ألف نيرون يغني – حسام الدين الانصاري

hussam-alddin2-202x300

 ألف نيرون يغني – حسام الدين الانصاري

كل يوم يمر على العراقيين وهم يعيشون سيناريوهات موضوعة كأفخاخ صيدٍ لطرائد لاحول ولاقوة لهم فيها،وما عليهم إلا الإذعان والطاعة للطاقيات التي تنبعث منها شرور الشياطين،وأن يغمسوا أصابعهم في الحبر البنفسجي-الذي كره الناس لونه-من أجل خلود الديناصورات على الكراسي المذهبة التي توشك ان تحلق بأجنحة الزهو والغطرسة،إنهم آلهة خالدون انبعثوا من حضارات الديانات الوثنية،من عصور الجاهلية على الأرض العربية مروراً بالآشورية والسومرية والفرعونية والرومانية والفارسية والهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية وغيرها من موجات عبادة الفرد والآلهة الوهمية،فاستحقوا التقديس والعبادة بجدارة ما دام الجاه والسلطان والأموال والأراضي والقصور والسيارات والطائرات وصكوك الغفران ومفاتيح الجنة وسلطة نمرود في الحياة والموت ملك أيديهم،وحاشية تسبح بحمدهم ليلاً ونهاراً وتسهر على حراستهم لأنهم انبوب نفط دائم مفتوح لهم بما تجود به موائدهم من الفتات المتروك عليها،وطالما هناك نفوس اعتادت الذل وتراهم سكارى وماهم بسكارى،وما دامت مغارة علي بابا آمنة وما كهرمانة إلا تمثال من نحاس لا تسكب السمن الحار على رؤوس اللصوص.

كل هذا..وحرائق بغداد قلب العراق مستعرة لا تنطفئ،ونيرانها تكوي جباه قوم (ألذره) الذين لا يملكون ما يفصلهم عنها ،فاذا كان الف نيرون يغني على وصف حرائق بغداد في مجالسهم وفضائياتهم (نعم) لأنهم من فضاء آخر تتوفر فيه الماء والاوراق الخضراء والوجه الحسن والقصور والموائد العامرة والسفرات الى مناطق الحسينية وحي طارق ومنطقة بيوت التنك في عواصم الكفر باريس ولندن وأمستردام حتى ولو ليومين في عطلة نهاية الاسبوع ترويحاً لأنفسهم من متاعب السهر على مصالح الشعب والملل من الجلوس خلف المكاتب المتواضعة التي لا تليق بمكانتهم،يزورون خلالها أبناءهم الذين يؤرقهم فراقهم والحوادث التي قد يتعرضون لها بسيارات السباق التي يمتلكونها أو في المدارس والجامعات غير المحتشمة التي يختلط فيها الأولاد والبنات والشباب والشابات وخوفهم عليهم من أن يحلقوا لحاهم وشواربهم ويتنكرون لأزياء اجدادهم في (العمة أو العقال أو الغترة) ويرقصون الهيب هوب بدلاً من ( الجوبي والساس ) اللتين كانوا يؤدونهما بمعية ذويهم على أطراف الهور في الجنوب وفي البادية عند الرعي غرباً.

ان الغناء والشعر وسط الأهوال ضرب من ضروب الفن التراجيدي في وصف المأساة التي يجد السياسي نفسه اعظم واكثر اصالة من  الذي اختار حرق روما موضوعاً لقصائده المغناة،ونحن اكثر ثراءً منهم في القصص والمواضيع والأحداث المأساوية التي تصلح مادة للشعر والغناء التراجيدي عبر آلاف الصور،فأمهات سبايكر والأرامل والثكالى والاطفال اليتامى والنازحين والمهجرين واغتصاب الوحوش البشرية للفتيات بإسم الدين،وسكان(العراء)والبنايات المهدمة والخيم الغارقة التي تحيط بها الممرات الطينية،وشيوخهم الذين يبكون دماً عليهم في قصورهم الفارهة وفنادق الدرجة الأولى،والبيوت التي تغرض بمياه الأمطار في بغداد عاصمة الرشيد ومنارة المجد التليد عند اول قطرة غيث ليرتقي أهلها نحو العلا على صهوة السطوح بعد غرق طوابقها الأرضية..وصور الشيوخ والنساء والاطفال الذين يذهبون الى مدارسهم المتهاوية وهم يخضون في برك المياه والطين والأزقة التي أعطيت مقاولات تنفيذ تبليطها الى احد ابطال المقاولات الوهمية واسمه في العراق وجسمه في جزيرة واق واق والخرجية أصبحت مضمونة في جيوب الرفاق.

ويبدو بأن الغناء على اطلال البلدان وحرائقها اصبحا مودة العصر ،فألفٌ يغني والملايين تبكي، ولم تعد غريبة مشاهد تدمير البلدان بأيدي أبنائها الذين أصعفوا بالنتائج مع الوحوش الارهابيين بكل أرض العروبة من اقاصي المغرب العربي وحتى اقصى تخوم الجزيرة العربية باسم الاساءة الى الدين في التهديم والقتل والاختطاف والسرقة والاغتصاب والحقد والانتقام والصراع على السلطة…على خلاف النوايا الطيبة والتضحيات التي يقدمها الشباب الذين يفتدون الوطن بأرواحهم بكل صدق،الذين تروي دماؤهم تربة هذا الوطن العزيز التي سوف تلفظ أجداث الذين ظلموه وأساءوا له بعد أن تصمت أصواتهم المنكرة ويواريهم الثرى وتخفت الحرائق التي اشعلوها والفتن التي ابتدعوها فيسيروا حفاةً عراةً يغمرهم القطران الى حرائق جهنم وبئس المصير على ما جنت أيديهم.