علاء هاني حدث في فياغرا لبرلماني عراقي

علاء هاني حدث في فياغرا لبرلماني عراقي

سارد يجسّد العجز السياسي من خلال التأويل

حمدي العطار

لا تحتاج سردية علاء هاني الى قارئ يتميز بالوظائف الثلاثة  بالتأويل لكي يتوصل الى تحقيق الذات والافتراض ومن ثم الخيال ،لأن ما يطرحه الكاتب في سرديته هو أقتباس الواقع بشكل فني وهو جزء مهم من ادب الحداثة الذي تفوق على الواقعية الاشتراكية التي ولدت مع ادب الثورة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي والتي قادها الروائي غوركي وايضا تجاوزت اسلوب الواقعية الايطالية التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية،نحن نرى بأن الحداثة هي الواقعية التي تعبر عن تناقضات المجتمع من خلال تطبيق معايير عالمية على النتاج الادبي والفني ،ومن هذه المعايير هي حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والحرية الفردية والاجتماعية والنزاهة والاخلاص والوطنية ،وهذه الخصائص كلها حاول تناولها السارد في مؤلفه ((فياغرا لبرلماني عراقي)) الصادر من دار الجواهري للنشر والتوزيع سنة 2016 ويقع الكتاب في 127 من الورق المتوسط ،والعنوان هو الاكثر أغراء لجذب القارئ ليطلع على نموذج (كاركتر) لشخصية سياسية عامة تمارس ما يعتقد الكاتب بأن القارئ على علم مسبق بكل هذه التصرفات ! لكن أسلوب عرضها وسردها هو هو الوظيفة التي حاول الكاتب ان يحفز قارءه فيها نحو التأويل،و”منذ الاهداء “الى … لاأحد” هو الاستفزاز الاخر بالاضافة الى استفزاز العنوان الساخر!!

*الخلفية والسيرة الذاتية للشخصيات

السردية تقترب من الرواية القصيرة وتتكون من (26) عنوانا ،وهي عناوين تعبر عن طبيعة الشخصيات وأحيانا عن نوعية ووصف الحدث ،وملخص السردية هو رحلة الفساد في عالم السياسة بعد 2003 تتداخل فيها الشخصيات وتتقاطع مع بعضها الأحداث ،محور السردية هو الطمع وليس الطموح ،الطمع في الاستحواذ على المنصب والنفوذ السياسي ومن خلاله للثراء والمتعة والاستغلال ،وتصرف المؤلف بذكاء حينما لم يكشف لنا عن أسم الشخصية التي كانت تشغل “مدير البلدية” فكان يطلق عليه (المدير او الأستاذ) وعندما يترشح للبرلمان يطلق عليه (الدكتور المرشح) حين يعترض على اقتراح مدير حملته الانتخابية- لست دكتورا – يرد عليه (وليد) مدير الحملة قائلا “أستاذ من يقرأ ومن يكتب وكل المرشحين يكتبون – الدكتور- علما أن بعضهم لا يعرف القراءة والكتابة ” ،ثم أخذ يطلق عليه (السيد النائب) بعد ان فاز بالانتخابات ،في الخط العام للسردية تبرز شخصيات كانت إفرازا لمرحلة الاحتلال والعملية السياسية !

(خالد) طالب فاشل ،ضرب مدرسه ،وترك الدراسة، مهمته في القرية كتابة التقارير الحزبية والأمنية للحصول على المال في  النظام السابق ! يصبح في حماية النائب وعشيق لزوجة النائب وحبيب لأبنته “لماذا يناديه الجميع بالغبي ؟ البنت وأمها وأبيها ..لماذا ينادونه بالغبي .. لماذا تناديه الفتاة بالغبي وهي تنام معه في شقة صديقه كل يومين أو ثلاثة؟ وألان لماذا الأم تناديه بالغبي ؟ ترى هل هي مثل أبنتها عطشى للجنس معه؟” وكان حدس خالد في محله  فكانت (حسنة والتي غيرت أسمها الى فرح ) تشكو من العجز الجنسي الذي يعاني منه زوجها (النائب) فبينما كانت تجري اللقاءات والأحاديث في الشؤون السياسية ودور المرأة في دعم الرجل السياسي كانت “تقول في نفسها – ألعن أبو هكذا سياسة وانتخابات التي تصيب الرجال بالعجز الجنسي وتجعلهم مدمنين على حبوب الفياغرا” ،وبذلك أصبحت الأمارتان مدمنتين على الجنس مع خالد فالفتاة أدمنت مشاهدة الأفلام الإباحية عبر الانترنيت ..تشتعل رغبتها لخالد وتستدعيه في اليوم التالي  …في داخله يشعر أن الممارسة الجنسية أكثر أمتاعا مع الأم مقارنة بابنتها،الأم كانت تأخذ الأمر برمته على عاتقها وتجلب معها المشروب والمكسرات والعشاء الفاخر ولا تقتنع بممارسة جنسية واحدة معه وكانت تثيره بكل شيء حركاتها ،ضحكاتها المستهترة،ملابسها الداخلية،صوتها وتنهداتها “-السيدة ترضيه أما الفتاة فيرضيها-

* الداهية في عالم السياسة والفساد والاستثمارات الوهمية

تبرز في الرواية شخصية (وليد )  الداهية السياسية والذي يكرر النائب دائما عبارة ((أكيد أمك نامت مع الشيطان وحملت بك )) شخصية محورية  تلازم الشخصية الرئيسة (مديرا للعقود في البلدية) و(مدير الحملة الانتخابية ) و(مديرمكتب الاستاذ النائب) و(مديرا للعقود في أحدى الوزارات) ويفكر في ترشيح نفسه لعضوية (هيئة النزاهة) ومنذ البداية هو من اوحى لمدير البلدية ان يرشح نفسه للانتخابات مدعيا فوزه في الانتخابات مضمون ! كيف ؟ “أولا لأن عشيرتك كبيرة ومعارفك كثر وأنت سني وأمك شيعية ومن الممكن أن نضيف أن جدتك لأبيك تركمانية وبهذا نكسب أصوات السنة والشيعة والتركمان ،مع بعض الولائم الفخمة والهدايا لشيوخ العشائر فأنك ستعبر عتبة الأصوات نائبا في البرلمان”وهو عراب العلاقة بين النائب والقنصل والسفير لدولة مجارة من اجل تمويل الحملة الانتخابية ومن ثم التحكم بالنائب واصدار الامر بالانسحاب من الكتلة التي فاز معها والدخول بكتلة منافسة أخرى ،وهو من رتب عملية الاستثمار في مجال طبع الكتب المدرسية حينما اصبح النائب في لجنة التعليم ،والاستثمار في الادوية مع الشركات الايطالية ومن ثم يقنعه “بأستيراد كل لوازم المناسبة الدينية من الصين وبالسعر الذي نريد ثم نخاطب سفارتنا للتصديق على ما اشتريناه ولن يمتنع أي سفير أو قنصل عن ذلك وبعد هذا سنأخذ العقود المصدقة للبنك المركزي لنشتري الدولار بالسعر الحكومي ونبيعه في السوق بالسعر الذي نريد”

*شخصيات أخرى تغذي واقعية السرد وتبرير فوز المرشحين

لا يهمل السارد  العمليات الارهابية ودور ايتام النظام السابق من خلال تحالف قوى الارهاب مع البعثيين وضباط النظام السابق المتضررين والحاقدين على العملية السياسية فأطلق على شخصية الضابط البعثي (أبو صدام) بينما على شيخ الدين الارهابي (الشيخ عبد المنعم) اما سائق سيارة الاجرة والمتقاعد حديثا ورب لأسرة كبيرة وفي حاجة الى المال فهو اداة ووسيط نقل للسيارة المفخخة ” لنرى تحول ابو صدام من السهر والخمرة والنكات القذرة الى التظاهر بالتدين فقد “أطال ابو صدام لحيته وبدأ بالتردد على الجامع وتكاد لا تفوته صلاة ألا ويؤديها جماعة في الجامع وتوقف عن لقاء اصدقائه وأنقطع تماما عن ليالي السهر والمشروب لم يعد يبصق على الأرض عندما يمر أحد الملتحين بجانبه وأصبح هو أيضا يلبس الدشداشة البيضاء القصيرة ،تحول من قائد في مجموعته الى أمير في جماعة الشيخ عبد المنعم ولا أحد يعرف الثمن !!شخصية ابو سعيد الفضولي  تمهيدا للتطرق الى قضية الاطباء وابتزازهم والاعتداء  عليهم بالضرب المبرح لأنه أحدهم  “رفض أن يدفع المال لمجموعة حاولت أبتزازه” بينما زملاؤه يلقون اللوم على الدكتور وتصرفه المتهور أزاء هذه العصابات والمجاميع التي لا تستطيع حتى الشرطة ردعها “او التواطؤ معها،وعن الانتخابات وتمويلها يأتي ذكر ابتزاز الأطباء بإجبارهم على التبرع بالمال للمرشحين من خلال تهديدهم ،اما عن تزوير نتائج الانتخابات وملخصها (ملء الاستمارات الفارغة لصالح المرشح في القرى والأقضية ،،ووضع أشارة صح في مربع آخر في استمارات لم يتم اختياركم فيها وبذلك تلغى هذه الاستمارات !! ويكون ذلك مقابل مبالغ مالية للمشرفين على الانتخابات)

* مهام عضو البرلمان العراقي

في سخريته السوداء يحاول الكاتب علاء هاني أن يلخص مهام عضو البرلمان العراقي من خلال المنولوج الذي يحدث فيه البطل نفسه على لسان السارد “أسترسل في أحلام اليقظة ليصل الى دول لم يزرها قط حيث سيشبع نفسه متعة،طعاما فاخرا وجنسا وحشيا يعيده لسنين الشباب ثم سيدعى الى عشاء عمل حيث سيبرم العقود التي تدر عليه الملايين من الدولارات ،أليست هذه هي مهمات أعضاء البرلمان؟؟”

*فوران سياسي واغتراب يمتد من الخطيئة الأولى الى  اللانهاية

استطاع الكاتب أن يجسد شخصياته كنماذج لمرحلة سياسية تمثل الغربة والاغتراب على الساحة العراقية ! حتى يجعل القارئ يتفاعل مع الإحداث ويشعر بالأسى لأن ما يقرأه مع الأسف يحدث ويضر بالنسيج الاجتماعي حتى تختفي خيالية الإحداث لتندمج مع واقعية الأدب ! نعم نجح في خلق تصاعد الأحداث والكشف عن المستور في العملية السياسية منذ العنوان الأول (الخطيئة الأولى) حتى العنوان الأخير (اللانهاية) وهو عنوان مفتوح لجميع الاحتمالات المعقولة وغير المعقولة  -لم تنته القصة بعد فما زال الوحل يتمدد وزادت مبيعات الفياغرا وتم انتخاب النائب مرة أخرى- ورمزية الفياغرا في السردية هي لتلافي العجز الجنسي ظاهريا ام جوهريا فهناك عجز ليس في الجنس بل في كل شيء ،حتى ان البرلماني يبدأ ينتقد قوة الفياغرا برغم من مصدرها الأصلي لعدم أحداث التأثير الايجابي ،والعيب ليس في الفياغرا بل في البرلماني العراقي!!