بناء الديمقراطية بعد عام 2003 (1)
فرصة مثالية
أن التجربة الديمقراطية في العراق صناعة أمريكية بامتياز – جاءت بعد الاحتلال الأمريكي مباشرة؛ فهي ليس وليدة مخاض اجتماعي عسير ولا نتيجة صراع سياسي لأحزاب وطنية تنافست على السلطة عبر صناديق الاقتراع، لذلك ستبقى هشة وضعيفة، معرضة للزوال ورياح التغيير؛ نتيجة للتطاحن الطائفي والقومي وتناحر الأحزاب والكتل، وأطماع الدول الإقليمية ذات النظم الاستبدادية المتهرئة التي لا تريد لأحد الاستيقاظ على ديمقراطية تنمو وتنجح بجوارها.
ان نجــاح ديمقراطية العراق يتـوقف على ثلاثة عوامل أساسية:
1- أمريكا صانعة التجربة. ومدى مصداقيتها، والجهد الذي تبذله في إنجاحها ورعايتها واهتمامها. فإذا كانت جادة، حقاً، فتقع عليها مسؤولية حماية العراق كنظام سياسي شرعي (دستوري)، فدرالي ديمقراطي تعددي، وحماية الشعب من خــطر الإرهاب المتجسد في الداخــل والقــادم مـن الخارج، لأن جنين الديمقراطية ما زال غضاً ، ضعيف العود، بحاجة ماسة إلى رعاية تامة، استثنائية، حتى ينمو سليماً معافى؛ وبدون ذلك سوف يتعثر، وربما يهلك أو ينحرف عن المسار الصحيح وينتهي بمأساة.
2- الحكومات العراقية المتعاقبة على الحكم ، كذلك رجال السياسة: أحزاب وكتل وقوميات وأقاليم. عليهم أن يدركوا خطورة هذه المرحلة من تأريخ العراق، وأهمية التجربة الديمقراطية. فقد جاءت بعد نظام حكم شمولي استبدادي قاس وطويل؛ ولدت في أحضانه أجيال تعلمت لغة البندقية ورفع العصا وسوق الشعب والقتل الجماعي والاستهانة بحقوق الإنسان وسلب حرية الفرد. ومابرح بعضهم غير متفهم لمعنى الديمقراطية، ويعتقد إن هذه الفوضى بعينها فراح يحلم بعودة ذلك النظام. وما على السلطات الثلاث سوى التمسك بالدستور فهو الزورق الذي ينقلهم إلى الديمقراطية، وأن يعملوا تحت مظلته، ويبتعدوا عن التناحر الفئوي والطائفي والقومي، والتكالب على المناصب والمال العام.
3- الشعب العراقي نفسه. هل يعي الشعب أهمية هذه التجربة لمستقبله ومستقبل الأجيال القادمة؟ وهل يدرك ما قدمته الديمقراطية على المستوى العالمي للشعوب من حقوق للإنسان وحرية للفرد . كان ذلك على المستوى الفكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي، واستقرار أمني ورفاه واسع، وتطور حضاري وتكنولوجي؟
إذا أدرك الشعب إنه مَن يجب أن ينادي بالديمقراطية ومعني برفع لوائها، وإنه من يتحمل مسؤولية نجاحها، وليست مسؤولية جهة أخرى. عليه ألا ينتظر مواقف الآخرين، بل عليه مطالبة الحكومة بتبني الديمقراطية من خلال الدفع إلى الالتزام بالدستور الذي صوت عليه الشعب بنعم وجاء بهم إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع، بهذا يكون قد وضع قدمه في الطريق السليم.
ويبدو مما تقدم أن نجاح وترسيخ الديمقراطية يعتمد إلى حد كبير على ثقافة الشعوب ومدى وعيها .. أي ان ثقافة المجتمع ضرورة لابد منها لتحقيق النجاح.
و بغض النظر عن الأسباب التي وقفت وراء أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية، في العاصمة واشنطن ونييورك، فأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتردد في توجيه أصبع الاتهام إلى نظام صدام حسين. كذلك لوحّت بضرورة تطبيق المشروع الديمقراطي في المنطقة العربية ؛ وبدأت بشن الحرب على العراق لبدء تطبيق المخطط الذي وضعه المحافظون الجدد، بعد أن وجد الرئيس جورج بوش وأعضاء إدارته أن لا سبيل إلى التغيير والإصلاح إلا الدخول بالقوة وإقناع الشعوب العربية لإعادة النظر في أنظمة الحكم فيها والإسراع في تطبيق مسيرة الديمقراطية خدمة لمجتمعاتها والمجتمع الدولي ولمصلحة الإدارة الأمريكية أيضاً.”
لقد غيرت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر بعمق الرأي بأن الولايات المتحدة هي ذات مناعة ضد المشاكل التي تصيب بقية العالم..
وقد تم اختيار العراق ليصبح أول حقل للتجارب الأمريكية في المنطقة العربية بعد تعرضه للصدمة عندما شنت أمريكا وحلفاؤها الحرب عليه في مارس آذار من عام 2003 وأسقط النظام الدكتاتوري فيه، وفتحت الأبواب للعراقيين بإقامة الدولة التعددية وتطبيق الديمقراطية.
وقد ذكرت صحيفة هاآرتس(أن العراق هدف تكتيكي والسعودية هدف ستراتيجي، أما مصر فهي الجائزة الكبرى في المخطط الأمريكي)”3″ وأن صدى هذه الأحداث على الملايين من البشر في المنطقة أصبح دويه عالياً بفضل وسائل الإعلام الحديثة في الوقت الذي كانت فيه هذه الشعوب تعيش في سبات طويل ولا تحلم بالتطور والإصلاح منذ قرون. ( ومن هنا فاللقاء التاريخي بين الإسلام والديمقراطية كمنشأ غربي ونسق حضاري مغاير هو لقاء المُثل والمبادئ، وتقابلات المفاهيم التي ترسم إطار الديمقراطية للدولة المدنية الحديثة)”. ورغم التشبث بمظاهر الديمقراطية من قبل الأحزاب الإسلامية والشخصيات فقد ثبت، فشل قوى الإسلام الطائفي في إدارة الدولة، مما أدى إلى هجرة الكفاءات
العلمية بحثاً عن العمل والاستقرار ولأمن .( وتقدر عدد الكفاءات المهاجرة بأكثر من مئة ألف كفاءة، من علماء وأطباء وأساتذة جامعيين ومئات الألوف غيرهم)”
ربما تدرك الأحزاب الإسلامية أن الديمقراطية هي الفرصة المثالية لطرح الأفكار الأصيلة التي دعا إليها الإسلام مستغلة الحرية الفكرية وحرية الطباعة والنشر دون رقيب.(وأن الشخص الممتلئ بوعي الرسالة وبالتصميم المقدس مثلما كان النبي محمد(ص)لا بد أن يؤثر على محيطه تأثيراً فاتناً.”2″
ولا تختلف الأحزاب العلمانية عن غيرها في تحديد موقفها من الديمقراطية- مثل الحزب الشيوعي العراقي- فبعد الصراع الطويل مع أنظمة شمولية قاسية والتضحيات الجسام ، عليه أن يدعم هذه الديمقراطية الوليدة ويتمسك بها بقوة إلا إننا نراه يعمل بحذر وتردد ويسير بخطوات مترددة وخجولة، ليس بدور فاعل ، كمشارك في العملية السياسية والنظام السياسي الجديد. ولا أحد ينكر محاولاته الدائبة المشاركة في الانتخابات النيابية والرئاسية، (ولكن بحضور واضح الضعف).”
اليوم الناس في العراق وتحت غطاء الدستور الجديد، الذي أقر عام 2005، يستخدمون الكمبيوتر ويتراسلون ويتخاطبون على الانترنت في كل مكان، ويتحدثون عن حقوق الإنسان، وتعدد الأحزاب والفدرالية، وموقع الدين في المجتمع الجديد، ومسؤولية الحكومة، وعن البرلمان والانتخابات ضمن مفهوم الديمقراطية التي كفلها الدستور الجديد القادم إليهم عبر المشروع الأمريكي الجديد. دون خوف أو وجل من الرقيب الأمني. وحدث هذا بعد عقود أنقطع فيها عن العالم وعاش عزلة مقيتة ومدمرة.
موسى علي موسى- بغداد























