333 حزباً يتنافس في انتخابات العراق و “التفريخ” مستمر

بغداد – الزمان

تمخضت ظاهرة تفريخ الأحزاب السياسية في العراق عن مشهد معقد ومتشظٍ، بعدما كشف المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان عن بلوغ عدد الأحزاب السياسية المسجلة رسميًا 333 حزباً، مع وجود أكثر من 50 حزباً آخر قيد التأسيس، وهو ما يفوق عدد مقاعد مجلس النواب البالغ 329 مقعدًا.

وقال نائب رئيس المركز، المحامي حازم الرديني، إن الأرقام تشير إلى تضخم حزبي غير مسبوق منذ إقرار قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 2015، مطالباً بتعديلات تشريعية تنهي عبثية تسجيل الأحزاب دون مشاركة سياسية حقيقية، وتدفع نحو إلغاء إجازة أي حزب يغيب عن دورتين انتخابيتين متتاليتين.

وأكد الرديني أهمية ربط إجازة الحزب بجديته ومشاركته الفعلية، مشيرًا إلى ضرورة فتح مقار في أكثر من محافظة كشرط لاعتماد الحزب، ومراقبة خطابه السياسي الذي قال إنه كثيراً ما يتضمن تحريضاً على مقاطعة الانتخابات وتقويض شرعية النظام الديمقراطي.

واستعادت هذه التصريحات نقاشًا قديمًا حول الطابع الكارتوني الذي بدأت تأخذه الخارطة الحزبية في العراق، إذ تشكلت عشرات الأحزاب من دون حواضن جماهيرية أو برامج واضحة، وتُستخدم في بعض الأحيان كواجهات لمصالح شخصية أو انتخابية ظرفية، وهو ما يعيد للأذهان موجات تفريخ مماثلة سبقت انتخابات 2018، حين تجاوز عدد الكيانات المسجلة 200 كيان بحسب مفوضية الانتخابات حينها.

وأعادت هذه الظاهرة إلى الواجهة ذكريات عام 2005، حين تفجرت ظاهرة “أحزاب الأسماء الطائفية” بعد أول انتخابات ما بعد الاحتلال، وتم تسجيل أكثر من 150 كيانًا سياسيًا خلال أقل من عام، وانتهى أغلبها إلى الزوال أو التجميد عقب الاستحقاقات الانتخابية، دون أثر فعلي في المشهد السياسي.

وأحدث التشظي الحالي قلقًا داخل الأوساط الرقابية والمجتمع المدني، حيث أشار ناشطون إلى أن بعض الأحزاب المسجلة لا تتعدى كونها أسماء على ورق أو صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما قال الصحفي مهند علي في تدوينة عبر “إكس” إن “تكاثر الأحزاب يشبه تكاثر الشركات الوهمية.. لافتات بلا جمهور ولا إنتاج، بل غطاء لمصالح شخصية”.

واستند محللون إلى تجربة عام 2021 حين شارك أكثر من 160 حزباً في الانتخابات المبكرة، لكن النتائج اقتصرت على فوز عدد لا يتجاوز 30 كيانًا، في مشهد يعكس هشاشة البنية الحزبية مقابل تضخمها الورقي.

وأشارت تقارير إعلامية خلال عام 2024 إلى أن التمويل الأجنبي والتحالفات المؤقتة من أبرز دوافع تفريخ الأحزاب، إلى جانب محاولة بعض الشخصيات الالتفاف على استحقاقات قانون العزل السياسي أو استثمار القوانين الفضفاضة لتسجيل الكيانات.

واشتكى مراقبون من ضعف الرقابة الحكومية على تمويل هذه الأحزاب وخطابها السياسي، في ظل غياب الشفافية المطلوبة حول مصادر تمويلها وبرامجها، فيما دعا البعض إلى تقنين عدد الأحزاب من خلال اشتراطات قانونية صارمة تشمل العدد الأدنى من المؤسسين، وانتشارًا جغرافيًا محددًا، ومشاركة فعلية في انتخاباتين متتاليتين على الأقل.

وعكست هذه المؤشرات فشل النموذج الحزبي العراقي في التحول إلى حاضنة ديمقراطية فعلية، إذ تقف الدولة اليوم أمام “ديمقراطية من ورق”، يتسيد فيها الكم على الكيف، ويغيب فيها الجمهور لحساب الشعار، في بلد ما زال يبحث عن أحزاب تمثله لا أحزاب تُفرّخ فوقه.