hussain-al-hamdany-160x160

الفدرالية بين الدستور والتطبيق – حسين علي الحمداني

النظام الاتحادي المنصوص عليه في الدستور العراقي والذي يمنح المحافظات إدارة شؤونها عبر مجالسها المنتخبة من قبل الشعب يمثل حالة كنا نتمنى أن نصل إليها في أقرب دورة انتخابية بعد سقوط النظام السابق خاصة وإن دستور2005 منح حق المحافظات في تنظيم أقاليم سواء أكانت مجتمعة أو منفردة وفق صيغة الفدرالية والحكومات المحلية التي تهتم بشؤون الخدمات العامة وغيرها ما عدا الأمور السيادية التي تكون بيد الدولة المركزية مثل الدفاع والمالية والسياسة الخارجية،نقول عندما طرحت هذه الرؤى تطير البعض منها ووصفها البعض الآخر بأنها محاولة لتجزئة العراق إلى دويلات صغيرة وبالغ البعض في هذا لدرجة التشاؤم من مستقبل البلد في حينه وهو الأمر الذي جعل الفدرالية في العراق محل(شبهة وشك)ومن يطالب بها لا يجد من يمنحه الشرعية والتصويت على برنامجه كما حصل في البصرة وما قد يحصل في محافظات أخرى فيما لو وجدنا من يطرح مشروع فدراليتها قريبا.

والسبب يكمن إن الوعي العراقي بطبيعته يميل إلى المركزية أكثر من ميله للامركزية بحكم أنظمة الحكم المركزية التي تعاقبت على العراق من جهة ، ومن جهة ثانية إن العقلية السياسية العراقية الموجودة حاليا هي عقلية(مركزية)بدرجة كبيرة جدا لم تتمكن من مغادرة مفاهيم الحكم التقليدية التي عاصرتها وتحاول تقليدها بأي شكل من ألأشكال حتى في أصغر الحلقات الإدارية في مفاصل الدولة العراقية نجد المركزية هي السائدة. الفدرالية والأقاليم وغيرها من المصطلحات التي دخلت قاموس السياسة في العراق بعد 2003 ظلت مبهمة فترة من الزمن دون أن تأخذ مداها الحقيقي خاصة وإن الكثير من العراقيين لم يعرف في حينه بأن الفدرالية قبل أن تكون نظام سياسي هي نظام اقتصادي وخدمي وغايتها الأساسية تحرير الدولة من المركزية وإعطاء صلاحيات معينة للحكومات المحلية في الإقليم أو المحافظة بدليل وجود مجالس محافظات منتخبة من قبل الشعب وهي بمثابة الحكومات المحلية في محافظاتها،وربما لم يشعر البعض بأن هذا من شأنه أن يرتقي بمستوى الخدمات المقدمة لمواطني المحافظات فيما لو توفرت الكوادر الإدارية القادرة على استيعاب واجباتها وتنفيذها بشكل سليم وصحيح . ولكننا وجدنا بأن حتى مجالس المحافظات التي تعمل وفق النظام الفدرالي القائم على اللامركزية نظرت لهذه المهام والمجالس نظرة سياسية وليست نظرة خدمية واقتصادية وادارية وبدل أن تحقق نوع من التحرر الإداري وتجاوز البيروقراطية وجدناها باتت تكبل نفسها بالمزيد من القيود التي تعطل أعمالها بشكل كبير جدا وتحولت هي الأخرى لحلبة الصراع السياسي دون أن تنفذ الكثير من مهامها الخدمية والتي أسست أصلاً لأداء وتنفيذ هذه الواجبات التي تتصل بحياة المواطنين اليومية بل وأنها مسؤولة عن تنفيذ الخطط التنموية في محافظاتها . الآن وفي الأشهر القليلة الماضية باتت الفدرالية مطلوبة من قبل الكثير من العراقيين وخاصة العاملين في مجالس المحافظات وسمعنا أكثر من تصريح بلهجة التهديد بأن المحافظة (س أو ص )”تهدد بالفدرالية”في حال عدم تنفيذ مطالبها!!هذه التصريحات رغم انها تطلق بصيغة التهديد أحيانا إلا إنها تشكل مفارقة كبيرة وكبيرة جداً حيث إن الدستور العراقي كفل هذا الحق، بل لا نبالغ إن قلنا بأنه شجع عليه ومن ثم فإن انبثاق أقاليم في العراق لا يعني بأنه سيكون ضد الحكومة المركزية أو يضعف العراق وينتقص من سيادته ومكانته،بقدر ما أنه سيساهم في البناء الصحيح للدولة العراقية،خاصة وإن الكثير من الدول المتقدمة تتبع هذا النظام منذ عقود طويلة ولنا في ألمانيا وسويسرة وبلجيكا والنمسا بل وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية المثال على ذلك.

لهذا نقول مجدداً بأن الفدرالية أو نظام الأقاليم نظام اقتصادي خدمي إداري أكثر مما هو سياسي وعلى الجميع النظر لهذا الأمر من زاويته الصحيحة لكي لا يفهم خطأ من قبل البعض كما فهم عام 2005 على أنه سيجزأ العراق لدويلات صغيرة وأن يدرك الجميع بأنه حق مثبت في الدستور العراقي، الغريب في الأمر إن من كان يعادي مبدأ الأقاليم والفدراليات بات اليوم يطالب بها وبقوة ولكن هذه المطالبة غايتها إضعاف الدولة وليس بنائها بالشكل الذي نريده والسبب إن البعض ينظر للفدرالية على إنها سلطة سياسية وليست خدمية بحتة غايتها إقتصادية تنموية .

حسين علي الحمداني