زمان جديد الجسر العتيق

230

زمان جديد الجسر العتيق
حسين سرمك حسن
قبل ان يصل الموصلي من الجانب الأيسر للمدينة متوجها الى بدايات الجسر العتيق ينصت لهمس خفي من الجسر يدعوه للترجل واكمال مسيرته سيرا على الأقدام نحو مركز المدينة بين جنبات الجسر الحديدي أو الجسر العتيق كما يحلو للموصلي ان يطلق على أقدم جسور المدينة.
الجسر الذي يستعد لارتداء لون جديد يكون الثالث في سيرته الشخصية بعد ان كان الرمادي اللون الأول الذي أضاء جنباته ليكمل بعد حقبة ثانية والية مشواره الحياتي مع اللون الأخضر ليكون لونا معاكسا لأحوال المدينة فبدا عليها الذبول وجفت عروقها فلم يكن الأخضر لونا مناسبا لأحد شواخصها الماثلة منذ أزمنة غابرة..أما لونه الأخير فهو الرصاصي وكأن به يقول هذه حال المدينة، فبين الأبيض الذي ترنو للحلول به وبين الداكن والخافت الذي مازال يبصم تاريخ المدينة ببصمته لايفارقها وهكذا تبدو الألوان تحكي ما يجول في ذاكرة المدينة وتتحدث بإسهاب عما جرى لها..الجسر العتيق الذي بدا كأنه شيخ جسور المدينة يتحدث عنه المؤرخ الموصلي عبدالجبار محمد جرجيس فيقول ان العمل بوشر فيه في اول شهر حزيران عام 1933 ليكمل في نيسان من العام التالي. ويستند الجسر على سبع دعائم فولاذية غائرة الى باطن ارض النهر عدة أمتار وقد بلغت كلفة انشائه في حينه60 ألف دينار عراقي.. الجسر العتيق غالبا ما حمل في ذاكرته كل ما دار في المدينة من أحداث وبدا نقطة دلالة يستعين بها الموصلي للحديث عن مكان أو حدث معين لذلك لا يغيب الجسر من أحاديث الموصليين حتى ان بعضهم طالما اختاروه ليكون منطلقا لنهايته كما حدث مع شاب أراد ان ينهي حياته من خلال القفز عبره الى النهر وهذه واقعة شخصية واجهتها وربما أجد في بطون أحداث الجسر العشرات من نظائر هذا الشاب ممن فقدوا أملهم في الحياة وانطفأت جذوتهم ليجدوا ان القفز من على الجسر العتيق خيار مر ينهوا به حياتهم دون ارادة الخالق.. يتذكر الجسر أيضا قفزات آخرى لتدريبات نخب جيش العراق وتمريناتهم والتي كان يراقبها العشرات في ثمانينات القرن المنصرم وما زال الجسر العتيق بالرغم من صمته يتكلم ويهمس بأذني المدينة التي تقع احدها في الجانب الأيمن حيث الموصل القديمة تبسط بيوتاتها العريقة على ضفة دجلة ومن جهة أخرى تجثم على ضفته عبارة حمراء بقيت ساكنة دون ان أراها تتحرك باستثناء آليات الشرطة النهرية التي تمخر عباب دجلة وتترك غبارها المائي على صفحته وأتذكر الكثير عن الجسر خصوصا وإنني طالما اشعر بعبق مغاير لعبق الموصل ينتشر على أروقة هذا الشاخص المهم والمميز رغم ان تلك المشاعر تبددها أوضاع مجدين يستثمرون جنبات الجسر لممارسة الاستعطاء من اجل ورقة مالية يضعها المارة أمام امرأة وطفل رضيع أو عجوز عاجز أو رجل يكتفي ببضعة حلوى يضعها أمامه ليجد من بين العشرات من يشتري منه..جسر قديم بحلة جديدة هو الجسر العتيق الذي مازال شابا يتنسم عبق الشباب ويتذكر الموصل بين حقبة التاريخ وموصل الحاضر التي ترنو لمستقبلها.
/8/2012 Issue 4268 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4268 التاريخ 4»8»2012
AZP20

مشاركة