إيران: الثورة المصدّرة

826

إيران: الثورة المصدّرة

عماد علو
منذ انتصارها في فبراير عام 1979 تميزت الثورة الاسلامية الايرانية بالتعبير والاعلان عن مشروعها الاستراتيجي برفع شعار تصدير الثورة الاسلامية الي خارج ايران وبالذات الي الدول الاسلامية والعربية، وبررت استراتيجيتها هذه ، بأنها عامل توحيد اقليمي في مواجهة عوامل تجزئة وتقسيم العالم الاسلامي !. فالوضع الأمثل لريادة ايران ــ ان لم نقل زعامتها ــ علي المستوي الاقليمي هو نظام اقليمي اسلامي وليس أي نظام آخر، لذلك دأبت الجمهورية الاسلامية في ايران الي دعم الحركات الاسلامية في دول الاقليم وبقية الدول الاسلامية ماديا” واعلاميا” ومعنويا” ومستثمرة هذا الدعم علي الصعيد الداخلي الايراني بما يخدم في الحفاظ علي الزخم الثوري الداخلي.
وقد ركزت ايران علي تشجيع الحركات الراديكالية الاسلامية بالدرجة الاولي، وخصوصا” تلك التي تروم انشاء انظمة حكم علي النمط الايراني. وقد طالب القادة الايرانيين تلك الحركات الراديكالية الاسلامية باتخاذ الثورة الاسلامية في ايران مثالا” يقتدي به، كخطوة أولي نحو التوحد مع ايران في دولة واحدة يكون مركزها ايران، ومنذ الأيام الأولي لنجاح ثورة ايران في فبراير عام 1979، اعتبر آية الله طلقاني ــ أحد قادة الثورة ــ أن الثورة الايرانية قد أيقظت العالم الاسلامي في مواجهة الاستعمار والاذلال واعتبر كل ثورة تقوم في أي بقعة من العالم الاسلامي ضد الاستبداد والامبريالية هي ثورة للمقهورين، وبما أن الاسلام دعا الي نصرة المستضعفين في الأرض فهذا واجب الثورة الايرانية لأنها الثورة الأم للمستضعفين ليس فقط في العالم الاسلامي، وانما في العالم أجمع. وبعد مرور «33» سنة علي نجاح الثورة الاسلامية في ايران واسقاطها لنظام الشاه محمد رضا بهلوي واقامة جمهورية اسلامية في ايران فان السؤال المطروح الذي سنحاول القاء الضوء عليه هو عن ملامح الاستراتيجية الايرانية في تصدير الثورة وما أهم وأبرز الوسائل والاساليب التي اتبعتها في تنفيذ هذه الاستراتيجية؟ وما أهم العقبات التي واجهتها؟

الدستور الايراني وتصدير الثورة
ان أهم مبررات استراتيجية تصدير الثورة التي اعتمدها قادة الثورة بعد انتصارها في عام 1979، هي أن أفضل وسائل الدفاع عن الثورة وحمايتها هي الهجوم، وذلك من خلال اعتبار التأثير الايراني الخارجي الفعال اجراء وقائيا يستهدف احتواء أي هجوم علي الثورة من القوي الاقليمية والدولية المعادية للثورة وذلك باتخاذ كل ما يلزم وبشتي الوسائل لانشاء ومساندة قوي وحركات سياسية تتبني نفس أفكار النظام الايراني. ولذلك فان مجلس الدفاع الأعلي في ايران سارع الي الدعوة الي ثورة اسلامية عالمية تشكل جبهة اسلامية متحدة ضد اسرائيل في الولايات المتحدة وحلفائهما في المنطقة، ويكون قوامها الحركات الاسلامية المعارضة خاصة في العراق والسعودية ودول الخليج الأخري. وقد برر الدكتور حسن آيات ــ أحد منظري الثورة الايرانية ــ تدخل الثورة الايرانية في شؤون الدول الاسلامية الأخري بأن علي ايران نصرة المستضعفين في كل مكان حتي يتم ضمان استمرارية الثورة واتساع دائرة اشعاعها. ان استراتيجية تصدير الثورة انعكست بشكل واضح في دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية من خلال ما يلي
1 ــ حددت ديباجة الدستور الايراني ــ ضمن أهداف الجمهورية الاسلامية ــ السعي مع الحركات الاسلامية والجماهيرية الأخري لبناء الأمة العالمية، وانقاذ المحرومين في كل مكان علي الأرض.
2 ــ أعطي الدستور الايراني، الحرس الثوري والجيش في الجمهورية الاسلامية مهمة النضال من أجل توسيع حاكمية قانون الله في كافة أرجاء العالم.
3 ــ وضع الدستور الايراني ضمن أهداف السياسة الخارجية الايرانية دعم المستضعفين في الأرض وجهادهم المشروع.
4 ــ يلاحظ أن الدستور الايراني وصف حكام معظم البلدان الاسلامية ــ مثلهم مثل دول الغرب ــ بأنهم يمارسون ««الاستكبار»» ضد شعوبهم، وحث هذه الشعوب علي التخلص من حكوماتها التي تخدم ــ حسب الرؤية الايرانية ــ مصالح أعداء الاسلام.
5 ــ أن الدستور الايراني جعل تصدير الثورة واجبا دينيا وليس مجرد هدف سياسي يتمثل في جعل علاقات ايران الخارجية مع الشعوب وليس مع الدول، ويتطلب من ايران تقديم مساعدات مالية وعسكرية بالاضافة الي التدريب العسكري والتلقين العقائدي لهذه الحركات، وعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للثورة.

تأثير البيئة الاجرائية
اصطدمت محاولة تصدير الثورة الي العراق برد فعل عسكري أدي الي نشوب الحرب العراقية الايرانية «1980ــ 1988» والتي أفرزت عدداً من الدروس المستنبطة كان من أهمها أن القادة في طهران ذهبوا الي أن ما يصيب البيئة الاجرائية للفعل الايراني لتصدير الثورة، من تأثير تحله المؤسسة العسكرية الايرانية وكأنه تهديد قومي تحاول الاجابة عنه بفعل غير مجتزأ، وبناء” علي ذلك هجرت القيادة تلك النظرة التي تري بالقدرة العسكرية مقوماً من المرتبة الثانية، حيث يتوجب عليها توفير الأمن القومي من خلال وظيفتها في مواجهة أو صد التهديدات الداخلية والاقليمية والدولية. لذلك شرعت في تطوير قدراتها العسكرية مركزة بشكل كبير علي امتلاك القدرات البالستية ثم النووية. بعد أحداث 11/9/2001 في واشنطن ونيويورك واعلان أمريكا استراتيجيتها للسيطرة والهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط تحت شعار مكافحة الارهاب صنفت ايران مــن ضمن «دول محور الشر» أو«الدول المارقة» التي شملت بالاضافة الي ايران العراق وأفغانستان وكوريا الشمالية. وقد أدركت ايران بعد قيام الولايات المتحدة باحتلال أفغانستان ومن ثم العراق، الخيارات المتاحة أمامها والتي تتيحها جملة الظروف التي باتت تؤثر علي وضع ايران في بيئتها الاقليمية يدفعها في ذلك ما تمتلكه من قوة تحريك لقواها الضخمة التاريخية والأيديولوجية والاقتصادية و العسكرية والبشرية فضلا عن موقعها الجيوبوليتيكي المتميز. لجهة تطوير وتفعيل استراتيجية تصدير الثورة. ولتفعيل تلك القوي دأبت ايران علي توسيع تحديد مقدار الهامش في حركتها الخارجية اللازمة لتطويع واستثمار تلك القوي لصالح تعزيز مكانتها الاستراتيجية في عالم ما بعد الحرب الباردة، مع ادراك القيادة الايرانية بان المهمة المطلوبة منها لمواجهة التهديدات الأمريكية في المنطقة تستدعي حيازة اكبر قوة ممكنة لمجابهة المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط. كما بات واضحا للقيادة الايرانية بأن المتغير التاريخي يضحي علي قدر عال من الفاعلية عندما يتعامل مع المتغير الأيديولوجي لا بصيغة تعويم الحاضر بل حلا مناسبا لاشكالية الفعل الاستراتيجي الايراني علي طريق اعادة طرح المشروع الاستراتيجي الايراني «القادر علي ردع الاستكبار الأمريكي والصهيوني ومواجهة المشاريع الأمريكية» الا أن ايران اذ تحسبت لصيانة فعلها الخارجي الحاضر بتعدد ألوانه كطريقة مقصودة لتفويت الفرصة علي أعدائها لاسيما بعد أن وعت في ظل التواجد العسكري الأمريكي والغربي علي حدودها الغربية والشرقية والجنوبية، لضرورة الحفاظ علي ديمومة وجودها كأساس لبناء سلوكها المقبل، حيث سعت الي تكثيف جهدها نحو الانطلاق كونها، وهي المدركة لفعلها والمتحسبة لما يواجهها من تحد من خلال معاناتها الأمنية، معنية للعمل وبقوة للاستجابة ليس من خلال مواجهة التحدي بنفس فصيلته بل عبر السعي الحثيث نحو اعادة طرح وبلورة «المشروع الاستراتيجي الاسلامي الوحدوي الايراني» من خلال الترويج لاستراتيجية « تصدير الثورة الاسلامية» كأسلوب ناجح لاحتواء هذا التحدي بأقل الكلف ولمواجهة المشروعين الأمريكيين «الشرق الأوسط الكبير» و«الاصلاح الديمقراطي».

وسائل تصدير الثورة
كان من دوافع طرح وبلورة استراتيجية «تصدير الثورة الاسلامية» هو السعي الايراني الي تحقيق «المشروع الاستراتيجي الاسلامي الوحدوي الايراني» عن طريق تعزيز التدخل الايراني في العراق ولبنان واليمن والبحرين ودول اسلامية و شرق أوسـطية أخري، وكانت أهم وسائل استراتيجية تصدير الثورة :
ــ دعم مؤسسة «جهاد البناء» الاقتصادية الايرانية وتدويلها لتشابه منظمة المساعدات الاقتصادية الأمريكية «Us aid» ووفق الطريقة نفسها التي تستخدمها واشنطن.
ــ استضافة مقار التنظيمات الاسلامية الراديكالية وتقديم الدعم اللوجستي والاعلامي والمعنوي لها.
ــ ارسال معلمين ومدربين ودعاة، لدعم الحركات الاسلامية الراديكالية في العديد من دول المنطقة والعالم الاسلامي.
ــ استخدمت ايران المؤتمرات العالمية لأئمة الجمعة وأسابيع الوحدة الاسلامية، والاحتفالات السنوية بيوم القدس ومؤسستي الشهيد والمستضعفين، ومنظمة العلماء المجاهدين، كآليات لتعبئة رجال دين وكتاب ومفكرين وقياديين اسلاميين من كافة أنحاء العالم الاسلامي، لتلقينهم عقائديا والتأثير عليهم فكريا، بما يتفق مع أفكار الثورة الايرانية ومصالح الجمهورية الاسلامية.
ــ وظفت الثورة الايرانية اللجنة الدائمة للحج، ومكتب الدعوة الاسلامية كمؤسستين حكوميتين لتصدير فكر الثورة الايرانية وتوسيع تأثيرها الخارجي.
ــ استخدمت ايران الوسائل الاعلامية المختلفة«فضائيات، اذاعات، صحف ومجلات، مواقع انترنيت، مطبوعات ومنشورات مختلفة…الخ»، ودعمت وسائل الحركات والقوي الاسلامية الراديكالية المتعاطفة مع ايران والدائرة في فلك مشروعها الاستراتيجي.
ــ ارسال الاسلحة والمدربين والاموال لدعم الحركات الراديكالية الاسلامية في عدد من دول المنطقة والعالم.
ــ منح لطلاب من دول اسلامية مختلفة للدراسة في معاهد وحوزات علمية ايرانية، يتلقون بجانب التعليم دورات تلقين عقائدية تتصل بمبادئ الثورة الايرانية.

تصدير الثورة والدبلوماسية الإيرانية
واجهت ايران في السنوات الأخيرة صعوبة الموازنة بين الرسالة الأيديولوجية، وبين مصالحها واحتياجاتها الوطنية، كما أثبتت أن شعاراتها في السياسة الخارجية أكثر راديكالية من مواقفها العملية وسلوكها، وان ارتفع شعار تبني نموذج النظام الاسلامي في بلد واحد قد يضعف الثورة الايرانية وتأثيرها علي القوي الاسلامية بالخارج. ولما كان من غير المستبعد في العلاقات الدولية أن نجد تناقضا يتولد بمرور الوقت بين التزامات عقائدية ثورية معلنة في السياسة الخارجية لدولة وبين سلوكها الفعلي، سواء جاء ذلك نتيجة صراع داخل صفوف السلطة الحاكمة، أو لتجنب مصاعب داخلية، أو اقتصادية، أو عزلة دولية واقليمية. فان المعادلة الصعبة التي واجهت القيادة الايرانية تمثلت بمحاولة الدبلوماسية الايرانية تحسين علاقات الحكم الايراني بالدول الاسلامية الأخري، واتصالاته بالتيارات الاسلامية الراديكالية المعادية للنظم القائمة بهذه الدول، وهذه الاشكالية يمكن تلمسها بالاستقالات المتكررة لوزراء الخارجية الايرانيين كان آخرهم استقالة الوزير متكي نتيجة التناقضات بين صفوف النخب و القوي السياسية الفاعلة داخليا ومواقفها من هذه السياسات، وبالصراع بين المعتدلين والراديكاليين، وبين الاعتبارات العقائدية واعتبارات الاستقرار السياسي خارجيا” وداخليا”.ومع هذا فان استمرار وجود نظام حكم الثورة في ايران منذ عام 1979 في حد ذاته يشكل قوة دفع وتشجيع للتنظيمات الراديكالية الاسلامية بما فيها تلك الداعية الي العنف، وقلب أنظمة الحكم في البلدان الاسلامية الأخري.
واجهت استراتيجية تصدير الثورة الايرانية عدداً غير قليل من العقبات والمعوقات داخليا” وخارجيا” منذ بداية الثورة، وكان ابرز القادة الايرانيين الذين عارضوا استراتيجية تصدير الثورة هو حجة الاسلام هاشمي رفسنجاني الذي طالب باعتبار الثورة الاسلامية قدوة ومثالا دون الاشارة الي التدخل الخارجي، وعبرت الصحافة الموالية له عن هذه المواقف. وفي عام 1989 ذكر رفسنجاني عندما كان رئيسا للبرلمان أنه يرفض التضحية بما تحقق علي مستوي بناء المؤسسات داخل الجمهورية الاسلامية، أو اعاقة استكمال تنفيذ أهداف الثورة داخلياً مقابل تصدير الثورة خارجياً. وجاء التخلص من مير حسين موسوي بالغاء منصب رئيس الوزراء عقب انتخاب رفسنجاني رئيسا للجمهورية وتعديل الدستور ليعكس اقصاء أحد دعاة تيار تصدير الثورة الايرانية، وكان قد سبق هذه الخطوة اقصاء مهدي هاشمي وصهر آية الله منتظري المرشح السابق لخلافة الخميني وأحد دعاة تصدير الثورة ومسئول مكتب دعم حركات التحرير في العالم عام 1986. وعقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية عام 1989 قام باقصاء علي أكبر محتشمي ــ أحد دعاة تصدير الثورة ــ من وزارة الداخلية. وفي عام 1989 حقق رفسنجاني نجاحا” في كبح جماح الداعين الي تصدير الثورة بدمجه وزارتي الدفاع والحرس الثوري في وزارة واحدة للقوات المسلحة، الامر الذي اشار بوضوح الي اضعاف أي دور خارجي مستقل للحرس الثوري الايراني. ويعزو العديد من المراقبين أن هذا التحول أو ضعف الاندفاع نحو استراتيجية تصدير الثورة كان سببه تداعيات الحرب العراقية الايرانية علي الاقتصاد الايراني وشعور ايران بحاجتها للانفتاح علي العالم، لاجتذاب استثمارات الغرب وتكنولوجيته لاعادة تعمير ايران مما تطلب اعتدالا في السياسة الخارجية.
الا أن المعوق الاكثر تأثيرا” بوجه استراتيجية تصدير الثورة الايرانية كانت تكمن في طبيعة البنية العقائدية للثورة الايرانية، التي ركزت بشكل كبير علي الجانب المذهبي مما أفقدها البريق والوسطية وبالتالي القدوة بين الحركات الاسلامية الراديكالية في المنطقة والعالم الاسلامي خصوصا” تلك التي تعود جذورها العقائدية الي مذاهب اسلامية قد تتقاطع احيانا” مع الاتجاه المذهبي الذي تبنته الثورة الاسلامية الايرانية، الامر الذي سهل علي اعدائها توجيه التهم والانتقاد اليها باعتبارها تمثل مذهبا” واحدا” ولا يمكنها الادعاء بانها تمثل المسلمين كافة. ورغم خسارة الراديكاليين في انتخابات ابريل عام 1992 البرلمانية وحصول المعتدلين علي غالبية المقاعد، والتنبؤ بأن ذلك سيؤدي الي خفوت اتجاهات دعم المد الاسلامي المتطرف في المنطقة، وتراجع استراتيجية تصدير الثورة ! الا أن اتهام مرشد الثورة آية الله الخامنئي للغرب بتهييج دول عربية ضد ايران، عبر استثمار الغرب للصراع المذهبي والطائفي من أجل كبح جماح انصار استراتيجية تصدير الثورة، الامر الذي لم ينتبه له قادة ايران بشكل واضح مما زاد من عزلة ايران علي صعيد المنطقة والعالم وجعل حركتها تنحصر في المناطق ذات الاغلبية المذهبية التي تتناغم مع التوجه المذهبي والطائفي الايراني.. ورغم دعوة المرشد الاعلي للثورة الاسلامية آية الله الخامنئي في احدي خطب الجمعة أن ايران هي محور الثورة والوحدة الاسلامية، وهي وحدها الدولة الاسلامية الحقيقية، الا أن الانحياز والغلو المذهبي للثورة الاسلامية الايرانية الي مذهب واحد افقدها قدرة التحرك والمناورة والمرونة علي الصعيدين الاقليمي والدولي و شكل عائقا” واضحة وعقبة كبيرة ازاء مشروعها بتصدير الثورة الاسلامية، الي العديد من المجتمعات الاسلامية التي كانت تواقة ومهيئة اجتماعيا” واقتصاديا” وسياسيا” لاستقبال واستلهام شعارات الثورة الاسلامية الايرانية.

الربيع العربي وتصدير الثورة
كان من نتائج ومخرجات ما سمي بربيع الثورات العربي الذي اندلع منذ عام وأسفر حتي الآن علي الاطاحة بأربعة حكومات دكتاتورية عربية في تونس وليبيا ومصر واليمن، أن صعدت الي الواجهة حركات الاسلام السياسي ذات الصبغة الراديكالية، وبدت وكأنها قادت وفعّلت تلك الثورات وقادتها للنتائج التي وصلت اليها حتي الان. وهناك بعض الآراء التي تري أنه رغم أن ايران لم تخلق المد الاسلامي العربي الذي صعد الي واجهة الاحداث في اطار الربيع العربي، الا أن البيانات والتصريحات التي صدرت عن رموز القيادة الايرانية اشارت بوضوح الي أنها ساعدت وشجعت هذه الحركات الاسلامية وتحاول توظيفها ــ في عدة دول ــ لخدمة مصالحها دوليا واقليميا.
ورغم أن ايران أعلنت في عدة مناسبات أنها لن تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخري، وأن وزارة الخارجية الايرانية هي الجهة المعنية بممارسة السياسة الخارجية مع الدول الأخري، الا أن تصريحات لعدة مسئولين ايرانيين جاءت لتؤكد أن ايران لن تأمن من مؤامرات الدول الكبري الا اذا حدثت ثورات مماثلة لثورات الربيع العربي في العالم الاسلامي ووعدت بمساعدة كل حركات التحرير والحركات الاسلامية الراديكالية في أي مكان في العالم. في وقت لاتزال العديد من المنظمات الثورية الاسلامية الرسمية أو شبه الرسمية أو حتي غير رسمية في ايران تزاول اتصالات مع تنظيمات اسلامية معارضة في بلدان عربية و اسلامية عديدة تشهد توترات ومظاهرات وحراك شعبي مما يسبب توترا في العلاقات الايرانية مع هذه الدول.

الخاتمـــة
استناداً لما سبق، فإن الدلائل تشير اليوم الي استمرار الصراع بين المتشددين والمعتدلين في ايران، ومواصلة المتشددين ممارسة ضغوطهم لجهة تدعيم وتطوير استراتيجية تصدير الثورة، و دعم الحركات الاسلامية الراديكالية عبر العالم، باعتبارها ورقة ضغط مفيدة في يد السياسة الخارجية الايرانية خاصة في ظل استمرار العزلة النسبية لايران تجاه الغرب في ضوء استمرار التخوف الأمريكي مما تعتبره الادارة الأمريكية الجديدة جهود التسلح غير التقليدي الايرانية ومساندتها الارهاب عبر العالم ومعارضتها لعملية التسوية في الشرق الأوسط، كل هذه عوامل ستدفع باتجاه استمرارية ارتباط ايران بجماعات العنف السياسي داخل المنطقة وخارجها مستقبلا لشعورها المتزايد بالتهديد والخطر من محيطها الاقليمي والدولي، خصوصا” في اجواء الاستقطاب الطائفي والمذهبي والعرقي الذي تحاول أشاعته والترويج له المشاريع الشرق اوسطية الامريكية لجهة تغيير الخارطة السياسية للمنطقة بما يخدم مصالحها فيها.
ان مخرجات ونتائج الربيع العربي وما تمخض من صعود حركات الاسلام السياسي في العديد من دول المنطقة سيعزز حقيقة،أن بقاء الثورة الاسلامية في الحكم في ايران منذ العام 1979 وصمودها بوجه التحديات الاقليمية والدولية حتي يومنا هذا، سيكون في حد ذاته مصدر الهام للعديد من الجماعات الاسلامية الراديكالية وغير الراديكالية، كما أن العديد من هذه الحركات عبر العالم الاسلامي ستبقي تعتبر ايران الملاذ والملجأ الأخير لها، بعد أن استعارت هذه الحركات اللغة والشعارات السياسية للثورة الايرانية.

/2/2012 Issue 4113 – Date 4- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4113 – التاريخ 4/2/2012

AZP07