شبكة الإتصال والثقافة العربية
من الظواهر الإيجابية لشبكة التواصل الاجتماعي انها اتاحت للادباء والكتاب والاكاديميين العرب المزيد من فرص التفاعل والتقارب، وعززت من وحدة الثقافة العربية، ومن تبادل الخبرات والتجارب بين المثقفين العرب دون حضور قوي وفاعل للسلطات والحكومات العربية، ودون الاستناد الى خططها وبرامجها السياسية والثقافية، فاذا كانت فرص العلاقات والتواصل بين المثقفين العرب تستند في المراحل السابقة على تقارب الحكومات في اقطار معينة، وعلى ما يمثل هذه الأقطار من ادباء وكتاب واكاديميين فان شبكة التواصل الاجتماعي اتاحت لهؤلاء الادباء والكتاب والاكاديميين التواصل والتفاعل وتبادل الخبرات والتجارب بعيدا عن السلطات والحكومات، او بدور محدود لهذه السلطات والحكومات، ومن الممارسات الدالة على ذلك ان أي مثقف يمكنه الاطلاع على نتاجات وتجارب المثقف الاخر دون وسائط سياسية واقتصادية مكلفة، وان يتعرف على ما أصدره من كتب ومؤلفات، وان يكتب عن هذه الكتب والمؤلفات وان يصدر كتابا عنها.
ولقد اطلعت على الكثير من الدراسات والبحوث والمقالات التي كتبها نقاد ودارسون وباحثون في اقطار معينة عن نتاجات ومؤلفات ادباء وكتاب في اقطار أخرى، واطلعت على حوارات اجراها ادباء وصحفيون في اقطار معينة مع ادباء وكتاب في اقطار أخرى، بل اتاحت وسائل التواصل الاجتماعي لمجلات وصحف ذات اتجاه قومي ان تعزز من هذا الاتجاه، وان تجمع بين الادباء والكتاب العرب على صفحاتها، وان تحقق على هذه الصفحات عمق وتجذر الثقافة العربية ومواكبتها للتطور، وانحيازها الدائم والمتواصل الى وحدتها رغم تحديات التجزئة والانقسام بين الأقطار العربية، ورغم التوظيف المتعمد للثروات والطاقات في خدمة التجزئة والانقسام، وفي خدمة السياسات القطرية التي تستند الى ما اوجده الاستعمار من كيانات جغرافية. ومن المظاهر الدالة على انحياز المثقفين العرب لوحدة ثقافتهم العربية ان المجلات الصادرة عن الجامعات العربية اخذت تنشر بحوثا ودراسات كتبها اكاديميون عرب في اقطار أخرى وهي مجلات اكاديمية مُحَكّمَةْ، يمكن النشر فيها لأغراض الترقية العلمية، الامر الذي يؤكد ان الجامعات العربية تتوفر فيها الكثير من عناصر وامكانيات البناء الثقافي القومي العربي، وانها يمكن ان تعزز من هذه العناصر في اية فرصة تتيح لها ذلك، وان يغلب عليها التوجه القومي رغم وجودها في كيانات جغرافية ذات سياسات قطرية، ورغم ما تحمل من تسميات دالة على ذلك، بل يدل على ذلك ان الثقافات القطرية مرشحة للتراجع والانحسار في المقارنة بالثقافة العربية الحاملة للهوية القومية، والحاملة لجذور الاصالة والانتماء، والتاريخ القومي والقادرة على التنوع، واضفاء الوحدة عليه وعلى ما تضيف له التطورات والمتغيرات من تنوعات جديدة. ويمكن القول ان الدراسات والبحوث الجادة التي ينجزها الباحثون والدارسون العرب الاكاديميون وغير الاكاديميين لا تأخذ مداها الواسع وتميزها المبدع دون امتلاك حضورها في الاطار الثقافي والعلمي العربي ومن غير ان تكون ذات إضافة وذات تميز بالمقارنة مع البحوث والدراسات العربية، ذلك ان الكيانات القطرية لا تمنح ميزات الابداع والتميز لوحدها وبمعزل عن الثقافة العربية، وانما هي تمنح هذه الميزات في اطار الثقافة العربية، وما افرزت من معايير وقيم يتم الرجوع اليها، والاحتكام لها. ومن الملاحظ ان الأقطار التي تحاول تقديم نفسها من خلال العمل الثقافي انما تحاول ذلك من خلال الثقافة القومية وليس من خلال الجانب القطري فقط، وذلك ما تدل عليه ظاهرة المسابقات والجوائز الثقافية، اذ انها تطرح على الصعيد القومي، وان يشارك فيها ادباء وكتاب من اغلب او جميع الأقطار العربية معززة بلجان للقراءة والتقييم يتم اختيار أعضائها من عدد من الأقطار العربية، بل ان الأقطار التي تقف وراء هذه المسابقات والجوائز تحاول من خلالها اكتساب مكانة سياسية تعوضها عن صغر مساحتها الجغرافية ومع أهمية المكاسب التي خلقتها الثقافة العربية من خلال شبكة التواصل الاجتماعي، الا انها ما تزال محددة بالطابع الشخصي، وقد تحقق علاقات منتجة لندوات ومؤتمرات وبحوث ودراسات بين الجامعات العربية والمثقفين العرب في بعض الأحيان، الا ان ذلك لا يتم في اطار خطط وبرامج مستمرة ذات افق ستراتيجي، وذات انفتاح على التجارب والخبرات، والتبادل العلمي لها وتعزيزها بمبادرات مشتركة من شأنها تعزيز وترسيخ وحدة الثقافة العربية. ان الجامعات ووسائل الاعلام والصحف العربية تستعين بما يماثلها والاستفادة من المقالات والبحوث والدراسات المنشورة فيها، والمطلوب ان يتعزز ذلك بالنشر المشترك أي ان تقوم مؤسسات الثقافة والنشر في اقطار معينة بنشر ما ينتج من كتب ومؤلفات في اقطار أخرى، وان تبث عبر مواقعها في شبكة الاتصال اخبارا وتقارير وعروضا عن هذه الكتب والمؤلفات. ومن الضروري ان تعقد مؤتمرات وندوات عن الجامعات العربية وشبكة الاتصال الاجتماعي يتم فيها دراسة وتحديد طرق التواصل السريع والمنتج بين هذه الجامعات واستفادة كل جامعة من الأخرى، وإمكانية توحيد ما يمكن توحيده من نظم ومناهج، وذلك ما ينبغي تحقيقه بين الاتحادات والمنظمات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني.
رزاق إبراهيم حسن


















