العراق السياسي – عبدالكريم يحيى الزيباري
لو أجرينا مقارنة بين السياسة على المستوى المؤسساتي، فيما يتعلق بتنظيم الأحزاب وآلية اشتغالها، ومجلسي النواب والوزراء والوظائف التي يقومان بها، ربما تساعدنا المقارنة على معرفة الذات بمعرفة الآخر.
ففي لبنان نظام جمهوري ديمقراطي توافقي طائفي مع دستور يكفل حرية الرأي والدين وينتخب الشعب ممثليه النواب عن طريق الاقتراع السري كل 4 سنوات، ويثبت التاريخ مدى هَشاشة وفشل هذا النظام، حرب أهلية 1975- 1990أزمة سياسية 2005 حرب تموز 2006 اعتصام 2006- 2008. ولماذا الانتخابات إذا كان رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس مجلس النواب شيعياً ورئيس مجلس الوزراء سُنِّياً؟ هكذا سنضمن بقاء الولاء للطائفة والعرق وليس للدولة، وبذلك نضمن عدم الاستقرار إلى يوم القيامة.
السياسة يعرفها أفــــــلاطون وأرسطو بالعلم العملي، لتمييزها عن العلوم النظرية، لأنَّ السياسة تتضمن الأفعال التي مبدؤها الإرادة والاختيار، ويرى أفلاطون أنَّ الإنسان الذي يختار حرفةً منذ نعومة أظفاره ومارسها لزمنٍ طــــــــويل، فإنَّ بقاءه في تلك الحرفة سيكون أفضل، ومن غير الملائم أنْ يعمل الإنسان في أكثر من حِرفة، ومن المُحال تماماً على الإنسان أنْ يجيد العمل في أكثر من حرفة واحدة، والسياسي لدينا: دبلوماسي، فيلسوف، مهندس، خبير مالي، خبير عسكـــــــــري، خبير إعلامي، خبير قانوني، وشاعر وأديب وكاتب مقالات، وفي الخفاء: تاجر ورجل أعمال وسمسار عقارات وعلاقات… الخ.
في إحدى زياراته إلى العراق، قال بان كي مون في مؤتمر صحفي(على ساسة العراق أنْ يتصرفوا كرجال دولة) وهذا يعني أنَّهم ليسوا رجال دولة، فإذا كانت السياسة هي الجهد المبذول لحفظ الأمن والعدالة والمساواة، فإنَّ ساستنا هدفهم الإبقاء على امتيازات يتمتع بها رؤساء الأحزاب وأعضاء مجلس النواب والوزراء وغيرهم، مع الترويج لصورة كاريكاتيرية للأمن والنظام ووعود تصدير الكهرباء، وتصريحات من نوع: العراق أكثر دول المنطقة أمناً واستقراراً!
في دول العالم للصراع السياسي، شكلان: بين الحزب الحاكم والمعارضة للحصول على السلطة عن طريق إقناع الشعب بأنَّه الأكثر صدقاً ونزاهةً وسيقدِّم خدمات أفضل، وبين الحزب الحاكم والشعب. وللصراع السياسي لدينا، شكلان: بين مجموعتين سياسيتين أيُّهما يحصل على امتيازات أكثر ومقاعد أكثر، وهذا الصراع السياسي يعمل على تأجيج صراعٍ طائفي بين مذهبين من دينٍ واحد، يعترفان بنبيٍّ واحد وكتابٍ واحد، ليس ثمَّة معارضة وليس ثمَّة شعب، ولكلِّ جماعةٍ فرعون شِعاره (ما أريكم إلا ما أرى، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سبيل الرَّشاد).
يقول تعالى(فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) التوبة: 58. وهي صِفة المنافقين، فإنْ أعطوا منها انشغلوا بتكثير أموالهم وأولادهم، وَإِنْ لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا، انقلبوا إلى عوام النَّاس والغوغاء يحرضونهم, ولقد رأيت رؤساء الأحزاب يهددون بإيقاف العملية السياسية إذا لم يحصلوا على المنصب الفلاني، حتى صار لكلِّ رئيس ثلاثة نواب، ويتبجح أحدهم: بانسحابنا ستفقد العملية السياسية شرعيتها. والكلابُ خيرٌ منهم.
ذكر أبو نعيم في (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء). سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ السَّلامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُخَــــرِّمِيَّ الْبَغْدَادِيَّ الصُّوفِيَّ، يَقــــــــــُولُ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ الْمَرْعَشِيِّ، قَالَ: دَخَلْنَا مَكَّةَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فَإِذَا شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ قَدْ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَاجْتَمَعْنَا فِي شَقِّ الطَّوَافِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِشَقِيقٍ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَصَّلْتُمْ أَصْولَكُمْ؟
قَالَ: أَصَّلْنَا أَصْلَنَا عَلَى أَنَّا إِذَا رُزِقْنَا أَكَلْنَا، وَإِذَا مُنعْنَا صَبَرْنَا.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ” هَكَذَا تَفْعَلُ كِلابِ بَلْخٍ “، فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: فَعَلَى مَاذَا أَصَّلْتُمْ؟
قَالَ: ” أَصَّلْنَا عَلَى أَنَّا إِذَا رُزِقْنَا آثَرْنَا، وَإِذَا مُنِعْنَا شَكَرْنَا وَحَمِدْنَا” .
فَقَامَ شَقِيقٌ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: يَا أَسْتَاذُ، أَنْتَ أَسْتَاذُنَا.

















