80 عاماً من التعاون.. وقفتان للتأمل – أحمد عبد المجيد

العلاقات العراقية اليابانية

80 عاماً من التعاون.. وقفتان للتأمل – أحمد عبد المجيد

قطع العراق واليابان 80  عاما من العلاقات الممتدة والمحطات المهمة في تاريخ البلدين. وصادف ان شهدت حصيلة الاعوام الطويلة منذ افتتاح سفارة اليابان في العراق بدرجة تمثيل وزير مفوض، احداثا ذات اهمية تاريخية وسياسية كبرى ليس بالنسبة للبلدين حسب، بل بالنسبة للعالم باسره. فقد تسببت وقائع الحرب العالمية الثانية بانسحاب (الوزير المفوض) الياباني من بغداد عام 1942 وغلق السفارة. كان العراق يدور في فلك دول الحلفاء بزعامة بريطانيا، فيما انحازت اليابان الى دول المحور بزعامة المانيا. وشمل تأثير الحرب وما رافقها من تحولات، البلدين، وان كان ما اصاب اليابان من اوجاعها وكوارثها، لا يقارن بما تعرض له العراق الذي استخدمت اراضيه في عمليات محدودة نسبيا للمحافظة على النفوذ البريطاني، في الخليج العربي جنوبا والاراضي الباردة شمالا حتى اوربا. ففي 1943  اعلن العراق الحرب على دول المحور المؤلفة من المانيا وايطاليا واليابان وتركيا. مما تسبب في انقطاع العلاقات الدبلوماسية مع اليابان. لقد خرجت دول المحور مضرجة بدماء مئات الالاف من قتلاها وبدمار مدنها وبنيتها التحتية وانهاك اقتصادها بالكامل، فضلا عن التكبيل باتفاقيات مذعنة، مثلما خسرت دول الحلفاء مصادر مهمة من ثرواتها التي عوضتها بامتداد جغرافي ومناطق نفوذ مهمة لكن العراق لم يكسب من موقفه ازاءها اية نتائج مفيدة، باستئناء وعود مكررة بالاستقلال الناجز والانسحاب الكلي للقوات البريطانية والمستشارين الاجانب. وعندما صادق على معاهدة سان فرانسيسكو للسلام عام 1955  عادت العلاقات الدبلوماسية مع اليابان، وتم في السنة ذاتها افتتاح سفارته في اليابان بدرجة تمثيل وزير. بالمقابل اعادت طوكيو افتتاح سفارتها في بغداد عام 1956. وخلال السنوات اللاحقة وقف العالم، ومنه العراق، يتأمل التجربة اليابانية الشجاعة، حيث شرع الشعب، بكل ما اوتي من قوة وعزيمة وذكاء، بطي صفحة الحرب وتضميد اوجاع جروحها الغائرة وبناء الانسان كمقدمة لبناء كل ما خربته قنبلتي هيروشيما وناكازاكي. وفي العام 1960 رفع التمثيل الياباني في العراق والتمثيل العراقي في اليابان الى مستوى سفير. وكان لتوجهات ثورة 14  تموز 1958 التحريرية، الدور في الانتباه الى الدور الاقتصادي الخلاق الذي انبثق من رماد الحرب العالمية الثانية، ووقع البلدان اتفاقية تجارية مهمة لم تدخل حيز التنفيذ الا في العام 1964. وسارت العلاقات باتجاه اعمق بابرام اتفاقيات شملت جوانب اخرى. وفي العام 1968 دخلت اتفاقية المساعدة القضائية المتبادلة حيز التنفيذ، وقفزت العلاقات الى مستوى متقدم عام 1974 بدخول اتفاقية التعاون الاقتصادي والفني حيز التنفيذ، كما دخل الاتفاقان الثقافي والجوي حيز التنفيذ عام 1979. وبرغم التطور المطرد في علاقات البلدين فانه سرعان ما اصابتها انتكاسبة حادة عام 1991  نتيجة دخول القوات العراقية، دولة الكويت. فقد اغلقت السفارة اليابانية في بغداد، مع الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية. وظل الجمود يطبع هذه العلاقات زمناً طويلا انتهى بسقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003 ثم استئناف سفارة اليابان في بغداد، لاعمالها. ولم يتحقق شيء من مردودات هذا الانجاز الا بعد اربع سنوات. ففي 2007 بدات ندوات تبادل الخبرات والمعرفة اليابانية. ويمكن القول ان العراق وسواه من الدول بوسعها ان تستلهم التجربة اليابانية في اعادة البناء والاعمار وكذلك دراسة واقع علاقتها المقيدة مع الولايات المتحدة برغم القوة النووية التي استخدمتها ضد مدن اليابان وشعبها. فقد ظلت تلك العلاقة محكومة بواقع عالمي جديد، كما ظلت موضع تفهم شعبي من اليابان، الذي اوكل الى امبراطوريته وحكومته التصرف وقبول ما يوجب الاستمرار في العلاقة بالنسبة للقواعد العسكرية الامريكية وللخطط الموضوعة لكبح جماح اي خروج ياباني عن (الاذعان) الذي ادى الى توقيع وثيقة الاستسلام اللامشروط في الحرب. ومن واقع التجربة اليابانية، فان العراق ينظر الى نتائجها من زاوية اقتصادية بالوسع الاقتداء بها وتأسيس قواعد نهوض راسخة ولاسيما بتوفر ثروات نفطية وبشرية هي قوام اي عملية بناء مثالية. كما يمكن للعراق الاستفادة من مؤثرات تلك التجربة بالمشترك الحضاري والجذر الشرقي، وهو العامل الذي وضعه رئيس الوزراء الماليزي مخاتير محمد، نصب عينيه، عند وضع خطة بناء بلاده وتوفير الملاكات الجامعية والفنية والتقنية المؤهلة في اقتصاد ماليزيا ونشاطها العلمي. وبموجب ذلك انجز مخاتير محمد تجربة يعتد بها في المنطقة والعالم ساهمت بدورها في تحفيز بلدان النمور الاسيوية على بناء مشاريعها بالاقتداء بالتجربة الماليزية العملاقة. وظل النشاط الدبلوماسي الياباني في العراق بارزا بحيث شجع اول حكومة انبثقت بعد اول انتخابات ديمقراطية عام 2005 على الشروع بالمباحثات السياسية عالية المستوى بين البلدين عام 2009. وشهدت هذه الخطوة توقيع سلسلة من الاتفاقيات في مقدمتها اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار حيز التنفيذ عام 2014. وتم عام 2017  افتتاح مكتب اليابان القنصلي في اربيل وهي اولى الخطوات التي شجعت دولا اخرى على الاقتداء باليابان وفتح قتصليات مماثلة. وبالتوازي شكل نشاط الشركات اليابانية عاملا مهماً في ايصال العلاقات السياسية والاقتصادية الى افاق اوسع، فقد شاركت الشركات اليابانية بنشاط تنموي ملحوظ شهده العراق، خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ووجدت البضائع والسلع سوقا واعدة لها في العراق. وتركت انطباعا ايجابيا لدى المستهلك العراقي الذي كان الى وقت قريب تعتمد سوقه على البضائع والماركات الغربية، وكان لانتاج اليابان من السيارات والاليات قبول واسع، بحيث تقدمت على ما عداها حتى اليوم، وصنف العراق في المركز الاول او الثاني في الخمس سنوات من 1977 – 1981  كشريك اجنبي في مشاريع البناء للشركات اليابانية في الخارج، بعد ايران واندونيسيا وماليزيا، فيما تأتي كل من السعودية وهونغ كونغ بالمرتبة الثالثة (الموقع الالتروني لمعهد البحوث الاقتصادية الاسيوية لجيترو).

ومنذ عام 2003  قدمت اليابان الى العراق حزمة دعم بلغت خمسة مليارات دولار تتوزع على (قرض الين) الذي بموجبه تعهدت اليابان بمبلغ 3,5  مليار دولار لانجاز توقيع المذكرات المتبادلة لثلاثين مشروعاً، اي ما يعادل نحو 6,7  مليارات دولار، كما قدمت له منحا بمبلغ 1,5  مليار دولار لتنفيذ مشاريع بقيمة 2,2 مليار دولار، فيما شمل التعاون الفني مشاركة 8800  موظف عراقي في برنامج التدريب الحكومي (جايكا) ومنها خمسة مشاريع في الري والزراعة وغيرها، فضلا عن خفض ديون اليابان على العراق وقيمتها 6,7 مليارات دولار. وقدمت الحكومة اليابانية دعماً مالياً للموازنة العراقية (قرض سياسة تنمية الاصلاح المالي) ويصل الى نحو 217  مليون دولار عام 2016 وقرض المرحلة الثانية من نفس المشروع بقيمة 273  مليون دولار عام 2017.

نشاط تجاري

ويعد النشاط التجاري في مقدمة الافاق التي بلغتها العلاقات بين البلدين حيث بلغ اجمالي قيمة الصادرات العراقية الى اليابان خلال عام 2017  نحو مليار و12 مليون دولار، يشكل النفط الخام منها فقط نحو 8,99  بالمئة. اما مستوردات العراق من اليابان فبلغت خلال العام ذاته 286 مليون دولار تتوزع على معدات النقل كالسيارات والحافلات والشاحنات والدراجات النارية بنسبة 61,2  بالمئة والفولاذ بنحو 15,1  بالمئة والمكائن العامة بنحو 6,6  بالمئة (احصائيات وزارة المالية اليابانية). وتمثل المساعدات الرئيسة للعراق (مشروع الشؤون الاقتصادية اليابانية العراقية) مشروعاً طموحاً يعكس رؤية طوكيو الى الاهمية التي يتمتع بها العراق، وهو يتضمن انتاج سيارات اسيوزو وموتورز في معمل الشركة العامة للصناعات الميكانيكية في الاسكندرية، والمشاركة في معرض بغداد الدولي ومجال التنقيب عن النفط ضمن الرقعة الاستكشافية 10 انييكس، والمشاركة في تطوير حقل نفط غرب القرنة 1 وتقوم به شركة اتيوتشو والمشاركة في تطوير حقل الغراف النفطي، وتتولاه شركة جابيكس فضلا عن المشاركة في شركة غاز البصرة الذي تقوم به شركة ميتسوبيشي. اما المشاريع الخدمية التي تسهم بها اليابان عبر شركاتها ذات الخبرة فتتمثل بمشروع تحسين امدادات مياه البصرة ضمن قرض الين وتتولاه شركة هيتاشي ومشروع تحسين مصفى البصرة ومشروع اعادة تأهيل محطة الهارثة الحرارية، وتتولاه شركة ميتسوبيشي لانظمة الطاقة ومشروع اعادة تأهيل الموانئ واعادة تأهيل معمل الاسمدة الكيمياوية في خور الزبير، وفي السماوة تقوم الشركات اليابانية ببناء طرق وجسور المحافظة، في وقت تمتد يد الشركات اليابانية الاخرى الى مشاريع في انحاء اخرى من العراق منها امدادات المياه في الغرب الاوسط واعادة اعمار قطاع الطاقة الكهربائية الذي تتولاه شركتا تسوشو وسوميتومو، وقطاع الري وانشاء محطات فرعية بتمويل من شركة تويوتا تسوشو وانشاء وتشغيل تويوتا العراق، وهو من المشاريع الصناعية الرائدة، التي يجب ان تحسن وزارة الصناعة العراقية بالتعامل مع مراحل انجازه بالنظر لما يمكن ان يوفره من فرص عمل ورفد السوق بمنتجات كفوءة. اما في اقليم كردستان فان الشركات اليابانية تعمل في مشروع تحسين امدادات المياه واعادة قطاع الطاقة الكهربائية للحاجة الماسة لهما، ولوجود ازمة ملحوظة في اربيل والسليمانية ودهوك. وواكبت اليابان التحديات الامنية في العراق ومدت يدها لدعمه بعد القضاء على تنظيم داعش، وتكشف احصائيات حكومية عن ان المنح المقدمة له منذ شباط  2014 لغاية شباط  2018 بلغت نحو 426 مليون دولار وانها قدمت 26 مليون دولار لدعم الاستقرار من خلال صندوق اعادة الاعمار، الذي يتضمن المأوى والغذاء والدواء والماء والنظافة والبطانيات للنازحين وسيارات الاسعاف وبناء المدارس والحماية القانونية وحماية الممتلكات الثقافية في المدن المحررة. وقامت شركة تويوتا بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي بتدريب مهني للنازحين. وتطورت العلاقات الثقافية بين البلدين على نحو ملحوظ جدا منذ عام 1956 عندما بدأت بعثة جامعة طوكيو في العراق وايران بحفر سورسات بالقرب من الموصل. وفي عام 1971 بدأت جامعة كوكوشيكان بمسح بقايا صحراء الطار في كربلاء، وعام  1988 شرع معهد ابحاث الثقافة العراقية القديمة في اليابان بالتنقيب في اطلال مدينة كيش، المعلق حاليا للاسف، وهي مناسبة لدعوة الجهات الثقافية في البلدين لتفعيله. وقامت اليابان عام  2004 بدعم وتأهيل مختبر ترميم المتحف العراقي عبر منظمة دولية وتوفير عجلات الحماية الامنية لحراسة الاثار. وفي مجال الثقافة ايضا تم عرض افلام يابانية وبرامج عام  2003  من قناة العراقية الفضائية. ومنذ عام 2009  نظمت اليابان مهرجان الافلام بدوراته الخمس.

تنظيم احتفالات

ومنذ 2012  تم تنظيم احتفاليات الثقافة اليابانية على ارض معرض بغداد الدولي، وتنظيم مهرجان الافلام اليابانية الاول في اربيل عام 2018. اما التعاون في قطاع التعليم فشمل عام 2005 استئناف قبول الطلبة العراقيين في المعاهد والجامعات اليابانية. فقد ارسل 38  طالبا لهذا الغرض بدعم حكومي بين الاعـــــــوام 2006 – 2018. كما جرى توقيع مذكرات تفاهم وتبادل اكاديمي بين جامعة تشيبا ونظيرتيها بغداد والمستنصرية. ومنذ عام 2009  عقدت الندوة اليابانية العراقية بالتناوب بين البلدين والاجتماع العاشر في طوكيو في تشرين الثاني الماضي. ويتعين على الحكومة العراقية ايلاء التعاون في هذا المجال اهمية كبرى وفتح مجالات قبول للطلبة العراقيين بالجامعات اليابانية على الدراسات العليا واتاحة الفرصة للتدريسيين بالزيارات وتبادل الخبرات، ولاسيما في القطاعات التكنولوجية الحديثة والزراعة والبناء بالنظر لما تتمتع به اليابان من سمعة دولية ورصانة الدراسة الجامعية فيها. وعودة الى التجربة الماليزية فان قطاع التعليم حاز ونال الاولوية في التأهيل والتدريب والبناء العلمي الامر الذي ساعد البلاد في اضطلاع ابنائها بتوجيه خطط التنمية في ماليزيا، الوجهة الصحيحة المطابقة لبيئة وثقافة البلاد. وشملت مجالات التعاون ايضا قطاع الرياضة. وفي عام 2004  استضافت اليابان مباراة ودية بين المنتخبين الوطنيين، العراقي والياباني بكرة القدم وتدريب لاعبي الجودو والساحة والميدان. وفي عام 2005  قامت الشركات اليابانية باعادة تأهيل ملعب السماوة الرياضي، فيما قام نائب رئيس  الاتحاد الياباني بكرة القدم بزيارة العراق. وخلال العامين 2017 – 2018  اقيمت منافسات كأس السفير للكاراتيه والجودو. وبالرغم من المجالات الواسعة التي خاضتها العلاقات الثنائية منذ عام 1939فان افاق المستقبل مفتوحة بين العراق واليابان لارساء اسس تعاون اوسع واعمق وبذل جهود اكبر للافادة من النجاحات التي تحققت لتعزيز واقعها عبر تفاهمات اقتصادية وثقافية وعلمية مشتركة. ونرى ان الحكومة العراقية مطالبة بالافادة من خبرات اليابان في مجال الصحة والبيئة بوصف هذا البلد الاسيوي يحتفظ باعلى نسبة من المعمرين والاصحاء في العالم، وان ظروفه السياسية وجغرافيته امدته بخبرات مهمة بمجال مكافحة التلوث ونقاء البيئة. كما يمتلك خبرات يجب الافادة منها في مجالات الدفاع المدني نتيجة ضغط الحرب العالمية الثانية، وما اعقبها، وتهديدات الانواء والطقس حيث تتعرض اليابان الى زلازل قوية وتسونامي امحت مدناً ومناطق، ويتعين على الحكومة العراقية ايضا الاقتداء بتجربة اليابان الاعلامية وتطور الياتها في الفضاء الالكتروني والرقمي، ولاسيما في مجال الصحافة الورقية. ويسجل لهذا البلد ان وسائل الاعلام فيه مازالت نابضة بالحياة وتتصاعد فيها وتيرة الصحافة الورقية والطباعة وتتمتع بجاذبية الى حد كبير. ولايزال القراء اليابانيون يفضلون القراءة من الورق اكثر من الشاشة برغم الشوط المتقدم الذي قطعته بلادهم في صناعة وانتاج المجال الرقمي. لقد كانت علاقات البلدين عبر 80  عاما مبنية على المصالح المشتركة والتفاهم، ومازال بانتظارها الكثير. اذا تذكرنا ايضا ان اليابان بلد متفوق في صناعة النقل والمواصلات وفيه مشاريع فريدة في مجال السكك الحديد والقطارات المعلقة فائقة السرعة. ويمكن للجهد الدبلوماسي ان يمهد الطريق لتأسيس ارضية مشتركة قوية تعوض البلدين عما فاتهما من سنوات التراجع خلال وقفتين في العام 1942 والعام 1991? اللذين يأمل الشعبان الا يتكررا مهما كانت الاوضاع التي تسود الساحة الدولية والحوادث التي تمر على اديم البلدين.

مشاركة