ذكريات الفن والحياة خلال نصف قرن

ذكريات الفن والحياة خلال نصف قرن
مكابدات ابداعية ما بين جنداري و عطاء الله وصبري
معد الجبوري
محمود جنداري
بصمة الراحل المقيم
رحل َ رفيقُ العمرِ والكلمة المبدعة القاص المتفرد الحبيب محمود جنداري.
نبأ لسَعَني كالثعبان وهزَّني كالزلزال صبيحة الخامس عشر من تموز عام 1995 فشهقت له الروح شهقة أجهش لها كياني كله ببكاء مُرّ وحار كنزيف القلب.. جبلٌ كبير كان يتصدّع في أعماقي، ويهوي في لحظات ليخلِّفَ أمامي غباراً من الهدمِ والحريق يمتد مَدَّ البصر.
أنَّى لي أن أعرف حينها أن محمود جنداري كان يودِّعُني الوداع الأخير يوم زارني قبل رحيلِه بأيام معدودات؟ كم كان أنيقا جميلا وممتلئا بالعافية وبالمشاريع الجديدة؟ من أين لي أن أعرف يومها أن السفر الذي كان يُزمِعُ هو سَفَرٌ للأبدية، وأن عودته إلى قريتِه قبل يوم من رحيله هي عودةُ البذرةِ إلى تًرابِها؟
لقد أسدل محمود جنداري السِتار على عَجَلٍ.. أسدله والكتاب ما زال مفتوحا، وبياض الورقة على موعد مع قصة جديدة وإضافة أخرى.
ماذا أقول عن ربع قرن من صداقة حميمة وحب عميق؟ كيف أوجز، بدمعتين اثنتين وكلمة رثاء، دهرا هو ربع قرن جمعنا على طريق الكلمة المبدعة ؟ وماذا أقول عن برج من الإبداع كنتُ عايشت وعاينتُ نهوضه وشموخه في فضاء القصة القصيرة، لبنةً لبنة ويوما بعد يوم، منذ أعوام الظمأ حتى عصر المدن وكان لي معه أكثر من صلة وأكثر من حضور عبر مشهد واحد لمبدعي جيل واحد؟
ثم ماذا أقول عن برج من الصداقة والأخوّة هو محمود جنداري بوفائه وإخلاصه وطيبة قلبه ورفقته اليومية الجميلة؟
منذ التقينا أواخر الستينات ونحن نكتوي معا بجمرة الخلق.. شهد بداية بصماتي الأولى في الشعر وبقي حريصا على متابعة نتاجي الشعري، وشهدتُ بزوغ نجمه الساطع عبر نتاجه القصصي الجديد المتميز.. وأشهد الآن أن كلَّ قصة كان يكتبها كانت فتحا جديدا في ميدان الإبداع القصصي، وكان لكل قصة من قصصه قصة أخرى، عبر ما يدور حولها من حوار ساخن وما تواجهه حتى تصل منشورة إلى القارئ.
كان يكتب قصته دفعة واحدة بكل نبضها وتدفقها، وكنتُ ممن يتلقفون تلك القصة وهي حارة طرية، فأعيش معها ومعه لحظات المعاناة والصراع كلها، حتى تُنشَر.
قرأ لي وقرأت له، وأبديت وأبدى، وربما كنت أدري، قبل الآخرين، أنه في السرد مبدع كبير.
وهكذا مضت رفقتنا في صحبة السيدة الكلمة، فشاركنا في عشرات اللقاءات والأمسيات والمهرجانات والمؤتمرات الأدبية. والتقينا مرات ومرات على صفحات مجلة واحدة وصحيفة واحدة، وظل عناقنا متصلا دافئا على مستوى صلتنا اليومية، وصلتنا في ميدان الابداع.
لقد أسدلتَ الستار على صوَر تلك الأيام التي لن تغادر القلب والذاكرة يا محمود، لكن إبداعك يظل شاهدا دون ستار على مشهد قصصي شديد الفرادة والخصوصية، ويظل كتاب حياتك مفتوحا للأجيال القادمة.
صبحي صبري
سلطان التمثيل الدرامي في نينوى
عاشق التقمّص والتشخيص والساحر على خشبة المسرح .. لا أداء يشد المتلقي، إذا جسد دورا بين العديد من الممثلين، مثل أدائه الجذاب المتفرد.
عصامي أقام صرح حضوره في واجهة المسرح العراقي بصبر ومثابرة، مؤكدا تفوقه على أقرانه من حملة شهادات التخصص، وهو لا يحمل سوى شهادة الابتدائية، فاثبت أن الموهبة والتألق والابتكار في ميدان الإبداع أكبر من أي شهادة.
في التلفزيون كان وجها مهيمنا على الشاشة والمشاهدين معا، وهو يقف جنبا إلى جنب مع كبار الممثلين العرب مصريين وتونسيين وأردنيين.
بصمة خاصة في الصفحات الأولى من حركة الإبداع المرئي في الموصل .. وشهرة واسعة في الوسط الثقافي والفني .. ووجه محبوب معروف في الوسط الشعبي بين شرائح المجتمع الموصلي كافة.
صحفي دؤوب برز قي التحقيقات الخفيفة السريعة واللقاءات، واقتناص الغريب النادر مما طمسته الأيام من صور ومفردات تراث مدينته أم الربيعين ومشاهد الجمال والسياحة فيها، وتسليط الضوء على معالمها وشواخصها ومؤسساتها، والكتابة عن علمائها وأدبائها وفنانيها، وإنصاف من ظل منهم وراء الكواليس.
وفي الحياة هو الكادح الذي ظل واقفا وراء عربة السندويج ليكسب رزق أسرته بعرق جبينه، مترفعا عن مد يده إلى أي إنسان، فكان حتى في هذا الاتجاه فنانا متميزا شهيرا بإعداد وجبة شهية لزبائنه لها نكهتها الخاصة اللذيذة.
إنه الفنان المسرحي البارع سلطان الدراما في الموصل كممثل، والصحفي والإعلامي اللامع، صبحي صبري، خِلَّ روحي ورفيقَ مسيرة عمري في الحياة والإبداع وعضيدي يوم كنتُ مديره في فرقة نينوى للتمثيل إحدى فروع مديرية المسارح في دائرة السينما والمسرح ، ومديره في المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى.
عرفته منذ أواخر ستينات القرن المنصرم مجسدا أجمل الأدوار في التمثيل بدءً بأوديب ملكا لسوفوكليس والمسيح للشاعر سالم الخباز ومأساة جيفارا لمعين بسيسو وغيرها مما أخرجه الفنان شفاء العمري الذي كان له جهوده في تدريب وتوجيه صبحي صبري، وتقديمه للمسرح، وقد أسند إليه في كل عرض مسرحي دورا رئيسا وفجر طاقاته الخلاقة الفذة.
عام 1972 أخرج الفنان محمد نوري طبو مسرحيتي الشعرية آدابا لفرقة مسرح الرواد، وأدى فيها صبحي صبري دور السيد بمهارة وإتقان وحضور طاغ على الخشبة، فكان أداؤه أحد أسباب نجاح ذلك العرض المسرحي. وبعد خمسة عشر عاما أخرج المسرحية نفسها الفنان الدكتور جلال جميل فأسند الدور نفسه إلى الفنان صبحي صبري لأن صورته في العرض الأول لم تغب عن ذاكرة كل من شاهد ذلك العرض، وأنا منهم، فقد اقترن السيد في مخيلتي كلما أعدت قراءة نص مسرحيتي بشخص صبحي صبري.
وهكذا في مسرحيتي الشعرية شموكين التي أخرجها الفنان شفاء العمري عام 1979 فقد اقترن دور لوكال بصبحي صبري الذي جسد ذلك الدور بشكل مذهل دعا ابرز النقاد العرب والعراقيين ممن شاهدوا عرض شموكين في بغداد وتناولوا العرض والنص بقراءاتهم النقدية، إلى الإشادة بتفرد صبحي صبري وإلى مدى إعجاب المشاهدين بأدائه وهم من أشهر فناني المسرح والمثقفين في العاصمة ممن شهدوا العرض عام 1980 في افتتح المهرجان القطري لفرق دائرة المسارح في المحافظات.
وهنا لا أنسى موقفا مر به صبحي صري وهو يؤدي دور لوكال مع مجموعته في المسرحية، فقد تماهى مع الدور حد أن اصطدم رأسه برأس الفنان عبد الرزاق ابراهيم أحد أفرد المجموعة في تلك اللحظة، فشج جبين عبد الرزاق وسال الدم منه، فظن المشاهدون فرط اندماجهم بالعرض أن ذلك من مستلزمات المكياج، واستمر الممثلون في أدائهم حتى انتهى المشهد وعولج عبد الرزاق ابراهيم وراء الكواليس.
كما أذكر أنه وهو يمثل مع الفنان أسامة المشيني دور المعيدي شقة بن ضمرة في مسلسل النعمان الأخير الذي جرى إنتاجه في ستوديوهات المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى، عام 1980 أذهل الكبار من الممثلين العرب المشاركين في المسلسل في أدائه مشهد الدخول على النعمان الذي كان يؤديه أسامة المشيني المعروف عنه أنه يحاول إرباك كل من يجرأ على التفوق عليه، لكن صبحي أدى مشهد الدخول على النعمان متفوقا حتى على نفسه بأدائه الشاهق، وحين انتهت اللقطة نهض الممثلون وقبلوه معجبين ومنهم أسامة المشيني، واختار المخرج أن يقفل إحدى حلقات المسلسل بتلك اللقطة المثيرة ليشوق المشاهد إلى المتابعة.
والواقع أن فنانين بارزين عرب وعراقيين كان الفنان صبحي صبري قد لفت انتباههم إليه، فأبدوا إعجابهم به كممثل ، منهم محمد حسن الجندي، رشوان توفيق، أسامة المشيني، بدري حسون فريد، جعفر السعدي فضلا عن إعجاب الفنانة فانيسيا ريدكريف به كممثل سينمائي، ومن أبرز النقاد والمثقفين الذين التفتوا إليه كممثل عبر ما كتبوه نبيل بدران، علي مزاحم عباس، حسب الله يحيى، د، نجمان ياسين، سالم العزاوي، أمجد محمد سعيد، عبد الحميد الصائح، وسواهم… .
ومع أن وجه صبحي صبري يوحي بقسوة وعنجهية دعت المخرجين دائما إلى إسناد أدوار الشر إليه، إلا أن وراء هذا الوجه تكمن البراءة ورهافة الحس والمحبة معبرة عما في أعماق الفنان من طيب وأريحية، فقد عرف صبحي بمد يد الخير للآخرين، وبمواقفه الإنسانية الرائعة وكرمه المفرط وخلقه الرفيع ووفائه لأصدقائه، ولئن كانت الابتسامة والضحكة المجلجلة أحيانا لا تفارق محياه، فإن دموعه تسبقه في المواقف التي تثير الحزن و تدعو إلى التعاطف.
عام 2011 تفطن صبحي صبري إلى أرشيفه الصحفي ، فقرر أن يجمع أبرز ما نشر من تحقيقات ولقاءات ، ما يتعلق منها بمدينة الموصل لنشرها في كتاب، وطلب مني مراجعة ما جمعه ومساعدته في طبعه على الحاسوب، فراجعت وطبعت في وقت واحد كان هو فيه إلى جانبي، حتى غدا الكتاب جاهزا للطبع فأطلق عليه اسم كتابات متنوعة على ضفاف دجلة فصمم غلافه ابني أحمد معد، ودُفع إلى الطبع فصدر في العام نفسه بإخراج أنيق ونزل إلى الأسواق فتناوله الكتَّاب صحفيا ونشروا نماذج من المقالات التي ضمها.
ولم يكتف بذلك، فعكف على جمع ما أجري معه من لقاءات صحفية كفنان مسرحي، وما قيل عنه في هذا الاتجاه لإصداره في كتاب، فأصدر كتابه الثاني في العام نفسه تحت عنوان صبحي صبري.. الطريق الصعب نحو دائرة الضوء
والحق أن طريق الفنان الدرامي والصحفي صبحي صري إلى النجومية والشهرة كان طريقا صعبا.. فحياته كانت هي الدراما بعينها.
محمد عطاء الله
سخرية لاذعة في الحياة والكتابة
هو زوربا اللحظات الفريدة، في الحياة والسرد والدراما.
برحيله المبكر العاجل تخلخل كل ما في أعماقنا، وجرَّعَنا الفراقُ كأسَ العلقم.
برحيله فَقدَتْ لوحة الوجه الواحد أحد دلالاتها. فمنذ سنوات طويلة ونحن، أصدقاءه، وجه واحد متداخل لا يتكامل إلا بالنظر إليه من عدة زوايا، كوجه في لوحة لبيكاسو.
هو رجل ينفر من البِرك الآسنة ويقتنص بعناقه لهدير الحياة، أجمل اللحظات ، موحدا أبعاد الزمن في كأس الحاضر واعتصاره حتى الثمالة.
رجل لم أعد أسمع منه عبارة لابد أن ننساق وراء رغباتنا، فنصفنا في تراب القبر وما زال لدينا متسع للبهجة وهي عبارته الأثيرة التي كان يرددها أمامي، كلما دعاني ودعا أحباءه إلى الخروج من مشاغل الحياة إلى سحر وجمال الطبيعة واقتناص أوقات المتعة.
عبقري مسكون برؤى نقدية للواقع، متسربلة بأداء ساخر في سلوكه، وابتكار رموزه الأدبية، وفي نظرته للغد وأحلامه البعيدة.
مفكر له حضوره في فلسفة التاريخ، ومبدع خلاق في القصة القصيرة والرواية والمسرحية، لا يشبه إلا نفسه.
هذا هو محمد عطاء الله رفيق روحي ومسيرتي في الحياة والإبداع.
لم أعرف منذ حلَّقْتُ في فضاء الكلمة صديقا كاتبا كانت لشخصيته الساخرة الظريفة حضور في نتاجه الأدبي مثل محمد عطاء الله، فالسخرية اللاذعة والدعابة والنكتة من صميم هويته كإنسان ومبدع معا.
عاشرته منذ أواسط ستينات القرن الماضي ونحن بعد طالبان في جامعة بغداد، وكان لنا في تلك السنين بيت واحد أو شقة واحدة في الأعظمية تجمعنا والأصدقاء سامي الموصلي، عبد المجيد سعدون، حيدر محمود عبد الرزاق،أمجد محمد سعيد، غانم سعيد حسن وغيرهم ..
منذ تلك الأيام كنت أحاول أن أطل على ساحة الشعر فأحضر التجمعات الأدبية وأنشر في بعض صحف العاصمة، وكان مولعا بالكتابة في فلسفة التاريخ، والتعمق في نظرية الرجل العظيم ، فنشر أكثر من مقالة في مجلة الأقلام وهي بعد بحجم كتاب.
وللدعابة التي لا يكف عنها كان يسرق بعض قصائدي في الغزل ويستنسخها ليقرأها أمام زميلاته في الكلية، مدعيا أنها له. وكان حينها من المتفوقين في قسم التاريخ بكلية التربية، ولم ينج من نكاته ومقالبه حتى أساتذته. وكان آنذاك يحاول ابتداع محاولة في كتابة ما أُطلِق عليه فيما بعد قصيدة النثر . فعكس هويته الشخصية على ملامح هوية إبداعية بدأت تتشكل منذ تلك الأيام الخوالي.
ولكي يتخذ من شعوره بالضياع وتمرده ورفضه وعبثه لافتة تجذب الآخرين يتعرض فيها حتى لوطنه الذي يحبه، علق آنذاك على حائط غرفته فردة نعال، وقطعة كارتون كتب عليها
أشرقت الشمس أو لم تشرق» ذلك لا يعنيني» شبر من الأرض يكفيني» وطني تحت قدمي» وإن نازعوني عليه» فسوف أتركه لهم» دون جلبة
والغريب أنه بعد سنين من عودته للموصل كان في عمله الوظيفي سواء كمدير لمحو الأمية أو في المواقع الأخرى التي شغلها، جادا دقيقا صارما بعيدا عن المزاح وقت الدوام الرسمي، منفلتا مًزَّاحا خارج الدوام.
في أجواء الكتابة ، واصل محمد عطاء الله قبل أن نتخرج وبعد التخرج كتابة قصيدة النثر حتى اتجه إلى القصة القصيرة، فكتب في السبعينات وما بعدها أغرب القصص الساخرة ونشرها في العديد من المجلات المرموقة ، ثم أدرجها في مجاميعه القصصية الطواف حول مملكة الحلم و قطة وثلاثة بيوت و رسائل الليل و طيور الحب والحرب فضلا عن نشره رواية، اسمها الغرانيق
ولعل من أروع مجموعاته القصصية كتاب رسائل الليل الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 2001 والذي كتب مقدمته صديقنا القاص الدكتور نجمان ياسين، وقد جاء في المقدمة، قوله لا أعرف كاتباً في أدبنا العراقي أنجز هكذا عمل، سوى محمد عطاء الله، فهذا العمل اللذيذ، والمدهش، والمروع الذي يتقاطر فزع الوجود من كلماته، والمتوحد، المندغم بالكائنات في الوقت نفسه، ينقلنا بمهارة من الآني، والمؤقت، واليومي المعاش، إلى الأبدي الخالد، وإلى المعنى الكامن في جوهر الأشياء. وهذا العمل ليس قصصاً، وإن توفر على فن القصص، وهو ليس شعراً، وإن ضج بالشعرية المرهفة الحادة والجارحة ، وهو ليس مقالة فلسفية فائقة ورشيقة فحسب، وإن أشرق بالحكمة وأضاء بالمعرفة، وهو ليس تأملات في الحياة والموت، والحب، والحرية، والصداقة، وليل الفراق الطويل في هذا الكون الزائل.. إنه كل ذلك، وغيره، يجتمع في بناء متفرد، مشحون بكل صرخات الغرائز البدائية الأولى، وإشراق الوجود. وبهذا الضحك الذي يشبه البكاء .
ومع انتعاش حركة المسرح في العراق والموصل، في السبعينات والثمانينات، دخل محمد عطاء الله عالم الدراما، بنصوص تجريبية وأخرى كوميدية تنطوي على خصوصية عالية من النقد اللاذع والسخرية، نُشرت وطبعت في كتب وقدمت في عروض على خشبة المسرح في الموصل وبغداد والمحافظات، وهي ابن سراب يبدأ من نقطة معلومة خرجها الفنان علي احسان الجراح حكماء الملك زرزور أخرجها الفنان صبحي صبري المؤلف والبطل أخرجها الفنان شفاء العمري مشاهد من كوميديا الآيات الكاذبة أخرجها الفنان راكان العلاف امبراطور للبيع أخرجها الفنان محمد نوري طبو كلاب سائبة و فضيحة اضطهاد الدجاج الأمريكي والأخيرة كانت مفاجأة للفنان سامي عبد الحميد فأحرجها وقدم عرضها في بغداد.
لقد تابعت يوميا وتفصيليا كل نتاجه القصصي والمسرحي، فرأيته وهو يقرأ نصوصه أمامي، يضحك من تصرف شخوص أعماله ويعلِّق عليهم ويضحكني معه، وقد طلب مني مرة بعد أن ابتكر شاعرا للملك في مسرحيته حكماء الملك زرزور أن أضع للشاعر أبيات شعر تثير الضحك في مدح الملك ووزيره وحاشيته، فنفذت ما أراد وفي العرض كنا أنا وهو وأصدقاءنا غارقين في الضحك.
ولقد أهديت إليه قصيدة في مجموعتي الشعرية للصورة لون آخر الصادرة عام 1984 تحت عنوان صديق استبطنت خلالها شخصيته الساخرة العجيبة.
من جانب آخر، لم يركن محمد عطاء الله إلى التوقف، فحصل في التسعينات على شهادتي الماجستير والدكتوراه. ومحمد عطا الله الدكتور كما يرى المؤرخ الأستاذ الدكتور ابرهيم خليل العلاف كان يؤمن مع ادوارد كار صاحب كتاب ما هو التاريخ ؟ بان التاريخ هو حوار متصل بين المؤرخ ووقائعه، فالوقائع لا تساوي شيئاً بدون مؤرخ والمؤرخ لا يستطيع إن يقول شيئا في حالة غياب الوقائع. وبسبب اهتماماته الأدبية ، فقد ربط في رسالته للماجستير وأطروحته للدكتوراه بين الأدب والتاريخ ويضيف قائلا لابد من القول إن محمد عطا الله عشق التجديد وآمن بنظرية التقدم ولم يتوقف عن الحلم ببلد جميل يلبي طموحاته ، ويأخذ فيه الإنسان حقه من الحياة والرفاهية والثقافة والعلم لذلك سخر من المؤسسات القائمة المتهرئة والنظم الاجتماعية البالية في كثير من مجاميعه القصصية .
وفي مطلع الألفية الثالثة انتخب محمد عطاء الله عضوا في المجلس الوطني مجلس النواب ممثلا عن محافظة نينوى لكنه بقي منساقا وراء رغباته في اقتناص البهجة، قابضا على جمرة الخلق في الوقت نفسه، وكان يدعوني وأصدقاءنا في ساعة ما، إلى أن نرمي كل شيء وراءنا وننطلق لنسترخي بين أحضان أي روضة غناء ننسى فيها همومنا ونمضي ساعات من الراحة النفسية.
وهو هكذا دائما فقد كتب في إضاءته قبل الدخول إلى رسائل الليل ما زلت أحلم كل يوم في أن أجمع أصحابي كلهم، بمن فيهم الذين اقتنصَهُم الموتُ الخاتل، في إجازة نقضيها جميعاً على شاطئ دجلة الخالد في مدينتي العذبة، عروس الأرض.. الموصل الحبيبة.
ولكي يبقى هكذا، اكتفى بعد أن دبت في أوصاله مرارة احتلال بلده العراق، بأن يعود كما بدأ مدرسا في مدرسة ثانوية قريبة من بيته، يؤدي واجبه فيها بالتدريس ليقفل إلى منزله أو يلتقي بنا في المقاهي، وبيده رزمة كتب يطالعها، وفي المساء ينصرف إلى قنينة وكأس، يطفئ فيهما نار معاناته ووجعه المر من الاحتلال ومن جاء بهم المحتلون. حتى تطور الأمر فيما بعد إلى الانكباب على شرب الخمر ليلا ونهارا، وكأنه لم يجد من وسيلة لمواجهة الاحتلال والواقع المؤلم سوى بارتشاف كأس بعد كأس. ولم تنفع معه كل نصائحنا بالكف عن ذلك حفاظا على صحته على الأقل بعد أن لمَّحت بالتدهور.
ثم أقبل هاذم اللذات ومفرق الجماعات، ليصيب محمد عطاء الله بتشمع الكبد، ويقتنص نبضه ذات ليلة من ليالي عام 2007، فيغدو جثة هامدة بعد ستة عقود من عمر ملئ بالعجائب، وليتركنا ننوح ونحن نحمل جثمانه على أكتافنا إلى مثواها الأخير، ونقف أنا والشاعرين عبد الوهاب اسماعيل وذو النون الأطرقجي عند قبره لنواري عليه التراب والدموع تقطر من مآقينا واللوعة تنهش في أعماقنا. وصدى صونه يردد شبر من هذه الأرض يكفيني
ويصعد صوت صدى جديد هو صوته الجاد الحقيقي الذي يردد
وطني لي » ولن أتركه لهم، بعد أن نازعوني عليه» بجلبة أو دون جلبة
/8/2012 Issue 4271 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4271 التاريخ 7»8»2012
AZP09