الانعزال والاستبطان الاغتراب الفلسفي والديني في الصوفية**

الانعزال والاستبطان الاغتراب الفلسفي والديني في الصوفية**
هيغل نبذ الدين والفن بعد نضوجه الفلسفي**
علي محمد اليوسف- الموصل
يختلف اغتراب Alienation المبدع منتج عملية الخلق الابداعي كثيرا ما عدا استثناءات قليلة عن انواع تجارب الاغتراب التصوفي اللاديني والديني السلبي المتصف بالجوانية والانغلاق والاستغراق في الذاتية والامعان في تدمير الذات بغية الوصول الى حالة خاصة من التسامي الميتافيزيقي والاغتراب في مثل حالة المتصوف تستخدم لإيضاح الطابع الذاتي لتجربة مدمرة للذات كما يشير لويس فيوير ويقرر ان اصطلاح الاغتراب يستخدم لايضاح السمة الانفعالية التي تصاحب أي سلوك يجبر الشخص على التصرف على نحو مدمر لذاته… 1
بذلك تنعزل التجربة التصوفية رغم ما تتضمنه من جوانب في الاستبطان والكشف ونفاذ الرؤيا واعمال ملكة الحدس وتنشيطها وهذه الصفات بمجملها عوامل تخصيب رؤيوية لتجربة الابداع الادبي والفني بشكله غير الاعتيادي يخرج عن المألوف اذا ما تمكن المبدع من السيطرة عليها اراديا ولن تاخذه الى مهاوي تدمير الذات كما لدى المتصوف الديني… والاغترابية التصوفية السلبية غير المنتجة تعتبر من الناحية الاجتماعية السيسيولوجية معزولة منقطعة الصلة عن التأثير في الحياة العملية الواقعية للفرد والمجتمع بشكل ايجابي، في دفق الحياة وحيويتها وجدلها باتصافها لا تترك أثرا ايجابيا لدى المتلقي او المستقبل بما يغني تجربته ويثريها ويوسع دائرة الرؤية السليمة العلمية والاجتماعية لديه وفي تعميق نظرته العلمية التفاؤلية في قضايا وظواهر تخص المحيط والمجتمع الذي يعايشه بما تتطلبه مقتضيات العصر وتطلع الإنسان الى مستقبله باطمئنان حقيقي غير زائف ولا مشوه.
والاغترابية التصوفية تتسم بالسلبية الاغترابية في الصميم لانها تجربة ذاتية غير خالصة الا في السعي لتحقيق نوع من علاقة حقيقية بالميتافيزيقية او المطلق وبـ الله لدى الاغترابي التصوفي الديني لا تؤمن بقيمة العمل الانساني وجدواه 2 ، وانما تؤمن بالقدرة الالهية المطلقة التي تتجلى في الانسان وخاصة في اعمال المتصوف وافعاله 3 .
واذا كانت بعض التجارب الادبية الفنية والجمالية في مجال الشعر خاصة والرواية والفنون التشكيلية، والغالب في الشعر والفنون التشكيلية، كانت مع انبثاق حركة التجديد والحداثة تستلهم التجربة التصوفية الذاتية وتستفيد من ابعادها ومعطياتها الرؤيوية الاستبطانية الكشفية وتوظيفها في تجاربها الابداعية…فالغالب على تلك التجارب انها خرجت على الناس وحتى بعض المتخصصين في مجال الابداع مغرقة في الذاتية والانغلاق والغموض المستعصي الذي لا يضيف جديدا يمكن الاعتداد به من ناحية سيسيولوجية في التجربة والتواصل مع الآخر ولم ينج من هذا المطب سوى بعض التجارب التي استلهمت التجربة الصوفية بذكاء ونجاح في اسقاط بعض تجارب رموزها واحداثها التراثية على حراك الحاضر واضفت عليه بالاضافة للشكل الفني التعبيري الخاص رمزا مقنعا و اسطورة مستترة خلف نزوع متمرد رافض للظلم الاجتماعي والاستبداد وامتهان كرامة الانسان وحقه في التعبير المتحرر عن فرديته وشخصيته الاجتماعية وتنميتها بما يليق وقيم العصر ورفض الوصاية والنفاق والازدواجية في الموقف والسلوك المسخر من قبل انظمة الحكم لتشويه معاني الحق والوقوف بوجه الطغيان…. الا اننا يمكننا الجزم الا في النادر العثور على استلهامات تصوفية افادت في مجال توظيفها ابداعيا بما يمكن الاعتداد به… وليس هذا مجال الافاضة في هذه العلاقة.
الدين والفن
نبذ هيغل بعد نضوجه الفلسفي الدين والفن واعتبرهما عاجزين عن التغلب على التشعب الاغتراب بين الانسان والعالم فالدين حالة تراجع الى الايمان بالعالم الاخر برأيه، والفن حالة نكوص الى التجربة الخاصة للفنان ويذهب الى ان الحل في الفلسفة من خلال شرطين مسبقين اولهما كلية الاشياء أي العالم والاخر هو وجود الوعي المنفصل عنه.
ومهمة الفلسفة توحيد هذين الشرطين المسبقين أي في ارشاد الوعي الى وحدة جديدة واكثر سموا من هذه الكلية والحل في الفلسفة لدى هيجل ليس صورة الافكار المجردة والتحليل والفهم بل يقصد العقل الذي هو ليس ملكة ايضا وانما هو عملية تطور، تجاوز، ارتحال شرس. 4 فالتجربة الصوفية لا يمكن بطبيعتها ان تبرهن على شيء لانها تعميق ذاتي وروحي للدين وتحويله من عقائد جامدة الى احساسات ذاتية، انها شحن لاشكاله الفارغة بعاطفة حارة متدفقة تتجاوز بواسطتها المتصوف الطقوس والرسميات والشعائر والمظاهر الخارجية التي يشترك فيها الجميع ليحول الدين الى تجربة ذاتية خاصة لا يشاركها فيها احد يعيشها بلحمه ودمه وكيانه 5 . والتواضع الاغترابي للمتصوف كما تذهب له الفلسفة الميتافيزيقية الالمانية هيجل و سبينوزا و شلنغ غرور مقلوب وايمان اناني ذاتي فرداني لا يبحث الا عن خلاص صاحبه ولو غرق الاخرون 6 . ويصف هيجل التصوف الديني قائلا يتسامي الانسان لذاته من الحياة المحدودة الى الحياة المطلقة ومن يحقق هذا التسامي بالذات يضع نفسه خارج ذاته المقيدة ويوجد ذاته بصورة وثيقة مع الحياة المطلقة التي تتخلل العالم وفي هذا التوحد الصوفي المادي يبقى الانسان اقل ما يمكن مما هو محدود ومفيد 7 .
والصوفية لدى جاكوب بوهمه تهتم بمعالجة احادية للوجود مخلفة ورائها علاقة الانسان بالوجود الانساني الاخر… ويذهب سورين كيركارد 1813 1855 في معنى التصوف ان لايكون اغترابا خلاقا نظرا لما يستشعره المتصوف من الكبرياء انه يتوهم ان الله قد آثره على الاخرين فخصه بمحبته من دونهم ونعى كيركارد على المتصوف انهزامه في معركة الحياة وتنكره لاقرب الناس اليه حتى يخالهم غرباء يضاف الى ذلك اغراق المتصوف في الميتافيزيقيا والتجريد. 8
وقد المحنا ربما كان الاغتراب التصوفي الديني. الوجه العصري للاغتراب في مراحله البعيدة من الوجود الانساني كما تذهب له الانثربولوجيا اذ يعتبر فويرباخ الاغتراب الديني كما مر بنا اصل ومنشأ كل اغتراب فلسفي او اجتماعي، نفسي او بدني على اعتبار حسب رأيه ان الفلسفة و الدين هما شئ واحد يتمايزان بالصورة فقط يقصد صور التعبير ولانه هناك وجودا مفكرا واحدا 9 .
وبذلك اصبح اغتراب الانسان جدلا وجوديا في علاقة الانسان بالطبيعة. كما لا يعتبر فويرباخ اللاهوت علم عمل تصوفي كما هو الحال في الاساطير الدينية بل باعتباره مرضا نفسيا يعبر عن اهتزاز شعوري وارتجاج في المخ وهلوسة واضطراب، كما ان فناء الصوفي في الله في اغترابه ينتهي الى افناء الوعي الانساني 10 ، ويذهب جون هرمان راندال الى ان التصوف 11 ، يمتلك حقيقة خافية عن مسالك المعرفة الاعتيادية لا يمكن ان تنكشف الا لعقل فردي في هيئات معينة من الكشف والتجربة الصوفية الكشفية مما لا يمكن وصفه اطلاقا حتى لتبدوا على عداء مع جميع محاولات التعبير الاعتيادي وقد حاول الصوفيون الدينيون ان يحلوا تجاربهم في صورة صلوات او غزليات. والتصوف ليس حدساً وان كان مشابها في بعض تجلياته وتعبيراته للحدس البرجسوني ويشتركان التصوف والحدس انهما لارمزيان ايضاً أي لايمكن التعبير عنهما باللغة لصعوبة توصيل تجربتهما للاخرين.
يتحدث اريك فروم عن اغتراب اللغة وذلك في اثناء مناقشته للموقف الذي يصبح المرء فيه واقعا تحت وهم ان نطق الكلمة يعادل التجربة. وفي هذا الموقف فان اللغة تجعل من نفسها بديلا عن التجربة المعاشة وبالتالي تكف عن ان تكون ما ينبغي ان تكون عليه أي رمز للحقيقة ولهذا يصف اريك فروم بان اللغة مغتربة 12 .
ان اغتراب التصوفي في علاقته الاغترابية مع الميتافيزيقي او المطلق من جهة، وعلاقة اضطرابية
اللغة في عجزها من نقل تجربته من جهة اخرى عندها
يكون اغترابه مركبا وهو مشابه تماماً للاغترابية المسرحية التي يطلق عليها برتولد بريخت في مسرحه الملحمي
تكنيك الاغتراب Alienation-Technique ، الذي يشتمل
اغتراب لغة التجربة عن التجربة الاغترابية المعاشة ذاتها واستحالة وجود حالة تطابق في نقل الحقيقة.
اغتراب التجربة اللغة في عدم القدرة في التواصل والتوصيل مع الاخر.
اغتراب ذات التصوفي عن ذاتها الحقيقية المثلى بشكل غير سوي انفصام مرضي، عندما يتوهم التصوفي ان تجربته ليست اصيلة غير زائفة وحسب وانما هي جوهر الحقيقة الاغترابية لمقدار ما يتصوره من وجوب ان تكون علاقة الاشياء والظواهر في الحقيقة تمر او ضرورة ان تمر من خلال تجربته… ولا يدرك انها وهما اغترابيا بعينه ليست صحيحة اطلاقا بالقياس للعلاقات السليمة السوية التي ترتبط بحقائق الاشياء كموضوع او مواضيع قائمة بذاتها. ومعضلة اغتراب اللغة تقود لما يطلق عليه اريك فروم اغتراب الفكر 13 ، فهو يستخدم هذا التعبير ليميز الموقف الذي يعتقد فيه المرء انه يتأمل مليا شيئا ما وان فكرته هي نتاج نشاطه الفكري ذلك بينما الحقيقة انه قد احال عقله الى اوهام الرأي العام والصحف .
مرحلة الوجد والتأمل و النشوة
الصوفية تجربة ذاتية سلبية منقطعة فردية عن قدرة إفادة الاخرين في تجاربهم المغايرة وحياتهم الواقعية الاجتماعية الانسانية والثقافية، كما ان التصوف بمعنى مناهض للنزعة الفكرية يتطلب التخلي من قريب او بعيد عن الاستقصاء. والتصوف البرجسوني كما يفهمه برجسون ويدحضه المفكر د.صادق جلال العظم يتحدد بالمظاهر التالية
ان التصوف الكامل بزعم برجسون يتمثل في التصوف المسيحي وماعداه في مثل الاسلام واليهودية والاديان الاخرى غير السماوية كما في البوذية والهندوكية والزرادشتية فان التصوف فيها ناقصا لانه لا يتخطى حدود مرحلة الوجد والتامل و النشوة ولا يتتوج بالعمل والفعل بل يكتفي بالتأمل 14 .
ان الحدس الصوفي يكشف لصاحبه ماهية الحقيقة الميتافيزقية المطلقة الله بصورة مباشرة لا تعتمد على التصورات ولا على العقل ولا على الافكار مطلقا انه نوع من المعرفة الفائقة للعقل وتعطيل لوظائف العقل النقدية كشرط لتحقيق التجربة الصوفية الكاملة 15 .
ينفرد التصوف المسيحي، التصوف الكامل الحقيقي بنظر برجسون بثلاث خصائص هي العمل والخلق والمحبة 16 .
يعتبر برجسون تصوف الفيلسوف اليوناني افلوطين تصوفا ناقصا لانه لم ينته بالعمل بل توقف عند حد التامل والنشوة وان افلوطين يتنكر للعمل عندما قال ان العمل يضعف التامل وظل امينا على النزعة العقلية اليونانية.
وبعد ان يدحض المفكر د.صادق جلال العظم الفقرات الواردة اعلاه ويبطلها يعقب على فهم برجسون للعمل الذي قصده افلوطين بقوله ان فهم برجسون للعمل هو غير فهم افلوطين له فالعمل الذي يضعف التامل لدى افلوطين هو العمل الذي يغرقنا في توافه الحياة وتفاصيلها المتكررة الرتيبة وليس العمل الخلاق المنتج 17 .
5 ان تصوف البوذية تعلم الانسان اطفاء ارادة الحياة على حد تعبير برجسون.
ويصف كولن ولسون بان التصوفية البوذية تصوف تدمير للذات و الجسد، فهي تضطهد الجسد وتشهر عليه حربا فتبغي الوجود خارج الوجود الانساني الاصيل متحققا في الارادة و الحرية فهما اختياران فاعلان وليسا ساكنيين سلبيين وان البوذية والكلام لولسون تقود للشقاء والحمق والجبن، وتعتبرهما الحقائق الاساسية الثلاثة لوجود الانسان.
ومع ان بوذا يعترف بانه لا يؤمن بإله او شيطان فان نظرته في الواقع تفترض سلفا وجود ضرب من قوة شريرة عظيمة انشات الحياة كنكتة سادية بائسة وعليك ايها الانسان ان لا تبذل جهدا ولا تهتم حتى بان تشتهي تلك
الفتاة… لان ذلك يهدر طاقتك الحيوية فقط 18 .
ولقد سعى بوذا كذلك الى عزل البشر عن المجتمع وعن كل رغبة و ارتباط واسس نظاما للرهبنة دون ان يلقن أي احساس بالمجتمع وقيل ان اخر الكلمات التي تفوه بها كانت اصنع خلاصك باجتهادك .
وغير خاف مدى تاثير مثل هذه التعاليم عند توظيفها في قوالب فلسفية مادية روحية في انبثاق تعاليم ومفاهيم وجودية كما هو واضح في اعتماد فلسفة سارتر على امثال المقولة المذكورة. كما ان والتركوفمان يشير الى الهندوكية قائلا سعى الاوبانيشا الى تغريب اتباعهم عن الطبيعة و المجتمع بل وعن اجسادهم وعن أي شئ اخر يعتبرونه ذاوتهم، فكل ذلك ابعد مايكون عن الحقيقة للوجود الذي يتجاوز الجمع والذي يتطابق مع براهما اذ ان الخلاص يمكن ان نجده بعيدا تماما عن المجتمع في الانسحاب الكامل.
الجنة
وتذهب الصوفية في الاسلام بتميزها لنوعين من الادراك، ادراك عقلي وهو العلم الذي لا تاخذ به، وادراك قلبي وهو المعرفة وتعمل به لانه ادراك ذوقي لماهية المحبوب والاقبال الكلي عليه هو النزوع 19 . وتجمع الصوفية في الاسلام على ان المعرفة والحب الالهي شئ واحد وحقيقة واحدة يدل ذلك اطلاقهم اسم العارف على الصوفي الفاني في محبة الله وهو في حال استغراقه في حب الله يدرك نوعا من المعرفة واللذة لا عهد لغيره بها. 20
تقول رابعة العدوية في دعائها مؤكدة اغترابيتها السلبية الهي ان كنت اعبدك مخافة النار فاحرقني بها، وان كنت اعبدك رغبة في الجنة فابعدني عنها وان كنت اعبدك لذاتك فلا تصرف عني جمالك السرمدي 21 .
ويقول محي الدين بن عربي ان اول غربة اغتربناها وجودا حسيا عن وطننا، غربتنا عن وطن القبضة عند الاشهار بالربوبية لله علينا.ثم عمرنا بطون الامهات فكانت الارحام وطننا، فاغتربنا عنها بالولادة 22 .
فالعارف أي الصوفي في التسمية الاسلامية اذا نطق لن يكون كلامه الا شطحا ففضل المتصوف النفري في وقفاته وتاملاته واستغراقاته الصمت….الا ما كان يسطره او يمليه على قصاصات يجمعها له غيره….
والصمت هنا في حالة المتصوف النفري صادر عن الدهشة او ناتج منها، كما انه دليل عجز العبارة في ان تنقل ما تريد تماما كما ان الصمت مجال رؤية وادراك وتامل وتدبر لحشود من المعاني العميقة و التداعيات الاستبطانية الكشفية التي تضيق بها العبارة لتتسع الرؤية وتنفذ التجربة اعمق…. ويؤكد النفري بحق وصدق قولته الشهيرة اذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة 23 .
وما يهمنا التجربة الصوفية كما المحنا في بداية الفصل في خصوصيتها المتسامية تغترب في تجربتها لدى قلة قليلة جدا،التجربة الصوفية وتجربة اللغة معا… فهذا التركيب الاغترابي المزدوج يجعل من الصعب، بل الصعب جدا في حالة توظيف او حتى تقمص مثل هذه التجارب الصوفية على صعيد ابداع اللغة والادب، التواصل بها او الاعتداد بها والركون للاستفادة حتى الذوقية الجمالية الاستشعارية فقط من خلال نص ابداعي… وتستعصي اللغة اكثر وتكف ان تكون ابداعا حالة سمو حقيقي متى ما كان تَمثُّل اللغة ابداعيا يتم عن تجربة تصوف مسطح، او اغراق تاملي لا يتجاوز حدود الاغراب السريالي في تفكيك اللغة 24 .
مثال ذلك اللغة الشعرية الحديثة، فهي من جانب لغة فوق المدركات الحسية والشعورية المباشرة و فوق مستوى وشائج التواصل و الاتصال الوجودي للموجود الاخر ولا يهمها اصلا مثل هذا النوع المتخلف من العلاقة.
وتختلف تجربة المتصوف الاغترابي عن تجربة المبدع الاغترابي فالمتصوف رحلته الكشفية الاستبطانية ذات طريق واحد لا رجعة منه لسالكه من الداخل الى الخارج فهي رحلة امتداد في الداخل بلا حدود اذا ما توفرت صدق التجربة. بينما تكون رحلة الابداعي الاغترابية في حالة محاولة الافادة من تجربة التصوف فهي تبدا بالرحلة الى الداخل وفي وعيها لذاتها لها عودة رجعة نحو الخارج أي الى الموضوع والمحيط… بعبارة اوجز تجربة التصوفي غير المبدع لا تكون تجربته من نوع فني تتموضع فيه ذاتية المتصوف الاغترابية… بينما تكون لدى الشاعر مثلا ان تجربته تتوخى موضعة ذاته فنيا بجمالية تعبيرية او فنية. وتجربة الصوفي الديني غير المبدع حسب تعبير الاستاذ د.فتح الله خليف ان المعرفة الحاصلة فيها ليست راجعة الى الحس او العقل وانما هي نور يقذف به الله عز وجل في قلب من احبه.
الاغتراب الذي يعانيه المبدع في تجربته الذاتية يكون فعلا اقل في درجته واختلافه في النوعية ايضا من تجربة وعمق المتصوف الديني الصادقة غير السطحية… فكلتا التجربتين هما اغتراب ذاتي وكلاهما الصوفي، والمبدع يسعيان الى الوصول الى حالة من تركيز التخصيب الخيالي الاشراقي لاستجماع مفردات تكوينات بناء عمل فني بالنسبة للمبدع الذي غالبا ما يستطيع ترجمة تجربته لغويا كوجود محسوس مدرك معقلن فنيا وجماليا ممثلا في قصيدة او في لوحة تشكيلية في حين كلما زادت تجربة التصوفي صدقا واصالة وامتدت اكثر وابعد غورا في الوجد الروحاني في رغبة الحصول على غاية اثمن ولذة ورضا واطمئنان غير اعتيادي، انعدمت لديه وسائل القدرة على تجميع مفردات تكوين هيكل ونسق لغوي وجمالي او حتى هذاءات وانجذابات لا رابط بينها مشتتة.
فكما مر بنا الاغترابي الابداعي يستطيع ثانية الارتداد من منطقة الغور الخيالي الى ادراكية الواقع المحسوس بارادة مسبقة في حين ليس للتصوفي مثل هذه القابلية لان تجربته الاستبطانية الكشفية وغورها بعيدا جدا عن شواطئ المدرك المحسوس تعطيها امتدادا سديميا من الصعوبة وهذا يتوقف على صدق التجربة الالتفات الى الوراء…ثانية أي العودة الى الحياة الاجتماعية.
والفنان المبدع والمتصوف الحقيقي كلاهما تحدوهما وتستحوذ خيالهما رغبة وطواعية تجربة الفعالية الاغترابية بفارق ان تكون اغترابية المبدع ايجابية بالنسبة له وللاخرين، وتكون لدى التصوفي ايجابية بعض الشيء له، سلبية بالنسبة لغيره الاخرين…
وكما المحنا قبل قليل ان رؤية التصوفي وصدق استبطانه ورؤاه الكشفية ربما كانت وهي بالفعل كذلك ابعد غورا في صدقها وصدق مسارها بالنسبة لها ذاتيا من آماد تجربة المبدع الاغترابية مهما بلغت درجة اصالتها في تموضع ذاتها بعمل جمالي فني فقط.
فالمبدع بعد رحلته الاغترابية يرتد ثانية الى الواقع والحياة حاملا حصيلة رحلته، انتاجية تعبيرية ادبية أو فنية… في حين اذا عاد المتصوف تكون رحلته خالية الوفاض بالنسبة لغيره وتكون حصيلته هو منها المتعة الاستشعارية السامية الذاتية التي زود بها من رحلته في التسامي الروحي.
اغتراب المبدع الذاتية رحلة عمل… واغترابية المتصوف الذاتية رحلة استكشاف من نوع يغذي الروح ويفني الجسد المحسوس. بهذا تكون رؤيا التصوفي حقيقية أصيلة اكثر من تجربة الفنان التصوفية السطحية…. فاغترابية المبدع الغائب والتي ينشد من ورائها وبسببها انتاج فعالية ابداعية يكون في تجربة الغور التصوفي مشدودا بالواقع الحسي ومفردات الحياة الحقيقية الواقعية بشبكة معقدة مجدولة من الحبال والاوتاد فهي رحلة جلفر في جزيرة الاقزام في مخيال التجربة وبلاد العجائب لذا تكون تجربته الخيالية في تخصيب خياله واستلهام ابداعه قريبا جدا من السطح. في حين تذهب تجربة التصوفي الصادقة شوطا عميقا في تجربة اغتراب الروح المتسامية في المطلق المحسوس غير المدرك.
/7/2012 Issue 4254 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4254 التاريخ 18»7»2012
AZP09