ماهية الإفراج الشرطي – سداد عماد العسكري

ماهية الإفراج الشرطي – سداد عماد العسكري

تعتبر الجريمة اعتداء على المصالح الجوهرية للمجتمع ، سواء كانت هذه المصالح تتعلق بالجماعة ككل أو مصالح فردية ، لذلك عدت العقوبة السبيل الوحيد لدفاع عن المجتمع ضد الجريمة ، أو من أجل ردع الجاني من العودة إلى الجريمة ، أو من أجل ردع الآخرين من سلوك طريقها ، وقد سادت تبعاً لذلك العقوبات الجسدية القاسية مثل الإعدام والسجن وغيرها من العقوبات . ولكن مثل هذا المفهوم للعقوبة لم ينجح في تكريسها كأداة للقضاء على الجريمة في المجتمع ، فقد لوحظ أن الإجرام في المجتمع في تزايد ، مما دفع رجال الفقه والقانون إلى الاهتمام بالمفهوم الإصلاحي للجزاء وذلك بتركيز الدراسات على المجرم والظروف التي أدت به إلى الجريمة . فلابد حين توضع العقوبة أن تكون متلائمة مع جسامة الجريمة ماديا من ناحية ومتناسبة مع خطورة الجاني وظروفه الشخصية المختلفة من ناحية أخرى وهذا ما يطلق علية ” مبدأ تفريد العقوبة ” ومن أهم وسائل التفريد ، البارول، الاختبار القضائي، العفو الخاص من العقوبة ، ونظام الإفراج الشرطي….

إذا كان الهدف من عزل الجاني هو توقي خطورته وأفعاله الضارة، فإذا تحقق إصلاحه وأزيل الخلل الناتج عن الجريمة فإن ذلك يعني أنه ليس من العدالة الاستمرار في تنفيذ العقوبة التي تصبح عبئاً على الجاني وعبئاً أيضاً على الدولة . لهذا الاعتبار شرعت أغلب النظم الإفراج الشرطي ، وقد سلكت السلطنة مسلك التشريعات فقد جاء النص الإفراج الشرطي أو ما يطلق عليه في قانون الجزاء الصادر بالمرسوم 7/74 ب”وقف الحكم النافذ” في المواد 76-77 وكذلك نص عليه في قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم 97/ 99 ”      الإفراج تحت شرط ” في المواد  310 ,309  وأيضا

السجون الصادر بالمرسوم 48/98   في المواد  54,53,52 .

يحقق الإفراج الشرطي جملة من الأهداف ، فهو يحث المحكوم عليه على نهج وأتباع السلوك القويم وذلك أثناء وجوده في المؤسسة العقابية ، إضافة إلى ذلك فأنه يسهم في أصلاح المحكوم عليه خارج المؤسسة العقابية ، وذلك تمهيداً لاندماجه في المجتمع وتكيفه معه ، كما أن الإفراج الشرطي يعد وسيلة لحث المحكوم عليه وتشجيعه على الالتزام بالسلوك الحسن أثناء المدة المتبقية من محكومتيه، وكذلك هو يحول دون ازدحام السجون بالنزلاء عن طريق الإفراج عن البعض منه والذي صلح أمره ولم يعد بحاجة إلى تقييد حريته ، وبذلك يؤدي إلى توفير الجهد والمال وعدم توظيفهما في مجالات لا فائدة منها.

وقد قسمت موضوع البحث إلى ثلاثة مباحث، فقد كان المبحث الأول بموضوع طبيعة الإفراج الشرطي وقسمته إلى مطلبين ، المطلب الأول تعريف الإفراج الشرطي وتكييفه ، أما المطلب الثاني خصائص هذا النظام والهدف منه ، أما المبحث الثاني فقد كان بموضوع التنظيم القانوني للإفراج الشرطي وقسمته إلى مطلبين المطلب الأول شروط الإفراج الشرطي ، أما المطلب الثاني آثار الإفراج الشرطي ، أما المبحث الثالث فقد كان بموضوع انتهاء الإفراج الشرطي، وقد أشتمل على مطلبين ، المطلب الأول سيكون عن انقضاء مدة العقوبة ، والمطلب الثاني سيكون عن انتهاء الإفراج الشرطي .

طبيعة الإفراج الشرطي

إن الإلمام بطبيعة نظام الإفراج الشرطي تقتضي التعرف أولا على ماهية هذا النظام وعلى أصل نظام الإفراج الشرطي وتكييفه وكذلك على خصائصه وأهدافه وهذا ما سنبينه في هذا المبحث وسنقسمه إلى مطلبين، المطلب الأول سنتطرق لتعريف الإفراج الشرطي وتكييفه، أما المطلب الثاني سنتطرق لخصائص هذا النظام والهدف منه .

ماهية الإفراج الشرطي

يقصد بالإفراج الشرطي “وسيلة استخدمتها النظم العقابية المتطورة للحد من مساوئ الإبقاء في المؤسسات العقابية لفترات طويلة قد يكون لها آثارها السيئة التي تعوق إعادة تأهيل السجين وتقويمه ، وبمقتضى هذا النظام الشائع يقضي السجين في المؤسسة العقابية فترة معينة من العقوبة يتقرر بعدها إخلاء سبيله أو الإفراج عنه قبل انتهاء المدة المحكوم عليه بها ، بمعنى أن حسن السير والسلوك هو شرط أساسي لهذا النوع “.

وجاء في تعريف أخر أنه ” إطلاق سراح المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قبل انقضاء كل مدة عقوبته إطلاقا مقيداً بشروط تتمثل في التزامات تفرض علية وتقييد حريته وتمثل كذلك في تعليق للحرية على الفاء بهذه الالتزامات “.

إن نظام الإفراج الشرطي يرجع إلى أصل فرنسي ، حيث قدم ” ميرابو ” في عام 1790 تقرير إلى الجمعية الوطنية الفرنسية يطالب فيها بإدخال نظام الإفراج الشرطي في قانون العقوبات الفرنسي كإحدى الوسائل لإصلاح أنظمة السجون .

وفي عام 1874م قام القاضي الفرنسي الشهير ” بونفيل دي مارسانجاني ” بقيادة حملة واسعة لصالح الإفراج الشرطي ، وأستمر في هذه الحملة وكان أشهر المتحمسين والداعيين إلى أن قامت الجمعية الوطنية الفرنسية بتبني نظام الإفراج الشرطي في 14 آب سنة 1885 .

اختلفت نظره التشريعات والباحثين فيما يتعلق بتكييفه من الناحية القانونية وتكييفه من الناحية العقابية.

أما الأمر الأول فقد اختلفت فيه الآراء : فذهب رأي إلى اعتبار الإفراج الشرطي عملا إدارياً محتجاً في ذلك بأنه في حقيقته تعديل للمعاملة العقابية كي تلائم التطور الذي طرأ على شخصية المحكوم عليه ، وهو من هذه الوجهة أشبه بأوجه النشاط الإداري التي تمارسها الإدارة العقابي تنفيذاً للعقوبة ، وذهب رأي ثانٍ إلى اعتباره عملا قضائيا لأنه ينطوي على مساس بالقوة التنفيذية للحكم ويدخل تعديلا عليه من حيث تحديد مدة معينه للعقوبة .

أن الإفراج الشرطي لا يمكن أن يعد منحة من الإدارة المختصة لأنه أسلوب ونظام عقابي في نشأته الأولى بعد مرحلة من مراحل تطبيق النظام التدريجي ، وحالياًأساليب الإصلاح والتأهيل ، لازما لتحقيق العقوبة غرضها النهائي في إعادة تكييف المحكوم عليه مع المجتمع ، ولا يعد الإفراج الشرطي حقاً لمحكوم عليه وبالتالي لا يستطيع المحكوم عليه أن يطالب به وكذلك لا تلتزم الجهة المختصة بالاستجابة لطلبه ، فهو إذن وسط بين المنحة والحق ويهدف إلى مكافأة المحكوم عليه على حسن سلوكه ، وإعداده للحياة الحرة في المجتمع ، فمتى توافرت شروطه وجب على الجهة المختصة تقريره لكي يتحقق الغرض النهائي للعقوبة في إصلاح وتأهيل المحكوم علية .

يمتد نطاق الإفراج الشرطي إلى المحكوم عليهم كافة ، أي لا يطبق الإفراج الشرطي على كل شخص لا يتصف وضعه القانوني بأنه ” محكوم عليه” إذ لم تثبت بعد حاجته إلى نظم التأهيل ، ويبرر امتداد نطاق الإفراج الشرطي إلى جميع المحكوم عليهم أنه يستند إلى اعتبارات الردع الخاص،وبالتالي لا وجه للتذرع باعتبارات الردع العام لحظر الإفراج الشرطي عن بعض المحكوم عليهم وذلك لان هذه الاعتبارات قد روعيت على نحو كاف بالحكم بالإدانة وبالمدة التي أمضاها المحكوم عليه في المؤسسة العقابية ولكن لا يجوز إطلاق هذه القاعدة فقد تعرض اعتبارات من جسامة الجريمة أو خطورة المحكوم عليه تجعل الإفراج الشرطي مهدراً للشعور بالعدالة أو مفسداً للردع العام وعندئذ يكون المصلحة حظر الإفراج الشرطي .

تطبيق نظام

هذا النظام على المحبوسين احتياطياً أو المنفذ عليهم بالإكراه البدني أو من سلبت حريتهم بناء على حكم غير نهائي. إلا أن تطبيق هذا النظام يثير تساؤلا عن وضع ” المجرم بالمصادفة ” إذ خطورته قليلة ، وتكفى في تأهيله معاملة عقابية تستمر وقتاً قصيراً ، ويعني ذلك أنه في غير حاجة إلى نظام تأهيلي تكميلي ، وتجيب التشريعات على هذا التساؤل بتطلبها حداً أدنى من مدة يمضيها المحكوم عليه في المؤسسة العقابية قبل أن يتاح له الحصول على الإفراج الشرطي ، وفي الغالب تكون المدة التي يحكم بها على المجرم بالمصادفة دون هذا الحد مما يجعل المشكلة في الواقع غير قائمة.

لا يمتد الإفراج الشرطي إلى التدابير الاحترازية والمختلطة، إذ ليست لها مدة محددة، وهي قابلة بطبيعتها للإنهاء إذا زالت الخطورة الإجرامية دون حاجة إلى نظام الإفراج الشرطي.

الإفراج الشرطي يحقق جملة أهداف ، فهو يحث المحكوم عليه على نهج وأتباع السلوك القويم وذلك أثناء وجودة في المؤسسة العقابية ، كما يهيئ الظروف أمامه لتنفيذ برنامج التأهيل على وجه جيد ، إضافة إلى ذلك فأنه يساهم في أصلاح المحكوم عليه خارج المؤسسة العقابية ، وذلك تمهيداً لاندماجه في المجتمع وتكيفه معه من أجل إعــــــــــــداده للإفراج النهائي عنه .

 كما أن الإفراج الشرطي يعد وسيلة لحث المحكوم عليه وتشجيعه على الالتزام بالسلوك الحسن أثناء الفترة المتبقية من مدة محكوميته ، وذلك لان سوء سلوكه يعرضه لإلغاء الإفراج الشرطي والعودة مرة أخرى إلى المؤسسات العقابية .