محمد باقر الصدر مفكراً‮ ‬وفيلسوفاً – نصوص – عبدالزهرة الطالقاني

495

محمد باقر الصدر مفكراً وفيلسوفاً – نصوص – عبدالزهرة الطالقاني

مرت قبل أيام ذكرى استشهاد اية الله السيد محمد باقر الصدر على أيدي جلاوزة نظام البعث البائد والذي ملأ العراق جورا وظلما .. حيث أعتقل الشهيد رغم هيبته ومنزلته الدينية ، ليس في العراق وحسب وانما في العالمين العربي والإسلامي ، ومن ثم تمت تصفيته بأمر من رئيس النظام المجرم هدام .. القضية لم تستغرق سوى خمسة أيام ، فقد أُعتـــــــــــــــقل الشهيد في 5/4/1980  وأُستشــــــــــــــهد يوم 9/4/1980  ما يعني انه لم يعرض على محكمة وقضاء .. وهذا التاريخ أصبح فيما بعد لعنة ووبالا على النظام البعثي وجلاوزته ، حيث انهار تماما في 9/4/2003م وأقتيد قائده وثلة من المجرمين الى أعواد المشانق ، ليلاقوا جزاءهم العادل بما اقترفت أيديهم..

عاش السيد محمد باقر الصدر فترة صعبة وحرجة من تاريخ العراق الحديث ،  حيث شهدت مجموعة من الاحداث السياسية ، منها انقلاب عام 1968م الغاشم ، وتولي هدام لرئاسة السلطة القمعية ، والحرب العراقية الايرانية ، واحداث آنية اخرى ، أثرت فيما بعد على توجهاته ونضاله من أجل خلق مجتمع إسلامي متطور ، يسود فيه العدل والمساواة ، ويزدهر الاقتصاد ، على وفق ماجاء في تنظيراته التي ضمنها كتابيه فلسفتنا واقتصادنا.

السيد الشهيد لم يكن رجل دين  وحوزة فحسب بل انه صاحب قضية وهدف سعى من اجلهما وبذل حياته الشريفة دونهما .. ومع ان ذكرى استشهاده تمثل مأساة وصفحة سوداء في تاريخ العراق ، حيث استشهد بعد ذلك ثلة من العلماء الاجلاء ، الا اننا واكراما للشهيد السعيد سنأتي على بعض شذرات حياته الشريفة المليئة بالمنجزات الفكرية ، أي اننا سنركز في هذا  المقال على الحياة الفكرية للشهيد الصدر ، يقول غالب حسن في كتابه “الشهيد الصدر رائد الثورة الإسلامية في العراق” ان الشهيد بالرغم من كونه منكبا على التعمق في أمهات الاحكام الإسلامية الشائكة ، ومتوغلا الى حد بعيد في معضلات المسائل العلمية ، نراه لم يكن بعيدا عن هموم وأجواء عصره ، فهو ليس اسير الماضي بل كان من طراز أولئك الذين استوعبوا حقائق التاريخ ، فهو أي الشهيد الصدر حسب الباحث حسن السعيد ، صاحب مشروع حضاري فذ ، واي حديث عنه يجبرنا بالضرورة على التوقف قليلا امام دوره الحضاري الذي قام به خير قيام . لذلك تنبه الى خطورة قضية المنهج في عصرنا الحديث ، وأشار اليها في مقدمته للطبعة الثانية من كتاب “اقتصادنا” ، حينما تطرق الى التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الانسان الأوربي ، والتي عبرت عن نفسها حسب رأي السيد الشهيد باشكال ثلاثة مرتبة زمنيا هي :  التبعية السياسية ، والتبعية الاقتصادية ، والتبعية في المنهج ، لقد كانت أولى نتاجاته الفكرية عام 1374هـ كتابه “فدك في التاريخ” ألفه وعمره 16 عاما ، وعرض فيه مسألة تاريخية خلافية في الإسلام ، وفق منهج علمي جديد ، ثم انكب على تأليف كتابه الكبير “غاية الفكر في علم الأصول” وذلك في عام 1374هـ أيضا وهو سلسلة في 10  أجزاء ، طبع منها خمسة أجزاء ، وفقدت الأجزاء الأخرى ، ثم ألف كتابه “فـلسفـتـنـا” عام 1379 هـ ، وهو دراسة موضوعية لأهم الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الفلسفة الماركسية الوضعية المنطقية ، مع دحضها وإبراز قوة الحجة في المدرسة الإسلامية بتفسير الكون والحياة ، وبعد سنتين ألف كتابه الشهير “اقتصادنا” ، ويشتمل على جزءين يتحدث فيهما عن المادية التاريخية ، وقوانين الديالكتك ، والمراحل الخمس للمجتمع حسب الفكر الماركسي ، لكنه في النهاية وضع الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي ، وختم الشهيد الصدر ثلاثيته بكتابه “رسالتنا”  حيث ألفه في الفتره نفسها التي ألف فيها كتابه “اقتصادنا” ويضم الكتاب المقالات الافتتاحية التي كان يكتبها السيد الشهيد في مجلة الأضواء ، وفي عام 1391هـ ألف كتابه “الأسس المنطقية للاستقراء” ، وهو كتاب فلسفي منطقي رياضي شاهد على عبقرية الرجل ، ونبوغه ، ودرايته ، في العلوم الطبيعية والاستدلال على وجود الله سبحانه ، واستمر في تعزيز فكره الاقتصادي باصداره كتابه “البنك اللاربوي في الإسلام” عام 1389هـ  ، وفي نفس العام ألف كتابه الموسوم “بحوث في شرح العروة الوثقى” وهو عبارة عن موسوعة في مجال الفقه الاستدلالي ، وكتب كتابه الذي تضمن تعليقات على الرسالة العلمية لاستاذه آية الله العظمى السيد محسن الحكيم رضوان الله عليه ، المسمى “بمنهاج الصالحين” ثم أصدر رسالته العلمية بعنوان “الفتوى الواضحة” عام 1396هـ وهي بأربعة أجزاء ، حيث صدر من الرسالة المجلد الأول فقط ، بسبب استشهاده ، وصُودرت بقية الأجزاء من قبل السلطة الغاشمة ، وهكذا توالت مؤلفات الشهيد الصدر فنرى انه ألف كتابه “المدرسة الإسلامية” و”دروسا في علم الأصول”  و”الإسلام يقود الحياة” و “المدرسة القرآنية” ، وبحث حول الامام المهدي (ع) ، وبحث اخر حول الولاية ، وكتابه “اهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف” حاول الشهيد في هذا الكتاب ان يوجه أنظار الباحثين لاتجاه جديد في دراسة حياة الائمة عليهم السلام ، وإعادة قراءة لسيرتهم وتاريخهم ، وللشهيد مؤلفات أخرى ، وعشرات المقالات في المجالات الفقهية والاصولية والتربوية والتاريخية والاقتصادية ،حيث قامت السلطات البعثية بمصادرة اغلب تراثه الفكري ، لعل أهمه كتابه الذي كان يسعى لتأليفه ووضع أفكاره وهيكليته العامة ، وقد سجلت كرؤوس  نقاط ، ولم تتهيأ الظروف لاصداره ، وهو كتاب “مجتمعنا” ولم يتسن لهذا الفكر الثر أن يستمر في العطاء ، فقد اغتالته يد الغدر والتخلف والتعصب ، ليكون مع الشهداء والصديقين ، وحسن اولئك رفيقا.

ولابد لنا ونحن نستذكر الشهيد الصدر ، ان نأتي على صدى فكره وتوجهه ومنهجه في المؤلفات التي صدرت بعد استشهاده ، وتناولت حياته العلمية ، ولعل أولها صدر في بيروت بعد استشهاده بهنيئة في عام 1981م بالضبط ، تحت عنوان “استشهاد الامام الصدر من منظور حضاري” ، وهو دراسة تحليلية للحياة الفكرية للشهيد الصدر ، وكتب كل من يوسف كمال وعبدالمجيد حراك كتاب “الاقتصاد الإسلامي بين فقه الشيعة وفقه السنة” ، و “قراءة نقدية في كتاب اقتصادنا ، وصدرا عن دار الصحوة في القاهرة عام 1987م  ، كما ألف السيد محمد الحسيني كتابه “الامام الشهيد الصدر دراسة في سيرته ومنهجه” ، حيث صدر عن دار الفرات ببيروت عام 1989م ، وألف الشهيد عزالدين سليم رئيس مجلس الحكم السابق كتابه “الامام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغيير في العراق” ،  كما صدر عن دار النهار للنشر في بيروت عام 1998م كتاب “تجديد الفقه الإسلامي .. محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم” ، ألفه الدكتور سبلي الملاط وترجمه غسان غصن ، وفي عام 2003م صدر عن مركز رعاية الدراسات الجادة كتاب “شبهات عقائدية حول المرجع الشهيد محمد باقر الصدر” ألفه السيد عمار أبو رغيف ، وصدر كتاب “الشهيد الصدر رائد الثورة الإسلامية في العراق” للباحث غالب حسن ، وكذلك صدر عام 1984م كتاب “الشهيد الصدر فضائله وشمائله”  للباحث فاضل النوري .

وكتب الباحث عبد الحسين البقال كتابه “الشهيد الصدر الفيلسوف الفقيه”  ، فضلا عن ماكتبه الشيخ محمد رضا النعماني عام 1996م تحت عنوان “سنوات المحنة وايام الحصار” وهكذا تستمر البحوث والدراسات عن الشهيد الصدر ، حيث كتب الدكتور محمد عبد اللاوي كتابه حول فلسفة الصدر “دراسات في المدرسة الفكرية للامام الشهيد محمد باقر الصدر” ، وصدر عن مؤسسة دار الإسلام في لندن عام 1999م ، وكانت الدار قد أصدرت في فرعها ببيروت مؤلفا اخر لمجموعة من الباحثين تحت عنوان “محمد باقر الصدر دراسات في حياته وفكره” ، وأصدر الباحث احمد عبد الله أبو زيد العاملي خمسة أجزاء من كتاب “محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة .. في حقائق ووثائق” وذلك عام 2007م عن دار العارف للمطبوعات ببيروت ، كما تناولت المجلات الدوريات  سيرة الشهيد الصدر ، نذكر منها مجلة الأضواء ، ومجلة التوحيد ، ومجلة الجهاد ، ومجلة الحوار السياسي ، ومجلة طريق الحق ، ومجلة الفكر الجديد ، ومجلة قضايا إسلامية ، ومجلة المنطق ، ومجلة المنهاج .. وهكذا نجد ان الشهيد الصدر كان عالما وعلما من أعلام العصر ، سوى فكره الديني والفقهي وقد أثر أيما تأثير في الحياة الفكرية العراقية ، وسيستمر تأثيره الى أجيال أخرى ، كونه ذا منطلقات أساسية وعلمية ، اعتمدت المنهجية الصحيحة في البحث العلمي ، وافضت الى نتائج ونظريات مازلنا بحاجة الى دراستها ، والتعمق في تحليلها ، والإفادة من معطياتها وتوجهاتها .

رحم الله الشهيد الصدر .. وأحسن مثواه .. ورحم الله علماء الأمة.

مشاركة