لغة شعرية مكثفة ,مغلفة برؤية رمادية – نصوص – وسن علي الزبيدي

316

رماد شجر الرمان للشاعر المغترب خالد كاكي

لغة شعرية مكثفة ,مغلفة برؤية رمادية – نصوص – وسن علي الزبيدي

المجموعة الشعرية (رماد شجر الرمان) التي صدرت عام  2011 هي التجربة الرابعة للشاعر . ويقع ديوانه هذا قي أثنتين وعشرين قصيدة ، في مائة وأربع صفحات . سأحاول قراءة بعض من نصوصها قراءة دلالية إشارية وأقف أمام القصائد التي أدهشتني وأثارت أرتكازاتها في داخلي أرتباطاً بين اللغة الشاعرية وبين انزياحاتها الفاعلة . عنّون الشاعر قصائده بعتبات نصية نسجت خيوطها من مرجعية الأستهلال الذي أستهل به الديوان . وكأنها شبكة عنكبوتية يربطها عنوان رئيس إذ افتتح الديوان بقصيدة (الحديقة) وأردفها (سنوات)، ثم أرسم، هكذا، أحبك، لا تفتح النافذة، جراحة، رؤيا،…. ، مختتما بقصيدة(بقوس القزح الرمادي)، ونرى الشاعر قد أبحر في فضاء ديوانه الشعري عميقا في الطبيعة التي استنطقها وكأنها المخاطب الآخر. والآخر هنا ليس الاّ الوجه الآخر للذات الإنسانية التي تختبر الحياة بمتناقضها وغموضها في مجال الصراعات الأكثر إثارة ضمن إيمان عميق بتفهم هذه الصراعات بما يفضي بها الى تفسير رؤيوي للحياة/ العمر والتي قد لا تؤدي الى سكينةٍ احيانا أو رؤية مستقبلية حمراء .

  يستعين الشاعر(خالد كاكي) بالطبيعة والمحسوس ليكون منطلقا موضوعيا لقراءة الحاضر واداة وغاية قي بناء خطاب شعري يضع بين سطوره رسالة أيدلوجية لا تحتاج الى جهد تأملي عميق لتفكيك مفرداتها ، وفك شفراتها. مضمونها قائم على الأحتفاء بتجربة (المنفى) والتغرب في أنتاج فضاء رمادي اللون في رسالته الابداعية ليصل الى المتلقي فحوى تلك الرسالة المكثفة النصية دون أن ينشغل ذهن المتلقي باتجاه تفكيك طلاسم وشفرات تقنية تتعشق في المعالجة الفنية. نجد المبدع هنا قد أعطى لخياله الشعري مساحة واسعة بدءاً بالعنوان، حتى يتحرك فيها ليقيم عليها معماريته المركزة ، وهو يقرأ الطبيعة لينشئ من ذاته المبدعة وفق هذه القراءة عالما شعريا يستوحي ويستقرئ عناصره – أحداث وأمكنة وصراعات وعلاقات وافكار وأخلاقيات …من دون أن يبقى مأسورا بين الغبار المتطاير و الشجر المحترق. فشجرة الرمان هي العتبة النصية التي تبدأ خطوة القراءة منها وبما تحيله من دلالات قرائية تضع امام اعين المتلقي مرجعيتها الواقعية .فالشجرة هذه بما تورقه من أزهار بيضاء وحمر تتحول الى ثمار لذيذة ذات جلد قرمزي اللون أصفر محمر ، وما تحويه من مئات الحبوب المائية اللامعة الحمر والبيض كل ذلك رؤية لذات شاعرة مغلفة بغطاء الطبيعة استعارها الشاعر ليقدم تجربة حياتية لنفس متغربة أغصانها جوارحها –  بإوراقها المتساقطة في خريف عمرها المتحولة رمادا بإحتراقه المكبوت من الآمها ببعدها عن تربتها التي غرست فيها .

يتحدد الزمن المستقبلي  داخل التجربة الابداعية لدى شاعرالاغتراب العراقي   عبر أدوات مختلفة. تقف في مقدمتها حركية الافعال، وتقلباتها على ازمنتنا الثلاثة، فضلا عن ارتباط السين  بالافعال المضارعة، كما في قصيدة (أرسم) يقول الشاعر :

أرسم بحراً

وسمة نافذة

سترى

كيف إن الجدار يتنفس

وسمها قلبا / وادع الناس / ليسحبوا منه الشرايين

الى بيوتهم الحزينة

أرسم للفقراء

مائدة عامرة

وللاغنياء زهرة لا تؤكل.

يأخذ الامتداد الزمني حاضره باتجاه المستقبل المتمثل في الافعال المضارعة (أرسم، سترى، يتنفس) الملتحمة بالإنا الشاعرة مرة وبالسين  في الموضع الذي تفيد المستقبل. اذ إن السين تخلص الفعل الى المستقبل القريب

والشاعر يرسم فضاء زمنه واسعاً، ويجعل بابه، النافذة . لعله يرسم المستقبل الجميل الذي يروم وصوله.  فيعطي الأمل الى قلوب حيرا، وبيوت حزينة، وكان الشاعر يؤكد إن فعل الولادة والنهوض، ينبع من فضاء الزمان – المكان العراقي، بكل أشكاله المحسوسة والمعنوية،فلعل من هم على رأس السلطة، يصدقون بما يقولون، فتكون هي الأمنية الصغيرة، القابلة للتحقق. يقول الشاعر :

أمنية صغيرة

إن يصدق السياسي

وعده / وإن يكذب العراف / في سرد الاهوال

التي يرى

أمنية صغيرة

إن يقرأ الصيارفة ما يكتب الشعراء

ويكتب البحر

ما تمليه الامواج المسافرة

أمنية أخيرة

إن تصهر

في قالب أغنية حب واحدة

كل دبابات العالم

       يظهر النص، أمنيات، قد تكون عصية على التحقق، يأمل الشاعر في وقوعها.  فيمني النفس، سلوة بإتيانها في المستقبل. من هذا الزمن الفيزيائي الذي يحياه محبطا،يأخذ المبدع تجاربه ، ليصوغ عمله الابداعي فيفرض عليه نوعاً من التذبذب الزمني النفسي، مع المحيط الخارجي. يقول الشاعرفي قصيدة(قوس القزح الرمادي):

اخفوا أولادكم

بلدوزر الموت قادم / يُعبد الجسور باللحم الطازج،

ويملأ المحابر بالدم.

. . .

الى قوله: خذوهم الى سماءٍ أصفى / لا تسكنها

النفاثات والأشباح / ولا يعكر أمطارها / فيءُ الغاراتِ

فمفردة (الرماد) التي أستهل بها العنوان ليس توصيفها مجرد مسألة تقنية شكلية بقدر ما تشكل استعمالها تماسا مع الواقع بوصفه المرجع الذي يوفر المادة ، ويمنح المبدع صفة الالتزام بما يدور حوله من قضايا ، لأتخاذ موقف . وقوله(خذوهم الى سماء أصفى) تدخل ضمن بنية استعارية للدلالة على وجود طارئ يوحي بفقدان الأستقرار وبث سمة الخراب والدمار .

ويقدم الشاعر(خالد كاكي) قصيدة (منفى) مثقلة بالمعاني المكثفة والتركيبات الفلسفية لذات شاعرة معذبة في غربتها . يقول:

ما يكتب الشعراء  ويكتب البحرُ ما تمليه الأمواج المسافرة  إن الرؤيا في النص الشعري أدت الى رفع الأداء اللغوي الى مشارف التوهيم ، ولتؤسس منحى دلالي خاص يعين على كشف ما توحيه المفردة الشعرية وتلوح بعالم الشاعر الذي يحيل الى معطيات حسية في التجربة الواقعية ، فيطلق الشاعر صوتا معينا من الآنين المُتَمنى الذي يتداعى الى ذاكرته باستباقية زمنية لرؤية المستقبل . وتنظر أليه الذات الشاعرة التي تجمع الأغتراب واستشراف المجهول ، والقلق من الحاضر والخوف من القادم .وفي نص يقول الشاعر:

في مقهى على قارعة الطريق / تتأمل نفسها الحياة

والأمس كان أمساً وانتهى .     / الرجلُ الذي سحرتني نظراته

كانَ الحياةَ نفسَها                  / يقرأ عمود  الأبراج في صحيفة

بحثا عن حظه المجهول

من الجملة ألاولى نتلمس ملامح ذلك المطلق عبر الفضاء الشعري المتحرك( في مقهى على قارعة الطريق / تتأمل نفسها الحياة) فيحرك المعنى في ذات الفضاء ويحرره من بلوغ حد ينتهى اليه، فنرى وضوحا في الرؤيا أقرب منها الى الغموض . فالحس الشعري يقابله توهج الشاعر والايقاع يقابله الطاقة الوجدانية ليضفي الى أبعاد حيوية لتجربته الشعري واهتمامه بالتغيرات الاجتماعية ولكن هنا لا نرى اهتماما مباشراً على الرغم من فاعلية الحس الشعري ،الاّ أنه جنب قصيدته الوضوح المعيب، فكانت جملته الشعرية رشيقة وحيوية وايقاعها مرن بمرونة اللغة الشاعرة . يقول :

نهارٌ مشمسٌ !قلت له / بلادي مشمسةٌهكذا طوال العام !

أجابني .

. . .

كنتُ أراقب الحياة عن كثيب ، /  أتأمل الرجل القادم

من بلاد بعيدة .   / كان يبدو متعباً / حذراً ،  / مستمتعاً باللون وصخَبِ الشارع

وبأجساد النساء المسرعات / يَرسُمنَ لوحة حية / تتجّدُ ألوانها بلا أنقطاع !

 يشير النص لحاضر مأزوم عناه الشاعر ، وبجودة وفاعلية ، رسم ملامح ذلك الجانب الحياتي الحساس، وعبر عن فحواه بتكثيف شعري متميز في نقل حس الذات ومعيشتها عبر حــــــــسه الشعري والأبداعي . مصوراً لها في صورة استعارية قدم فيها خلاصة تجربة فنية وفلسفية في تناغم ايقاعي ينتهي بظهور حاشد للأشــــــارات على تجدد الحياة وانبعاثها . بقول :

سألني / ما رأيك بكل هذا / أنت الحياة في رجل ، وتعْلمُ

قلت له / أخبرني : كم ستمكث في هذه المدينة

تجربة الشاعر (خالد كاكي) تجربة غنية في قيمة نصوصها الأبداعية ولغتها الشعرية، فهناك بعد حيوي في النصوص ولاسيما في جانب استهلال الديوان بهذا العنوان الذي أعطاه ميزة فيه تعكس كثافة تجربة فيها فنية وشعرية عالية .

مشاركة