غادة صديق رسول تحتفي بالموت كالحياة

596

غادة صديق رسول تحتفي بالموت كالحياة
المدينة لا تخفي أسرارها

سعد الدين خضر
بعد مجموعتها القصصية الجميلة «رمادية» الصادرة عام 2011 نشرت الكاتبة العراقية غادة صديق رسول روايتها الأولي «الموت للحياة» وصدرت عن دار الفارابي بلبنان مطلع عام 2012. وهذه الرواية في تمظهراتها السردية تعكس محلية صميمية..، محلية موصلية مألوفة ، ولا بأس أن ينطلق الكاتب من بيئته الخاصة وتجربته الحياتية الذاتية في مكان ما..، ولعل أنموذج «رسول حمزاتوف» في منجزه الأبداعي «داغستان بلدي» يعبر أصدق تعبير عن التناغم، لا التضاد ، بين المحلية والعالمية تلك الثنائية الابداعية التي شهدناها في الكثير من الأعمال الروائية العالمية ، مثل رواية مارغريت ميتشل «ذهب مع الريح» ورواية ماركيز «مئة عام من العزلة» ورواية غونتر غراس «طبل من صفيح» وسواها من الأعمال التي قامت علي «محلية» ما..، وتاريخ الآداب العالمية يحفل بالكثير الكثير من تلك الأعمال.. ولا ننسي النوبلي نجيب محفوظ وسردياته التي جسدت الأجواء القاهرية بحاراتها المملوكية والفاطمية ، وكانت : «زقاق المدق» و «بداية ونهاية» و «بين القصرين» و «قصر الشوق» النماذج الساحرة في تعشيق الحدث بالمكان والمكان بالحدث.. معبرة عن الالتحام الملحمي الذي شد القراء والنقاد عقودا من الزمن الثقافي ، شدهم الي عبق المكان وخصوصيته ، والي حارات القاهرة الشعبية ومعمارها الفاطمي حيث عاش نجيب محفوظ وكتب. في رواية «الموت للحياة» استذكرت غادة صديق رسول بحنان وعنفوان دروب الطفولة في محلتها العتيقة «رأس الكور» من أحياء الموصل الشعبية ، استذكرتها كطفلة مسحورة بذلك الزمن البريء الذي مضي ، وهي اليوم تسرد حكايات تلك الأيام : امرأة ناضجة وعت الحياة وأدركت قلق الحيرة وفضيلة الصمت..!! منذ أن أضاعت مفاتيح الأسئلة !! وأولها سؤال الوجود ، والحياة ، والموت ، وسؤال الانسان الذي يموت حتما حيث لا ينفع النحيب.. والأسلاف سكنوا الثري تاركين الحزن الموجع والفرح البهي للفرحين بحياتهم في الجوار ، بينما غاصت أجسادهم في حفر سوداء مظلمة وقبور اندرست ، يوم حلقت أرواح الموتي نحو السماء ويوم «تساوي في الثري راحل غدا وماض من ألوف السنين» ذلك هو الزمن الذي يفترس الناس ويطوي المدن والأحداث والهويات وما يصنعه الانسان.. ذلك ما تستذكره «نساء رأس الكور» عند كل غياب وفجيعة.
ها قد خلعت غادة صديق رسول قميص ذكرياتها وألقت به علي قارعة الرواية ، قبل أن تهديها أو تهديه الي رجل ما ، وقارئ ما !! ولكن الحجر يبقي الحجر في «رأس الكور» والتراب هو التراب يمتد من «قليعات» الي «مقبرة عيسي ددة» سوي أن الناس اختلفوا ، فالأجيال تتناسل.. إذ لم نعد نري الصبية «تماضر» تتسلل عبر طرقات المحلة لقضاء شغل ما.. لقد أصبحت اليوم «الحاجة تماضر» بعد أن تزوجت وترملت وأنجبت ستة صبيان مات أحدهم صغيرا ، والخمسة أصبحوا رجالا حافظ بعضهم علي مهنة اجداداهم «العطارة» أو «العطارية» لذلك يطلقون عليهم «بيت العطار». والحاجة تماضر اليوم جدة يملأ احفادها المحلة صخبا وحركة.
ترصد الرواية ايقاع الحياة في حي شعبي «محلة رأس الكور» في مدينة الموصل حيث تقصدت الكاتبة تكثيف التاريخ الاجتماعي لعائلة الحاجة تماضر وقدمت صورة فوتوغرافية قلمية متقنة للحياة اليومية لهذه الأسرة كنموذج لنمط الحياة في العراق عموما ، وفي زمن صعب ملتبس ، بيد أن كل مفردات النص الروائي تؤكد تعلق الانسان بأرضه وماضيه وطقوسه اليومية المتوارثة..، فالمكان هوية ، والأرض انتماء ، والزمن ذكريات ، والمرأة الجدة سيدة القرار وهي التي تفسر الأحداث وعليها تقع مهمة تأويلها.
ومن استقراء شخوص الرواية يتأكد للقارئ أن ذرية الحاجة تماضر تلعب الدور الأساسي في مجريات أحداثها..، وتتردد في الرواية أسماء..
عادل ومحمد وشجاع – الشخصية المحورية – ودلال وعبدالعزيز «عزوز» ورمي المجنون وآمنة صغري كنات الحاجة تماضر التي كانت قصة زواجها من محمد مفارقة عجيبة !! وهناك أيضا ستارالأجرب وريم وعمر أبو الثلج والقناص الخفي وعماد الصديق ومحمد كرجية وأم حازم الثرثارة وعبدالفتاح فاضل ، وحسناء التي خُطفت خطأ ثم قُتلت !! وتماضر الصغيرة وليلي وسمير ابن القابلة الذي أثري من السرقات والنهب واغتني من «الحواسم» أو الجاسوسية ثم أغتيل ! والحاج تقي وحكاية مقتل الخاتون وهناك أيضا ضحايا الاحتلال : وفيقة الخبازة التي قتلت برصاصة أمريكية وهي حامل فولدت ميتة طفلا يتيما !! وعمر أبو الثلج الذي مات برصاصة قاتلة وهو جالس علي مائدة العشاء في بيته.
ونستطيع أن نقول أن الكاتبة نجحت بتقديم ويلات الاحتلال ومصائب الغزو اللعين عبر مشاهد حياتية صادقة تكاد تنطق !! وتعرض الرواية «بانوراما» أسواق الموصل : سوق السمك ، سوق العطارين ، السرجخانة ، سوق باب السراي ، سوق الصياغة ، سوق التمر ، حيث تعدد الروائية أسماء أنواع التمور العراقية وتنسي «أصابع العروس» تلك التمرات الطويلة اللذيذة ؟؟!
لقد عجنت غادة صديق رسول طحين سردها بماء الموروث الشعبي المحلي من حكايات وأساطير يحفل بها خزين «رأس الكور» ، كما تعمدت الكاتبة تضمين نصها الروائي بعض مفردات اللهجة الموصلية التي شرحت معانيها في هوامش قصيرة.

ماضيه وحاضره
” الموت للحياة ” رواية الاحتفاء بالمكان.. الاحتفاء بـ «رأس الكور» كحي نابض بالحياة في ماضيه وراهنه.. الناس والمعالم والصنائع والعلاقات والمشاعر والطرقات والأزقة والمساجد والمقاهي والمقابر وبقايا قلاع الموصل «قليعات» و«باشطابيا» و «قره سراي» و «جامع النبي جرجيس» و «جامع شيخ الشط» و «مشهد سيدنا الخضر» فضاء مكاني رحب منفتح علي التاريخ وعابق بالتراث.. رواية عاشتها الساردة في حقبة من صباها وشبابها ظلت تحن اليها وتحلم !! حتي توهمت أن كل فصول السنة فصولها ، فصول «رأس الكور».
حقا لقد نجحت الكاتبة في تقديم نص سردي منسجم في عرضه لنمط الحياة في مدينة عراقية متوغلة الي دقائق مفردات حياة شاب عراقي مثل طقوس الفتي «شجاع» مع طيور الحمام في سطح الدار «آخر ما يحتاجه زوج من الطيور التي تمارس غرائزها بكل حرية» ص66 الأمر الذي يذكرني بقصة الروائية العراقية الكبيرة هدية حسين «ضوء أحمر» التي قرأتها منذ سنوات في جريدة أردنية.
أما «عش الكوكوختي» الذي شرحته الكاتبة في هامش الصفحة 68 علي أنه «اليمام المطوق» فأري أن التوصيف الأقرب للمتداول المحلي هو «الفاختة» وجمعها «فواخت» تلك الطيور الأنيسة التي تطربنا بغنائها الحزين الذي أوردته الكاتبة في ص81 «كوكوختي.. وين أختي ؟ بالحلة ، أشتاكل ؟ باجلة «باقلاء» وأشتشرب ماي الله..» الأمر الذي يذكرني أيضا برواية «يا كوكتي» للكاتب العراقي المغترب جنان جاسم حلاوي في تعبير عن نداء الفاختة «اليمامة» والتي تناولتها بمقال مطول في «الزمان» الغراء قبل سنوات.
توفرت رواية «الموت للحياة» علي جملة استعارات رمزية اضاءت النص وجاء السرد بلغة مفهومة ، لغة وسطي ، خالية من التزويق ، مطعما بعبارات وجمل محلية موصلية محببة أعطت السرد والحوار طرافة وبهجة.
بدت الكاتبة حذرة في مقاربة التابو «الايروسي» الي درجة أوحت للقارئ بأنها وضعته في خانة «المكبوت والمسكوت عنه» التي تمثل اشكالية في السرد النسوي علي رأي البعض ، ولكن غادة صديق رسول لم تعبأ بما لجأت اليه بعض كاتبات الرواية العربية مؤخرا ، اعني في السنوات الأخيرة ، من استفزاز شهوات القارئ ودغدغة مراهقته ، المبكرة والمتأخرة ، فالتزمت الحشمة السردية واحترمت فضيلة الكتابة الأنثوية ، واختارت أن يقوم تكنيكها السردي علي مقاربة الهموم المعيشية والعلاقات الانسانية ، وصورت الرهبة من مخاطر الاحتلال وعسكرة الحياة اليومية وما يبعثه ذلك من رعب وإحباط في نفوس الناس ، تجلي ذلك في الحوارات المتعددة التي تخللت الرواية ، كما اعتمد تكنيكها السردي علي تعدد الأزمنة : بؤس الراهن وذكريات الماضي الجميل.. حتي لنكاد نحس حضور «الزمن» بقوة في حياة شخوص الرواية. قامت هذه الرواية علي أربعة «توترات» شكلت فصولها واشتبكت مع بعضها وتداخلت كنسيج زماني مكاني ، وكبنية سيسيولوجية سايكولوجية ، وكمنجز معرفي لحقبة مريرة من الحقب الموجعة والملتبسة التي مرت علي الانسان العراقي. لقد شكلت الرواية «ذاكرة جمعية Collective Memory» للعراقيين بتوتراتها الأربعة : «في عز الصيف» «غضب الصيف» «حل الخريف» «انه الشتاء» وجاءت بقلم كاتبتها محصلة تفاعل المكان والزمان والانسان والاحداث وتداخل تلك العناصر ، بحيث جعلتنا الكاتبة نعجز عن فصل «القتيل» عن «الشهيد» في تلك المشهديات السردية التي حركتها احيانا مشاعر «اللاوعي» حتي أن الأحياء غالبا ما قصدوا مقابر الأموات يتحدثون اليهم وكأنهم أحياء.. ثمة تنفيس عن أوجاع مكبوتة يحقق للمرء الأتزان ، أعني هذا التنفيس.

الانضباط الدرامي
ولعل القارئ الجاد لرواية «الموت للحياة» يتساءل ، هل كانت الرواية تفتقر الي «الانضباط الدرامي» !!؟؟ وهل أن الضبط السردي الذي غلب علي الرواية يمكن ان يحول دون ظهور فجوات نصية ترخي من شد القارئ !؟ ويقينا «ان الانضباط الدرامي» في أي عمل حكائي لابد أن يحول دون تفكك النص وتراخيه ، ولابد أن يؤكد حضور الساردة وامساكها بمجريات الحدث الروائي لتقديم نسق متتابع ومزدحم بالرؤي والانتقالات
والتداعيات.. هذا اذا كانت الكاتبة امرأة.
لقد التزمت الروائية غادة صديق رسول كما اشرنا بتقنيات نصية وكتابية منها : الحرص علي سلامة اللغة ، والتأكيد علي ايضاح الغوامض ، والاهتمام بالتتابع الزمني والعناية القصوي بالمكان حتي ليكات المكان يأخذ بطولة العمل ، نفهم اذن ان الرواية تقوم علي «بنية المكان» كمحور درامي رغم أن السرد الوصفي قد طغي علي بعض مقاطع
النص ، سوي أن ذلك كان ضروريا لانجاز عمل روائي ناجح ، فالخطاب السردي في هذه الرواية ينفتح علي افكار وصور تتداخل وتتعاقب لتحقق مشهدية منسجمة حتي ليكاد القارئ يتحسس مواقع المكان وينفعل بوظائفه.. فهذا السرداب بمداخله الأربعة وتلك الأسطح المفتوحة للشمس وتلك الأزقة والطرقات الملتوية و «كلما غربت الشمس عن رأس الكور بامكانك أن تلمح قوافل من الرجال قادمين من اتجاهات مختلفة.. من سوق السراي وسوق السماكة والسرجخانة وسوق الصياغة.. باتجاه قلعة باشطابيا» ص29 حتي الأمومة كانت حاضرة في الرواية «علي عاتق الأمهات.. تقع مهمة العثور علي الأولاد المبعثرين في الأزقة ، فكل أم تعلم في أي خربة أو ساحة أو زقاق يفضل ابنها اللعب» ص278.
أما تراجيديا الذبح التي جاءت مع الاحتلال فلها حصة من صفحات الرواية «المظلوم يذهب الي الجنة من دون رأس» !! ص286 ، وكذلك ملاحم وبطولات شباب رأس الكور في التصدي للمحتل «تعاون عليك العدو البعيد والعدو القريب يا ولدي يا بطل» ص318 وغالبا ما ينطق الانسان البسيط بعبارات حكيمة «كم مرة نموت في هذه الدنيا» ص100 «وحتي حين لا نموت في هذا الوطن فنحن لا نفكر بغير الموت» ص94 «قلبي وربي سيغضبان عليك اذا كنت مشتركا بقتل المساكين الشرطة انهم يبحثون عن لقمة العيش» ص42.
ولم تغفل غادة صديق رسول الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة.. وببعض قصائد مظفر النواب.

/2/2012 Issue 4113 – Date 4- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4113 – التاريخ 4/2/2012

AZP09