في صفوف الموتي

439

في صفوف الموتي

كم عمرك يابني؟
– لا أعلم يا عمو و لكني في الصف الاول الابتدائي. هل تعلم يا ولدي أني في صف الفرن و أخذ يضحك بسخرية، كانت الساعة السابعة صباحا في واحد من الصباحات الاكثر برودة في بغداد علي أثر موجة برد من الاقطار المجاورة كما أعلن في النشرة الخبرية للانواء الجوية بعد نشرة الاخبار التي أعتاد الحاج عبد الله أن يستمع لها في كل يوم و هو يردد دائما كل هذه الاخبار أكاذيب في أكاذيب ها هم يضحكون علي الشعب طوال هذه الفترة، و ذهب الطاغية كما يزعمون و ها هم الاف الطواغيت الذين يمصون دم الشعب.كعادة الشيخ الكبير عبد الله ذو الخمس و الستين سنة أن يستيقظ للصلاة كما يفعل كل كبار السن عند بلوغهم هذا السن و كأنهم أدركوا توا أن الله حق و أنهم ماضون لا محالة، بعدها يذهب الشيخ لجلب الخبز الحار أو الصمون من الأفران و الواقعة علي مقربة من بيته حيث إعتاد أن يمشي لتلك الافران بعد ان سمع نصيحة أحد أقربائه من الاطباء معتمدا علي عصاه الفضية الأنقية التي يحاول أن يغرسها بالارض بكل قوة كأنه يريد أن يكون له جذر جديد في هذه الدنيا التي لم يبق له فيها من باقية سوي أبنه و أبنته و الصحيفة اليومية التي يقرأها عند الظهيرة أي بعد أن يجلبها له أبنه عند العودة من الجامعة. كان الصف طويلا جدا علي أفران الصمون علي أثر أزمة النفط التي أثرت سلبا علي الكثير من ذوي المهن المعتمدين علي النفط و منهم أصحاب الافران، أكمل الشيخ عبد الله تساؤلاته للطفل و الذي وجد فيه نفسه عندما كان في هذا العمر كله نشاط رغم برودة الجو و حداثة السن …و لكن يا بني ألا يوجد من هو أكبر منك سناً؟ – كلا يا عمو أجاب الطفل أنا الاخ الاكبر و لدي أختان أصغر مني. قال الشيخ ماذا عن والدك؟ بدا القلق و الحزن علي وجه الولد فظن الشيخ أنه قد تجاوز الحد ولكن ما الذي يفعل؟ إن أبي قد خُطف و لا نعلم عنه شئ! شعر الشيخ بالاسي العميق و حاول أن يمسح علي رأس الطفل محاولا أن يزيل قناع الحزن الذي البسه إياه شعر بالاسف الكبير و لكنه وجد من يبادله الحديث في هذه السن التي لم يعد أحد يجيبه علي أبسط الاسئلة فلم يكن سوي المذياع الصغير أو التلفاز رفيقه الدائم. أخذ الشيخ بمواصلة الكلام مع الولد الصغير و كأنه يريد أن يستقرأ أو يعيد قراءة أحداث التأريخ الذي مر به ..أكمل الشيخ كنت في عمرك يا ولدي الحبيب و لكن لم تكن هكذا أزمات مثل النفط أو الغاز و لكنا كنا نشكو قلة المال لذلك كنا نقف في نفس الصفوف و لنحصل علي القليل من الصمون الفرنسي الحار، و كذلك كنا في صفوف عندما دخلت المدرسة الابتدائية عندما كان يجودون علينا بالقليل من الحليب و تفاحة لكل طالب و بعد المتوسطة كنا نريد أن نواصل الدراسة و لكنا فوجئنا بصفوف للتسجيل في صفوف الخدمة العكسرية و لكن العجب كل العجب أن صف الخدمة العسكرية هو الصف الوحيد الذي لم أر فيه أي تجاوز أو من يريد أن يسبق غيره علي دوره! و بعد إنتهاء سلسلة الحروب المشؤومة كنا قد دخلنا سلسلة من الصفوف و الطوابير إبتداءًا من طوابير الاسواق المركزية أو صفوف الجمعيات الاستهلاكية للحصول علي بعض البيض بعد أن يفرضوا معه الصابون أو الزيت الرديء و من أسوء النوعيات التي عرفها التأريخ و التي لا تصلح للاستهلاك البشري و من ثم طوابير النفط و الغاز و البنزين، و بل و حتي صفوف دورة المياه الصحية و كأنا نعاني أزمة في الحياة و ليس الا موتي في صفوف الحياة. بدا الشحوب علي وجه الشيخ عبد الله فقد مضي نصف ساعة علي وقوفهم في هذه الصف القاتلة و سيما أن الكثير من معارف صاحب الفرن قد تجاوزوا و حصلوا علي حصتهم و الكثير غيرهم و لكن ما يمكن لرجل في عمر ذلك الشيخ أن يفعل حاول الجلوس علي الرصيف أمام الواجهة الكبيرة للفرن و قد أتكأ علي حائط الفرن و أوصي الولد الصغير بأن يشتري له عندما يصل دوره بدأ يفكر بتفسير ذلك الحلم الذي رأه قبل الاستيقاظ للصلاة فلم يعد يميز بين الحلم و الرؤيا و الكابوس كانت هناك شعره سوداء واحدة وسط غيوم شعره الابيض و كأنها قطرة الامل الوحيدة لذلك الشيخ لكنها سقطت فلم يعد هناك قطرة أمل ولا رعد ثورة ولا برق ليكمل الطريق التي أبتدأها في هذه الحياة. بدأت أعراض الضغط العالي للدم تبدو علي الشيخ و هو يفكر ما الذي سيذكره أولادي بعد مماتي ما الذي حققته في حياتي فأنا لم أستطع حتي الان أن أوفر الحياة المثالية لعائلتي فأنا ما زلت في صف الحياة لكني ميت ميت… بعد قليل ناداه الطفل الصغير يا عمو… يا شيخ الصمون الصمون.. لم يرد الشيخ عليه لانه الان يقف في صف أو طابور في مغتسل الموتي فما زال أمامه ثلاثة أموات…
محمد شلال -بغداد

/2/2012 Issue 4113 – Date 4- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4113 – التاريخ 4/2/2012

AZPPPL























مشاركة