التعبير في المشهد الشعري العماني الحديث
قصائد تتجول بين الجبال والشواطئ
عدي ألعبادي
مع انبثاق حركة الحداثة الشعرية في الوطن العربي مطلع الخمسينيات اي كسر الشعر العمودي الذي ظل لعقود طويلة في الساحة ودخول الشعر الحر ظهرت نخبة من الشعراء الذي كتبوا الحر وواكبوا حركة التطور ثم جاءت قصيدة النثر الحداثوية وطرحت نفسها كمشروع شعري مغاير وهي نص مفتوح ولقصيدة النثر كما جاء في الموسوعة المعرفية — إيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، والتي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، والصور وتكاملها، والحالة العامة للقصيدة. وكما يقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج -أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية إن لم يكن أهمهم – عن شروط قصيدة النثر: «لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية» ثم ظهرت الومضة والشذرة وطور نخبة من الشعراء العرب القصيدة العربية وكان للمشهد الشعري العماني حضور واضح من خلال نخبة شعراء عمانيين اختلفت تجاربهم وطرحت انتاجاتهم الأدبية منهم الشاعر سيف الحربي الذي تناول رحلة عمره بفنية معبر عن حالة خاصة به وشاركناه لما في شعر من جوانب جمالية تعنينا نحن الذائقة العامة يقول في احد نصوصه
راكضين بين الشاطئ والجبال
بأرجل حافيةٍ وقلبٍ مكلوم.
كبرُنا مع الجمال والحمير
قُدنا القطيع إلى مساقط الوادي
وشاهدنا القطا تغيبُ مع السراب
نصبْنا شباكاً للثعالب
وأخرى لوعول الغيب،
وحين سافرنا إلى بلدان العالي
لم نجد أثراً للأضحية في ثيابنا
يشكل الحدث جانباً مهماً في شعر الحربي الذي اشتغل عليه لذا تجد نصوصه عبارة عن مجموعة أفكار وأطروحات لانه يهتم بثيمة العمل اكثر من السرد وفي هذا النص المطروح امامنا يصور لنا رحلته من خلال لغة شعرية ومع انه تعدد في الطرح لكنه ظل محافظا على بنية النص والايقاع الداخلي ان هذا التعدد يعود لقدرة الذات الشاعرة عند الحربي فهو بدراما شعرية يوصل لنا الحدث اي ركضه بين الجبال و الشاطئ وجريان عمره مع من حوله من الجمال وغيرها ووضع في خاتمة منتجه الأدبي انه لم يجد الأضحية في ثيابه مكون من ما كتبه قصة شعرية معبر عن حياته وعمله هذا أشبه بقصيدة ارض اليباب او ارض الخراب التي كتبها الشاعر والناقد الكبير تي. إس. إليوت،اما
الشاعرة سعيدة بنت الخاطر صوت نسائي مهم طرحت مشروعها بوجدانية معبرة عن عاطفة جميلة وهي تصف حالها بخيالية خارج عن المألوف لترسم مجموعة من الصور الفنية
تبدّدني ..
فلا أدري بأحوالي
حنيني أنت ..
يقتلني
أنيني أنت ..
يؤلمني
أحدث في الهوى ذاتي
فيعصفني الهوى العاتي
ويقذفني
وفقا لتحليل الكاتب عدنان حسين قاسم في كتابه “الخيال التصويري” فإن الخيال حسب نظرية كولردج “ينقسم إلى نوعين: القسم الأول منه يقوم بوظيفة الإدراك والجمع، أما القسم الثاني فيقوم بوظيفة التحليل والنشر والتجزيء لكي يخلق من جديد”. أما الناقدة إليزابيث درو فترى أن مهمة المخيلة الشعرية تتمثل في “تنسيق الواقع وجزئياته في صور فنية جديدة”. وهذا ما نجده في شعر بنت الخاطر التي تربط الخيال بالواقع بطريقة مقنعة ولا يشعرك ان هناك أي ارتباك في صوره الشعرية التي تصل كاملة مقنعة فهي تصف حالها حتى تصل ان عدم الشعور على حد تعبيرها
( تبدّدني ..فلا أدري بأحوالي ) بوح عن مكنونة خاصة وإيضاح إرهاصات عاشتها الشاعرة ونسجتها شعرا وفق في سياقات كتاباتها انها تقول له (المقصود) في المخاطبة حنيني يقتلني أحدث في الهوى ذاتي
عبرت الشاعرة ببراعة بالتعبير عن مكنوناتها الداخلية وإيصال ما تشعر به اتجاه الحب
خميس قلم شاعر اختار طريقة التعبير بالرمز ولم يعبر بالمباشرة التي تقتل متعة البحث في النص ومحاولة فهمه وكما يقول بيرك يتمتع الأثر الأدبي بشكل بقدرة ما يقود جزءامنه القارئ إلى توقع الجزء التالي وجعله منجذبا إلى السياق وهذا لا يكون مع الشعر الذي يكتب بطريقة رمزية وفيه الكثير من الانزياحات فتكون وظيفة المتلقي فيه البحث وكشف المدلولات اي عملية اشتباك مع النص لفك شفره وفهم رموزه اما الشعر المباشر الذي لا يكون به تكليف فله جمهور عريض وهو يحمل طابع جمالي وأطروحات فكرية معرفية وأشهر كتابه في الوطن العربي نزار القباني واحمد مطر وسعاد الصباح
حول كراسي الموسيقى
إلى الأرواح المُهجّرة إلى ينابيع البياض: دوموا صغاراً
يا صغارُ
ادخلوا ملكوت السماواتِ
أنتم عيالي
ملائكتي القادمون من الأرضِ
أنتم ضيائي الأخيرُ
فلا تكبروا
واخلدوا في النعيمِ المقيمِ
إلى أبد الآبدين
يا صغارُ
أباريقكم تتلألؤ طهراً
وريح الرياحين تسبقُ ضحكاتكم
انزياح ورمزية يسوق من خلالها خميس القلم ابداعته والرمزية حركة في الأدب والفن ظهرت في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر، كرد فعل للمدرستين الواقعية و الطبعانية ، وهدفت إلى التعبير عن سر الوجود عن طريق الرمز. وقد تأثر الرمزيون، أكثر ما تأثروا، بأعمال بودلير ومع احتفاظهم بمبدأ «الفن للفن» فقد سعوا في المقام الأول إلى إعطاء القارئ انطباعاً عن وعيهم الباطن، معتمدين في ذلك على الموسيقى والصُّور الشعرية التي تبرز «أحلام الشاعر الداخلية». وفي ما طرح قلم تبرز حالة التشبيه او البعد عن المعنى الظاهر فهو لم يحدد هوية الملائكة التي تحدث عنها وكراسي الموسيقى ليجعل نصه اكثر تفاعل مع القارئ الذي يبحث فيه لمعرفة لغز الكتابة فالروائي المصري نجيب محفوظ يقول ان لم يكن لديك سؤال فلا تكتب لان الكتابة سؤال
علي المخمري صوت شعري عماني اعتمد في تعبيره على الصورة الشعرية العميقة وكما يذهب الناقد العالمي اميليا كرانسو الى ان الشعر الحديث لا يعتمد على الاستعارات السهلة بل على عملية صناعة الخيال الشاق نجد هذا الشاعر يعطي ضربات حداثوية ذو بعد حيث يقول
لم تكن لدي القدرة
على تخمين اللا مرئي
بدانة الإحساس
تفقد لحظاتي رشاقتها
لا أتقن فن قيادة الأيام
عيبي أنني لا أكترث للعيوب
أنتظر الربيع
لتنضج عناقيد الضوء
المتدلية في حواسي المتعبة
الاحتفاظ بالأسرار
لن ينبت في قلبي الكثير من البهاء
أنتظر عربات ليل
تراكِ زهرةً
يعتني المخمري بالصورة الحداثوية بدقة وتجد مجموعة من الصور في هذا النص فقصيدة النثر تكون حتى الجملة الواحدة بمثابة نص وحده مستقل ففي تعبيره ( تفقد لحظاتي رشاقتها ) كون شعرية لا تنتمي لجملة ثانية في نفس قصيدته بقوله (لا أتقن فن قيادة الأيام ) لم تتوحد الرؤية إذ يمكن التعامل مع كل مقطع على سياق منفصل وتمثل العبارة او الصورة جانب مهم كما هو الحال في مسرحيات حيث
( أكون أو لا أكون تلك هي المشكلة ) وغيرها
نرى ان الشاعر العماني عقيل اللواتي انفرد عن زملائه فيعبر عن واقعيته لكن خاطب (( نرسيس )) الشخصية الأسطورية اليونانية القديمة هو ابن حورية جميلةٍ من حوريات الجبال اسمها “لاروب” من مدينة “ثسبايدي” اليونانية وعندما وضعت لاروب نرنسيس دهشت جميع الحوريات وجميع من رآه من جماله الساحر , لكن ( نرسيس ) كان بداخله الغرور والكبر وأخذ شيئا فشيئا يبتعد عن أصدقائه وأقرانه ويظهر لهم الجفاء وتقول الاسطورة انه وقع في بركة ماء او تحول الى وردة نرجس ومن هنا ظهرت على الغرور كلمة نرجسية يخاطب الشاعرة الشخصية بنص يقول فيه
نرسيسُ
يا وَطناً تشبَّثَ بالرُّؤى
خُذني إليكَ
أنا أنا
و القلبُ أتعبهُ السُّكونُ
و همهماتُ الأمكنة ْ
نرسيسُ
يا نرسيسْ
يا وُجهةَ الماءِ المغطرسِ أضلعي
في صفحته
خُذني إليكَ علامةً
من غابةِ الذكرى
و فُـكَّ طلاسِمَ الوجَعِ / الأنا
نرسيسُ
أتعبني التَّشظي بين أجنحةِ التواضعِ
و الوقارِ الغضِّ .
توظيف جيد استطاع من خلاله الشاعر بناء علاقة بين المخاطب
(نرسيسُ ) وبينه وبحوار مع الشخصية صانع لنا هذا اللوحة فنية ذو إبعاد دلالية ومع ان فكرة العمل ليست جديدة لكنها حملة روح جديدة وليس بالضرورة ان يكون موضوع الجديد المهم الصياغة يقول الناقد العربي الكبير جابر عصفور رائد الحداثة في مصر الشاعر ليس مطالب بفكرة جديدة يمكن العمل على اي فكرة قديمة ولكن بلغة جديدة وكما هو معروف كان الشاعر بدر شاكر السياب مشهور بتوظيفه للأساطير وهذا اللون يعد احد سمات ما بعد الحداثة التي اشتغل عليها ادريد حيث التداخل بين الاسطورة والواقع او عدم واقعية الواقع نفسه او استبدال الخطاب السيداي بالهامشي الخ ان الصعود في نص عقيل اللواتي تبرز ملامحه بقوله
( أتعبني التَّشظي بين أجنحةِ التواضعِ والوقارِ الغضِّ ) حيث استعار فردة اجنحة التواضع وهذا ابتكار شعري جميل وضعه في خانة نصه ان من اهم مقومات الشعر انه يصيبك بالدهشة عند سماعه.
















