مجديا، إلا إذا تقاطعت فيه أبعاد ثقافية مختلفة، مثل علم النفس ونظرية الايدولوجيا ومعطيات علم الاجتماع والنظر الفلسفي إلى العالم، إضافة طبعا إلى ما يفصح عنه النص من مواقف سياسية وايدولوجية لها علاقة بالتاريخ المعيش. أي أن النقد الأدبي، الذي يقرأ النصوص من داخلها فقط، يكون بالضرورة نقدا فقيرا ومضللا، فهو لا يربط النصوص بعالمها الخارجي، أي بالمجتمع وقضاياه والتاريخ، وينسى ذلك الحوار الذي لا بد منه بين الكتابات المبدعة وما يعيشه البشر.
وعلى الرغم من أن نفرا من النقاد، يفصل بين النقد العلمي والنقد الأيدولوجي، فإن ما يقول به هؤلاء، يعبر عن ضيق فكر لا أكثر، فقد كان لجورج لوكاتش وباختين و غولدمان منظورهم الايدولوجي، ذلك أن الايدولوجيا تتسرب في جميع مفاصل الحياة، ومع ذلك، فإنهم استندوا إلى تاريخ المعرفة المركب، وأعطوا منجزات نظرية متميزة، ولعله من السخف أن يقال إن الإنجليزي تيري ايجلتون ناقد ايدولوجي، لأنه يصالح بين الماركسية وإيمانه الشخصي، وكذلك حال الاميركي فريدريك جيمسن، الذي هو ناقد وفيلسوف وقارئ للحداثة وما بعد الحداثة.
والمثال الأشهر في هذا المجال، هو ادوارد سعيد، الذي تقصى معنى الامبريالية وآثارها في النصوص الروائية، وتقصى هذا المعنى أيضا في أوبرا عايدة، فهل كان سعيد ناقدا ايدولوجيا؟، علماً أنه عطف مفهوم الامبريالية على الدراسات الأدبية، ولعل العنف الذي قابل به ادوارد سعيد مفهوم الاختصاص النقدي الضيق، الذي يخترع رطانة خاصة به، هو الذي دعاه إلى تبني مفهوم المثقف الهاوي، الذي يقف على تخوم المعارف جميعا، ويحاول أن يكون مختصا في قضايا التقدم والعدالة الاجتماعية والنصوص الأدبية.
كمثقف وناقد مؤمن بضرورة إبراز دور الايدولوجيا في النص والخطاب النقدي، كيف يمكن أن ترد على مثل هؤلاء النقاد؟
إذا كان لي أن أرد على الذين يفصلون بين النقد الأدبي العلمي و النقد الايدولوجي ، فإنني أقول إن كل ما يفعلونه يتضمن حيادا سياسيا زائفا، لأنهم يريدون أن يسوغوا كل شيء، وألا يأخذوا موقفا مما يدور حولهم، ولا أ ظن أن النقد العربي النهضوي عرف مثل هذه القسمة الزائفة والمخادعة، فقط ربط محمد مندور ولويس عوض ولطيفة الزيات وحسين مروة والروائي غالب هلسا، بين النصوص الإبداعية وشروطها الاجتماعية، إن ما أقصد إليه من سعي وراء نقد أدبي مركب، هو فتح الحقول المعرفية المختلفة على بعضها، وفتح الدارسات الأدبية عليها، ذلك أن الكتابة كما القراءة، علاقة اجتماعية بين علاقات اجتماعية أخرى، وآيه ذلك أنه لا يمكن أن نفهم بدايات الرواية العربية مثل زنيب لمحمد حسين هيكل، أو حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي، دون معرفة بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي سمح بظهورهما والأفكار الحداثية التي جاءت معه. أكثر من ذلك، أنه من الصعب قراءة الطور الثاني للرواية العربية الذي دشنه نجيب محفوظ بروايتي أولاد حارتنا و اللص والكلاب ، من دون مساءلة المناخ السياسي في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، بهذا المعنى فإن النقد الأدبي المركب، الذي هو مزيج من النقد الأدبي والنقد الثقافي، هو حوار بين النصوص الأدبية ومرجعها الخارجي، بقدر ما هو حوار بين العلوم الاجتماعية المختلفة في قراءتها للنص الأدبي وشروطه الخارجية، وفي النهاية لا يمكن الفصل بين الإبداع والحياة الاجتماعية الثقافية، ولا بين أسئلة الكتابة العربية والنظريات الجمالية الكونية، والأساس هو التمييز، الذي يعني التعرف على المقدمات التاريخية التي انتجت الإبداع العربي، وعلى التاريخ الذي أعطى النظريات الجمالية الكونية. نقطتان يجب التوقف أمامهما إن الأيديولوجيا، أو منظور العالم، تقترح على المبدع موضوعه والتقنيات الجمالية التي تصوغه. والمقصود بالأيديولوجيا هو ما يفصح عنه النص الأدبي لا كاتبه، وكثيراً ما يفضح النص الموقف الحقيقي للأديب، مسّ ذلك الأدب أم العالم.
هل يعني ذلك أنك تدعو إلى أدلجة النقد، وكيف تفسر ابتعاد كثير من النقاد عن الخوض في هذه القضية، هل تراه خوفا أم عجزا؟
ـ إن تعبير أدلجة النقد لا يعني شيئاً، لأنه لا يوجد أديب لا يتحيّز إلى فكر معيّن، وأنا هنا لا أؤكد على الايدولوجيا بقدر ما أؤكد على تعددية العناصر التي تندرج في العملية الإبداعية، لأن هذه التعددية هي التي تغني النص الإبداعي، وتحوله إلى معطى له علاقة بعوالم البشر الداخلية والخارجية، فإذا كانت الهوية، أية هوية، لا توجد إلا في العناصر المتعددة التي تندرج فيها، فمن العبث أن لا نعترف بهوية النص الإبداعي والعناصر المندرجة فيه، التي لا تصبح واضحة إلا بالرجوع إلى جملة معارف وليس إلى كلمة فقيرة تدعى النقد العلمي.
من هذه العناصر المتعددة، هناك الايدولوجي والسياسي واللغوي والموقف من العالم، من ذلك روائيا عربيا مثل جمال الغيطاني أو روائيا فرنسيا هو اندريه بلزاك. ويبدو لي أن ليس هناك خوف فقط من كلمة ايدولوجيا، تستبعد أي موقف واضح لناقد من الأمور الاجتماعية، أو ما هو خارج النص، كما يقال، بل إن هناك أيضا عجزا لدى البعض، عن فهم كلمة ايدولوجيا.
أود هنا أن أشير إلى أمرين، الأول هو أن الايدولوجيا ببساطة هي منظور العالم، فهل هناك أديب أو ناقد أو شاعر لا يحمل مثل هذا المنظور؟ أما الأمر الثاني فهو أن الايدولوجيا أبدية، تأتي إلى الإنسان من تربيته وثقافته ووعيه ولا وعيه في آن، إنها جزء من الوجود الذي لا يختاره الإنسان، فكيف يمكن والحالة هذه مطالبة الأديب أو الناقد بأن يتحرر كليا من الايدولوجيا. ألا تمكن قراءة الأبعاد الايدولوجية في شعر أبي العلاء المعري أو أحمد شوقي أو محمود درويش، إن هذه الايدولوجيا تتحكم في المنظور الجمالي لكل مبدع، بل إنها تحرضه أحيانا على توليد جماليات خاصة به، ومواجهة جماليات مغايرة. فإذا اعترفنا بأن سعد الله ونوس مبدع مسرحي كبير، قام بتسييس العلاقات المسرحية، فكيف لنا أن نقرأ مسرحه من دون التوقف أمام منظوره للعالم؟
يبدو أن الامر يقوم في الجهل، لدى البعض، أو في لعبة الأقنعة التي يريد البعض أن يقنعنا من خلالها أنه حداثي وما بعد حداثي، دون أن يقترب من التاريخ أو يعترف به، في كل إبداع كبير رسالة يود إيصالها للعالم، بدءا من هوميروس وصولا إلى الجواهري، فما معنى هذه الرسالة إن كان الحديث عن موقف المبدع من العالم يعتبر أمرا ايدولوجيا؟
يبدو أن شغف محاكاة بعض النظريات الغربية، والبنيوية بخاصة، لدى البعض، أو شغف التقليد، أو عدم الاعتراف بالذات العربية المبدعة، هو الذي يدفع بعدد من النقاد العرب إلى استظهار مفاهيم نقدية غربية لا علاقة لهم قط بإشكالات العالم العربي.
كلمة أخيرة عما يمكن أن يدعى بمشروعي النقدي يندرج هذا المشروع، إن كان موجودا فعلا، في قراءة مواقع الإبداع في الثقافة العربية المعاصرة، وفي تمييز بعض المفاهيم الجمالية الغربية المنشأ، من خلال تطبيقها على النصوص العربية، لأن التطبيق يفضي، بالضرورة، إلى تغيير هذه المفاهيم، فيحذف ما لا يلائمه، ويضيف إليها ما يعتقد بأنه قائم بالضرورة في قضايا الثقافة العربية.
لم تعد مهتما بالنقد الأدبي، بل يلاحظ اهتمامك بالنقد الثقافي، ألا ترى أن مثل هذا الاهتمام بحاجة إلى معرفة أوسع بالحقول المعرفية المجاورة للأدب أو البعيدة عنه؟
لم أبدأ منذ البداية بممارسة نقد أدبي مكتفٍ بذاته، لا لأنني أردت ذلك، ولكن لأن النصوص أقنعتني أن هذا النقد المكتفي بذاته محدود المقدمات و النتائج، فإذا أخذنا رواية غسان كنفاني عائد إلى حيفا على سبيل المثال، فكيف نقرأها، إن لم نتعرف على النزوع التحرري عند غسان، وعلى إعجابه المضمر بالإرادة الصهيونية، وعلى عمله الدؤوب على إنتاج إشكالية خاصة بالأدب الفلسطيني، ومن العبث، كل العبث، أن نقرأ رواية سلطانة لغالب هلسا من دون الرجوع إلى مصادره الرومنسية، أو إيمانه بقوة المعرفة، وعمله المستمر لتحويل كل ما هو معيش إلى علاقة جمالية، وواقع الأمر أنني حاولت أن أكون ناقدا أدبيا، شكلانياً أو أيديولوجياً، لكن الممارسة في ذاتها هي التي برهنت لي عن عقم هذه المحاولة، لا وجود لشيء مستقل بذاته يدعى النقد الأدبي، أو علم الجمال، أو العلاقات الجمالية الخ، وقد ساعدني على ذلك انجذابي إلى الفلسفة، فأنا أحمل دكتوراه في الفلسفة، أدخلتني إلى عوالم فلاسفة مختلفين، ناقشوا قضايا الجمال والوجود الخ، وقد تعرفت في السنوات الأخيرة نسبيا على مفكر الماني يدعى فالتر بنيامين، اليهودي الهارب من الفاشية إلى فرنسا، حيث وجدت في نصوص هذا الإنسان المغترب ما يبعث على الدهشة، فهو ناقد، إن أراد القارئ أن ينظر إليه كناقد، وهو فيلسوف أيضا، ومؤرخ أكثر من ذلك، ومع أن الأمر بدا في البداية غريبا ومدهشا، فقد تبين لاحقا أن بنيامين يقرأ الظواهر الأدبية والفنية في تاريخها الاجتماعي، ويقرأ تقنياتها في ايدولوجيات مبدعيها، مبرهنا أنه لا يمكن الفصل بين عالم الإبداع الداخلي والعالم الخارجي الذي يحيط به.
وأظن أنني قد تأثرت كثيرا بادوارد سعيد، وهو يصف النقاد المحترفين بمجموعة من الكهنة الذين يتبادلون إشارات غامضة تدور فيما بينهم، ولا تصل إلى الخارج إلا بالصدفة. وباختصار فإن الكتابة هي جزء من تاريخ الكتابة، والإبداع جزء من تاريخ المعرفة، والكاتب والقارئ والناقد والنص وجوه لها تواريخ متنوعة، فإذا كانت الحياة في حقيقتها متعددة، وتعتنق التعدد، فما معنى الحديث عن النقد كعلم منقطع عن تعددية التاريخ والحياة. وعلى أية حال، فإن تاريخ النظرية يبرهن أن المنجزات الأدبية الكبرى هي التي تعاملت مع النص الأدبي كعلاقة اجتماعية مرتبطة بعلاقات أخرى، مثال ذلك كتاب باختين الشهير عن رابليه، ومقارنات لويس عوض بين الكوميديا الإلهية و رسالة الغفران ومساهمة طه حسين الشهيرة في الشعر الجاهلي.
والسؤال في النهاية هو هل ينتمي الناقد إلى تاريخ المعرفة أم إلى النصوص الأدبية؟.
أنت قادم للنقد من ميدان الدراسة الأكاديمية للفلسفة، ما الذي استفدته من الفلسفة في مشروعك النقدي، ولماذا غادرتها إلى اختصاص مختلف؟
أعتقد أنني أخذت من الفلسفة مفهوم العلاقة، لأن كل ظاهرة أدبية، أو غير أدبية، هي جملة من العلاقات، وتعلمت منها أيضا مفهوم الإشكالية، ذلك أنني عندما أقرأ العمل الأدبي أسأل عما يريد أن يقوله، أي منظوره للعالم، لا بمعنى العقيدة الفكرية الخاصة بهذا الكاتب أو ذاك، بل بمعنى أنّ النظر إلى العالم هو الذي يقترح البناء الجمالي لهذا العمل أو ذاك، فعلى سبيل المثال إن قراءة ثلاثية نجيب محفوظ في مستوياتها المتعددة، تأمر بمعرفة معنى الخير والشر، ومعنى الصدفة والاحتمال، ومعنى القائم واللا متوقع، والشر الأصلي والشر الثانوي، والتشاؤم والتفاؤل، وتعددية وجوه الروح الإنسانية بل أن هذه القضايا قد تحيل ببساطة على عبد الرحمن بدوي وكتابه الزمن الوجودي، وعلى سلامة موسى وكتاباته عن دارون، وعلى تشاؤمية الفيلسوف الألماني شوبنهاور، الذي قرأه محفوظ، ومكر التاريخ لدى هيجل، هذه المقولات جميعها تحمل بعدين، إنها تفصح عن مستويات الرواية، ولكنها تظهر أولا الأسس الفكرية المختلفة التي اعتمد عليها محفوظ في بناء شخصياته الروائية، بهذا المعنى فإن قراءة الفلسفة تسمح بقراءة واسعة للنص، من خلال مفهوم إشكالية النص ، أما البعد الآخر فهو الجدل القائم داخل الأعمال الأدبية، ذلك أن كل نص يحيل على غيره، يسبقه أو يتراجع عنه، أو ينقحه، وصولا إلى ما يمكن أن يدعى السلسة الأدبية، التي تكشف عن الإبداع الأصيل والكتابة العارضة، إذا كانت ثلاثية محفوظ عملا رائدا، فبالنسبة إلى ماذا؟
طبعا هناك مقولة الاغتراب، وقد كانت الموضوع الأساسي لدراستي الأكاديمية، خاصة أن الإنسان المغترب، هو قوام كل كتابة روائية حقيقية، والإنسان المغترب تعريفا، هو الذي اطمأن إلى طريق وخدعه الطريق، وأوصله إلى مكان لم يكن يرغب في الوصول إليه.
اعتمادا على هذه المقولة، أي الاغتراب، يمكن أن نقرأ المرحلة الفلسفية لنجيب محفوظ التي بدأها برواية اللص والكلاب وأنهاها برواية ميرامار ، كما يمكن قراءة كل ما أنتجه الغيطاني وبهاء طاهر وادوار الخراط وغالب هلسا، اعتمادا على مقولة الاغتراب والتقنية التي فرضتها على الروائي، كي يتحدث عن شخصيات تطلعت إلى أهداف، وضاعت في منتصف الطريق.
ويمكن أيضا قراءة المستويات اللغوية المختلفة داخل الأعمال الروائية وخارجها، انطلاقا من فترة الاغتراب، ذلك أن للفكر اليقيني لغته، وللإنسان الحائر القلق لغة أخرى، وهناك رصيد لغوي أقل لإنسان يعيش ويشتهي أقل ، لا يمكن ممارسة النقد الأدبي من دون معارف فلسفية، قليلة أو كثيرة، والنقد الأدبي الجاد أكد ذلك أكثر من مرة.
أما بالنسبة إلى انتقالي من الفلسفة إلى النقد الأدبي، فهذا مرتبط بإشكالية التوصيل، فقد وجدت من خلال الممارسة أن المهتمين بالاغتراب، بالمعنى الفلسفي، يمثلون قلة قليلة، ولهذا حملت اختصاصي وذهبت إلى مكان آخر له جمهور واسع، فمن خلال قراءة النصوص الأدبية يشرح الناقد أفكاره، معتمدا على نصوص اختارها من دون أن يضع أمام القارئ مصطلحات صعبة ومعقدة لم يتعلمها، ولا سبيل إلى تعلمها في أحيان كثيرة.
النقطة الأخيرة، وهي خاصة بي، تتمثل في تحويل النقد الأدبي، في مواقع محدودة، إلى قناع، أقول من خلاله ما أريد، موسعا المادة التي أنقدها توسيعا كبيرا، فإذا كانت الرواية فنا ماكرا، يقول ما لا تنتبه إليه الرقابة، فإن للنقد الأدبي أحيانا مكرا خاصا به، ذلك أن الناقد ينطلق من المخيلة الأدبية التي اعتمد عليها الأديب، ويحاول أن يستثمرها بشكل يخدم مقاصده، مثال ذلك رواية جمال الغيطاني الزيني بركات ، التي أنجزت شخصية المستبد النموذجي، والتي تسمح للناقد تاليا أن يتأمل أحوال الاستبداد كما يريد.
أمام هذه الثقافة الواسعة، ما هي أهم مراجعك الثقافية العربية التي أسهمت في تكوين كل هذه المعرفة؟
اعتقد أن ثقافتي العربية تبدأ بشكل أساسي من كتاب الطهطأوي تخليص الابريز في تلخيص باريز وتصل تاليا إلى كتاب الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق، مرورا بالفلسطيني روحي الخالدي، فتوقفي الطويل أمام كل ما كتبه طه حسين، الذي أضفت إليه لاحقا كتابات قسطنطين زريق النيرة عن العلاقة بين القومية والديمقراطية، مرورا بالليبرالي المتسق فؤاد زكريا، وكتابات الماركسي اللنباني مهدي عامل عما دعاه بخط الإنتاج الكولونيالي، ومنذ عشرين عاما أصبحت قارئا مواظبا لنصر حامد أبو زيد وسمير امين و عبد الله العروي، طه حسين، في النصف الثاني من القرن العشرين.
أود الإشارة هنا إلى ما تعلمته من كتب المفكر فهمي جدعان، الذي تعرفت إلى كتاباته متأخراً، وفتح لي بابا جديدا بتعامل الفكر النقدي المستنير مع الأفكار الإسلامية.
يمكن أن أقول إنني بدأت مختصاً إلى حد كبير بقراءة الأعمال الروائية، ثم ابتعدت عنها قليلا، كي أتعرف إلى الفكر العربي المعاصر، بدءاً من المؤرخ الجبرتي، وصولا إلى أنور عبد الملك، وانتهاء بكتابات المؤرخ الفلسطني ماهر الشريف.
/8/2012 Issue 4272 – Date 8 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4272 التاريخ 8»8»2012
AZP09
























