اغتراب المساحة الدرامية في مسرحية مقامات بغدادية**

اغتراب المساحة الدرامية في مسرحية مقامات بغدادية**
شخوص في منطقة لا تقبل الانشطار**
مروان ياسين الدليمي -الموصل

الدخول الى بناء النص المسرحي من باب الجملة الشعرية بما تختزنه من صور وتكثيف لغوي لن يقترب من خشبة المسرح اكثر مما سيزيد المسافة بينهما ويضيّق بالتالي البناء الدرامي الذي ينبغي أن يتمركز في متن النص وليتشضىّ في تفاصيل العلاقات القائمة بين الشخصيات، والعرض المسرحي مقامات بغدادية الذي تولى كتابته جوزيف يشوع، القادم بقوة من الاجراءات السردية القصصية التي تمرّس عليها في كتابة القصة القصيرة.
هذا العبور الذي شاءَ يشوع الخروج عبرهُ من اشتراطات جنس ادبي الى جنس ادبي آخر دون أن يقترن ذلك بهيمنة الصنعة المسرحية التي تستلزم وتفرض اجراءتها التقنية معايير وقوانين ترغم من يروم التعاطي مع المواضعات الدرامية المسرحية مُجارتها والالتزام بها قدر المستطاع.
لم يدخل هذا العبور ضمن السياق الدرامي الذي يُحتمهُ الفضاء الدرامي للخشبة، لذا بقيت القراءة الكتابية للنص يترشح منها الاغتراب الاجناسي المسرحي، ومقتربة في بنائيتها من التدوال الشعري.
النص من خلال شخصية المغترب العائد الى الوطن كان قد ارتكز في لعبته الفنية على اضاءة مساحة واسعة من ذاكرته التي مازلت مكتنزة بصورٍ تسبح في اشارات ماض ٍ جميل وعبق وهو يطأ ارض بغداد ليجدها على النقيض مما كان يهيمن عليها من تفاصيل وجمال باذخ بأبسط الاشياء، يجدها مشحونة بالقحط والخراب والموت.
بهذه الصورة الفجائعية جاءت في مجمل الحوار الذي كان اشبه بمنولوج طويل تم تقطيعه لتتعكز عليه بين فترة واخرى حوارات لشخصيات اخرى. منولوك تنبعث منه معطيات شعرية اكثر مما هي درامية تدفع بالحدث الى الامام،و شاء المؤلف أن يؤثثه على لسان الشخصية الرئيسية وكذلك بقية الشخصيات التي لم تكتسب طبيعتها الدرامية بل بقيت تستجيب بشكل متوازٍ مع ذات الشخصية الرئيسية في منطقة واحدة غير منشطرة عنها.
ان الذاكرة التي كانت منطلقاً في ايقاظ ماهو انفعالي في هذا العرض عززت حركة الطاقة السردية » الشعرية وأقصَتْ التركيبة الدرامية بما تستدعيه من مكونات ومستويات تصادمية وتصارعية بين الشخصيات، وهذا ادى بالتالي الى تحديد منافذ الرؤية واختصارها بطبقة واحدة من الشخصيات المحالة الى بنية معمارية واحدة متجانسة متماثلة.
اما فيما يتعلق بعناصر التشكيل الاخراجي التي اعتمدها المخرج في محاولة منه للاحاطة بطبيعة الرؤية الفنية التي اشتغل عليها المؤلف في بنيته الادبية التي تمظهر فيها البناء اللغوي بطاقته البلاغية المحكمة فقد جاءت ادواته ذات مرجعية واقعية سعى من خلالها في لحظات مجتزأة ــ لكنها لم تدم طويلاً في سياق التوالي الواقعي ــ باتجاه ألنأي بها بعيداً عن هذا القص لكنها بقيت ممارسة مضغوطة ومختزلة لم تتعدى افتتاحية العرض وبعض اللحظات المتباعدة والبعيدة زمنياً هنا وهناك اثناء عرض مسرحي اتسم بزمنه الطويل والمرهق كان بالامكان ضغطه وتكثيفه زمنياً الى الحد الذي يمكن ان يصل الى نصف ساعة بدلا من ساعة ونصف الساعة ولم يكن هذا الاجراء فيما لو تم إلاّ تداولاً منفتحاً على اهمية عنصرالزمن في عملية التلقي ولن يؤثر بالتالي على عملية الايصال.
وكان ينبغي ان تتعمق وتتباين قراءة المخرج للنص،وأن يتم تحميله بإضاءات صورية معبأة بطاقة الازاحة لماهو مألوف، والاخذ به الى تحميلات جمالية كالتي ابتدأ بها العرض وجعلتنا نتعلق بأهداب انثيالات صورية مثيرة ومدهشة حققت بمروها القصير امام اعيننا طاقة من التساؤل الكثيف.
إن هذا العرض رغم النحو الذي ذهب به المخرج مستجيباً لمقتضيات النزعة التقليدية في محاكاة الجملة والمشهد مسرحياً الاّ انه كان تجربة ثرة للمؤلف الذي تجاوز تدرجه القصصي الى اشتغال اخر يقتضي منه العيش في التجربة المسرحية والاندماج فيها حتى تستجيب افكاره لمنطق الفضاء المسرحي. وهو فيما اعطانا من مساحة وسطوة بلاغية محملة باسماء وامكنة وتواريخ بغدادية اختلط فيها الماضي البعيد بالحاضر المعاش القريب قد تمكن من شحن المتلقي بطاقة من الاحتفاء بالذات الانسانية التي بقي الحب يستدرجها الى امكنة محاصرة ومأسورة بالموت والخوف.
ولان حدود التأويل والترميز والتشفير لم يتم الاقتراب من خاصيتها بالشكل الذي يستفز المخيلة ويقصيها الى مسافات ومساحات واسعة لذا كان من الطبيعي ان ينعكس هذا على طبيعة الجسد وطاقته التعبيرية للممثل إذ لم يمتلك وظيفته المفارقة في الايحاء والتنوع طالما بقي ضمن السياق المحكي والملفوظ،أي داخل حدود واطار النص بشكل مباشر وصريح. أما فيما يتعلق باداء الممثلين فهنا لابد ان نشير الى طاقة شابة واعدة افصح عنها العرض وهي الممثلة حنين فرح التي تمتلك احساساً متوقداً في التعبير والانتقال مابين الحالات الشعورية التي اجتمعت في تركبية الشخصية التي تحملت مسؤولية أدائها وهي خامة مسرحية تستحق الاهتمام بها والاخذ بيدها، اما بقية الممثلين وفي المقدمة منهم الفنان المثابر نشأت مبارك فقد تضمن اداءه لحظات متوهجة لكنها كانت مبعثرة في زمن طويل.. كذلك لابد ان نحتفظ بذاكرتنا بأسم الممثل وعد توماس الذي سيكون له شأن واضح ومهم في المستقبل القريب.
اخيراً لابد ان نشير الى ان فرقة قره قوش وخلال مسيرتها التي تمتد لاكثر من ربع قرن تسعى بما تملكه من طموحات وتطلعات فنية الى أن تحتل ــ بما تقدمه من اعمال جادة ــ بقعة مهمة وفاعلة في المشهد المسرحي من خلال اصرارها على العمل والعطاء رغم محدودية الامكانات المادية المتاحة وهي بين فترة واخرى تقدم لنا معطيات تبعث على الامل والتفاؤل رغم بؤس الواقع المحيط بنا وبها. وما تجلىّ في هذا العرض ــرغم ملاحظاتنا ــ من ظهور اسم جديد في عالم التأليف المسرحي جوزيف يشوع إلاّ تأكيداً ودلالة على عمق الانتماء الذي يربط عناصر هذه الفرقة بالفن المسرحي باعتباره خبرة جمالية ومعرفية لايمكن للانسان ان يستغني عنها.
/7/2012 Issue 4253 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4253 التاريخ 17»7»2012
AZP09