أمريكا روّجت انطباعاً مفاده أن العنف يرتكبه عراقيون ضد مواطنيهم

343

أمريكا روّجت انطباعاً مفاده أن العنف يرتكبه عراقيون ضد مواطنيهم
وزيرة حقوق الإنسان: تلقينا أكثر من 9000 شكوي من مدنيين حول اختفاء أقاربهم خلال سنتي 2005 و2006

حسن علي الحلي
اختفي الاف العراقيبن خلال اسوأ ايام من الحرب القذرة التي امتدت من 2005 الي 2007. وقد شوهد البعض منهم معتقلا ومحملا علي ظهر شاحنة من قبل مليشيات ترتدي زي الشرطة، واخرون اختفوا ببساطة. حيث صرحت وزيرة حقوق الانسان وجدان ميخائيل بأن وزارتها تلقلت اكثر من 9000 شكوي من عراقيين حول اختفاء اقاربهم خلال سنتي 2005 2006 فقط . وقد احصت العديد من المنظمات الانسانية عددا اكبر من ذلك بكثير. ان مصير العديد من العراقيين المفقودين لا يزال مجهولا، والعديد منهم لا يزال قابعا في احدي سجون العراق السرية.
قُتل الصحفي د. ياسر الصالحي “بغير قصد” بتاريخ 24 يونيو/ حزيران 2005 علي يد قناص امريكي. بعد ثلاثة ايام من وفاته نشرت نايت ريدر تقريرا حول مغاوير الشرطة الخاصة وعلاقتهم بعمليات التعذيب والقتل بدون تصريح قضائي واختفاء العديد في بغداد. بحث الصالحي ومرافقه بثلاثين قضية منفصلة، علي الاقل، تتعلق بالاختطاف المنتهي بالتعذيب والقتل. في كل قضية، افصح شهود العيان عن وجود غارات لعدد كبير من مراتب مغاوير الشرطة الخاصة والعديد من المسلحين باسلحة المغاوير والمرتدين زي المغاوير اضافة الي مضادات الرصاص. وفي كل قضية يكون مصير المعتقل الموت بعد ايام من اعتقاله، هذا ويحمل جميع معتقلي مغاوير الشرطة الخاصة نفس علامات التعذيب وغالبا ما يقتلون برصاصة في الرأس.

فرق الموت
ان اخفاء العلاقة بين الولايات المتحدة ومليشيات فيلق بدر المدعومة من ايران، ودعم الولايات لفيلق الذئب ولمغاوير الشرطة الخاصة ومدي اضطلاعها بعملية تعيينهم وتدريبهم وتحكمها بهذه الوحدات كان له تأثيرا بعيد المدي. حيث انها تشَوه الاحداث التي تلت الحرب في العراق، حيث خلقت انطباعا لا معني له بأن هذا العنف كان علي يد العراقيين انفسهم وساعد علي اخفاء اليد الامريكية المتورطة بالتخطيط والتنفيذ لاكثر اعمال العنف وحشية. وان التستر الاعلامي للجرائم الامريكية لعب دورا مهما في تجنب غضب الرأي العام الذي يمكنه ايقاف استمرارية هذه الحملة.
يجب اجراء تقيق شامل لحجم التدخل المباشر للولايات المتحدة في مختلف عمليات التعذيب والاختطافات التي تشرف عليها فرق الموت. فليس من المعقول ان ضباط الجيش الامريكي ابرياء من الالاف من هذه الحوادث. حيث يشير المراقبون العراقيون بأن فرق الموت التابعة لوزارة الداخلية تتحرك بحرية بين صفوف الجيش الامريكي ونقاط التفتيش العراقية، حيث يعتقلون ويعذبون ثم يقتلون الالاف من المواطنين. وكما هوالحال في العديد من الدول الاخري التي تضمنت التدخل الامريكي بما يسمي بـ “مكافحة التمرد”، كان الجيش الامريكي مسؤولا عن تعيين وتدريب وتسليح قوي محلية شنت العديد من حملات ترويع الدولة ضد الاغلبية العظمي من السكان المصرين علي رفضهم ومعارضتهم لغزوواحتلال بلادهم.

تقرير اليونامي
لقد كان واضحا من درجة التدخل الامريكي في تعيين وتدريب وتسليح وادارة مغاوير الشرطة الخاصة، بان المدربين الامريكان لديهم شروط معينة، تعمل عليها مغاوير الشرطة الخاصة. من المؤكد ان العديد من الايرانيين والعراقيين مذنبون بأرتكاب جرائم فضيعة التي تصب في صالح هذه الحملة. ولكن المسؤولية الكبري، التي تتضمن هذه الجرائم، تقع علي عاتق افراد هيكل الادارة المدنية والعسكرية لوزارة الدفاع الامريكية، وكالة المخابرات المركزية والبيت الابيض، الذين وافقوا علي تنفيذ عملية الارهاب “فينكس” او “السلفادور” في العراق. وكان تقرير مكتب حقوق الانسان التابع لـ يونامي «بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق» الصادر في 8 سبتمبر/ ايلول 2005، الذي كتبه جون بيس، واضحا جدا. حيث ربط حملات الاعتقال والتعذيب والاعدام بدون تصريح قضائي، مباشرة بوزارة الداخلية العراقية وبصورة غير مباشرة الي قوات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة. التقرير الاخير لحقوق الانسان التابع للامم المتحدة لسنة 2006 وصف عواقب هذه السياسات علي المواطنين في بغداد، في محاولة لاخفاء جذورها المؤسساتية في السياسة الامريكية. ان “العنف الطائفي”الذي اجتاح العراق في 2006 لم يكن نتيجة غير مقصودة للغزوالامريكي بل جزءا لا يتجزء منه. لم تفشل الولايات المتحدة في اعادة امن واستقرار العراق لكنها كانت تشيع العنف عامدة في محاولة يائسة منها لفرض سياسة “فرق تسد”لتحكم الدولة ولتختلق مبررات جديدة للعنف الغير محدود ضد العراقيين الذين يواصلون رفضهم للغزووالاحتلال غير الشرعيين لبلادهم.
ان طبيعة وحجم تدخل افراد وجماعات مختلفة ضمن تركيب الاحتلال الامريكي لازال سرا غامضا قذرا، لكن هنالك العديد من الادلة التي يمكن ان تُتَبع في اي تحقيق جدي. في يناير/ كانون الثاني 2007، اعلنت القوات الامريكية عن استراتيجية جديدة، “سيرج” التي نفذتها القوات الامريكية القتالية في بغداد والانبار. حيث صرح معظم العراقيون بأن تصعيد اعمال العنف جعل الحياة اليومية اسوء من قبل، حيث انها ضافت الي الدمار المتراكم لاربعة سنين من الاحتلال. قدم تقرير حقوق الانسان التابع للامم النتحدة وصفا للحياة اليومية للمواطنين العراقيين. العنف الناتج عن عملية “الموجة” قلص عدد الاطباء بنسبة 22% مخلفا 15.000 فقط من اصل 34.000 في مطلع سبتمبر/ ايلول 2008. اما عدد اللاجئين والمهجرين داخليا فقد ارتفع بحدة خلال الفترة بين 2007 و2008.
بما ان وزارة الداخلية العراقية، تحت سيطرة الولايات المتحدة، مسؤولة عن جزء كبير من القتل بدون امر قضائي، فأن مسؤولي الاحتلال كانت لديهم القدرة علي تخفيص اورفع نسبة هذه الاعمال الوحشية. لذلك فأن التقليل من القتل بعد بدء “الخطة الامنية” لم يكن صعب التحقيق. في الحقيقة، ان تخفيضا طفيفا في اعمال العنف يخدم دورا مهما في الدعاية الامريكية لفترة من الزمن حتي تعاود فرق الموت نشاطها، مسنودة علي الهجوم الامريكي الجديد.

من هم القتلي؟
وكان القصد من تصاعد القوة العسكرية الأميركية في 2007، بما في ذلك زيادة قدرها خمسة أضعاف في الغارات الجوية واستخدام طائرات مزودة برشاشات ومدفعية بالاضافة الي ان عملية “الموجة” كانت معدة لتكون الذروة المدمرة للسنوات الماضية الاربعة من الحرب والعقاب الجماعي التي يعاني منها الشعب العراقي. وسيتم ايضا استهداف جميع المناطق التي تسيطر عليها المقاومة بأستخدام قوة ساحقة لإطلاق النار، السلاح الجوي علي وجه الخصوص، الي ان تتمكن القوات البرية الامريكية من بناء جدران حول ما تبقي من كل حي وعزل كل منطقة. ومن الجدير بالذكر أن الجنرال بتريوس قارن القتال في الرمادي مع معركة ستالينغراد دون ان يتورع عن تبني دور الغزاة الالمان في هذا التشبيه. حيث دمرت الرمادي والفلوجة بالكامل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2004.
وذكرت تقارير حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من عام 2007 الهجمات العشوائية وغير القانونية ضد المدنيين والمناطق المدنية، وطالب التقرير تحقيقا في الامر. استمرت الغارات الجوية يوميا تقريبا حتي أغسطس 2008 وقد انخفض ما يسمي بـ “العنف الطائفي” اضافة الي انخفاض الخسائر الامريكية. في حين ان جميع الحوادث المبلغ عنها احتوت علي قتل المدنيين والنساء والأطفال، أعلنت القيادة المركزية الامريكية المكتب الصحافي ان القتلي هم “إرهابيون” أو”تنظيم القاعدة” أو”دروع بشرية اجبارية”. بطبيعة الحال، عندما يتم أمر القوات العسكرية بمهاجمة المناطق المدنية بصورة غير قانونية، يكون الكثير من الناس في محاولة للدفاع عن أنفسهم، خصوصا إذا كانوا يعرفون أن عدم القيام بذلك قد يؤدي إلي الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والتعذيب، أوالإعدام بإجراءات صورية لهم أولأقاربهم .
وثمة جانب آخرلعملية “سيرج” أولعملية التصعيد، وهوعلي ما يبدو زيادة في استخدام فرق اغتيال الاميركي الخاص القوات. في نيسان / أبريل 2008 أعلن الرئيس بوش : “بينما نحن نتحدث، تشن القوات الخاصة الامريكية عمليات متعددة كل ليلة لاعتقال أوقتل قادة القاعدة في العراق”. وقد نشرت الـ نيويورك تايمز تقيريرا بـتأريخ 13 مايو/حزيران 2009 “عندما تولي الجنرال ستانلي ماكريستال قيادة العمليات الخاصة المشتركة في عام 2003، ورث في نفس الوقت، قوة كوماندوس غامضة ومنعزلة ذات سمعة لطرد شركاءالمنظمات العسكرية والاستخبارات الأخري. ولكنه عمل بجد علي مدي السنوات الخمس المقبلة لبناء علاقات وثيقة مع وكالة المخابرات المركزية ومكت التحقيقات الفيدرالي «…» في العراق، كما قال زملاؤه. حيث أشرف علي عمليات فدائية سرية لمدة خمس سنوات، كما يقول مسؤولين سابقين في الاستخبارات انه كان لديه موسوعة معرفية، حد الهوس، عن حياة الإرهابيين، وانه دفع صفوفه بقوة لقتل أكبر عدد ممكن منهم. «…» وان معظم ما قام به الجنرال ماكريستال خلال فترة عمله 33 عاما ما زال سريا، بما في ذلك الخدمة بين عامي 2003 و2008 كقائد لقيادة العمليات الخاصة المشتركة، وهي وحدة النخبة السرية حتي ان البنتاجون رفض الاعتراف بوجودها لسنوات. “، ان السرية التي تحيط بهذه العمليات تمنع انتشارالتقارير علي نطاق واسع، ولكن كما هوالحال مع العمليات السرية السابقة للولايات المتحدة في فيتنام وأمريكا اللاتينية، فإننا سوف نعلم المزيد عنها علي مر الزمن.

/2/2012 Issue 4113 – Date 4- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4113 – التاريخ 4/2/2012

AZP07