فينك يستخدم التشبيه والإستعارة – خاطرة بين المسافات – عصمت شاهين الدوسكي

فينك يستخدم التشبيه والإستعارة  – خاطرة بين المسافات – عصمت شاهين الدوسكي

يصغي الشاعر إلى أصوات خياله التي ينتقل فيها من صور أيام طفولته إلى شبابه وحاضره، يتوقف هنا أو هناك،كقطار له محطات، يقف فيها، فهو يسمع أصواتا كثيرة بانتظام أو كهدير تيار منطلق، لكنها كلها أصوات ممتزجة في صوت واحد، هو صوت الخيال، الشاعر النمساوي يوسف فينك Josef Finkمن الشعراء الذين تجول في مختلف المهن الفنية والروحية، واستلهم منها العديد من الأفكار المتوجة من خيال راقي بالحب والأمل والحياة، فقد عمل الشاعر يوسف فينك رساماً في بحر من الخيال الملونة المختلفة،الهرمونية، الزاهية، القاتمة، المتفائلة،وراهبا ً في خيال الروح المتعلقة في محراب الله، وكاتبا ً، متقنا ً قدرية الكتابة الملحة التي منبعها جمال الخيال الجامح الذي يفرض نفسه، في أي وقت كان، وفي أي زمان كان، ومصوراً، يعكس رؤية الخيال في زوايا الظل والضوء بوجوه أتعبها الخيال من الخزين المتراكم من الذكريات، أو وجوه تجلت برؤى الحياة، المنفعلة ذو طاقة، بلا حدود، وقد أبدع في كل هذه المجالات الفنية التي ملكتها الخيال وأصواته المختلفة، ومن خلالها حصل على جوائز عديدة، كميدالية مدينة غراتس الفنية وجائزة مقاطعة شتايا مارك لمدينة كوفلاخ الفنية وغيرها، كان الشاعر يوسف فينك في محنته العاطفية، يصور أصوات خياله برموز متقنة الاختيار، حيث يعني معنى الألم الداخلي، الذي سببه (السهم) الصادر من تناقضات الحب الذي تجمعت كلها على شكل سهم، ينطلق بقوة،لكي ينغرس في الأعماق،لكي يصور المشهد المؤلم للحب،وحقيقة الحب،التي تمكث في خيال الشاعر،بيقظة صوت الألم الذي يحس به، المنغرس في الأعماق .

((أنت كالسهم

  منغرس في دواخلي

  تؤلمني دائماً))

استخدم الشاعر صوت السهم وصوت الألم،وهما صوتان أحدهما فكري والآخر حسي، وكلاهما يصبان في مشهد درامي مؤلم،وهما يمثلان الحقيقة التي عنها الشاعر،الحب في حياة الشاعر له ميزة خاصة،فقد يدفعه في شعره الى عالم التشبيه والاستعارة،وهما من علامات التعاطف والحب، ويبقى على الشاعر أن يعرف بوعي، كيف يستخدم وبنجاح عالم التشبيه والاستعارة في مكانها الصحيح، الفاعل المؤثر، فهو عندما يختار (السماء) الواسعة والجميلة، والنقية الصافية، ومن ثم الـ (سحاب) الابيض التي تصور كأنها سجادة بيضاء في السماء، وتجواله بواسطة السحاب البيضاء بلا شك يبتعد عن (السقوط) ما دام يمتع الخيال بمن يحب، وهذه قوة خيالية، لكن بصوت هادئ من السماء والسحاب .

((أنا أتصور

  بوسعي أن أتجول معك

  عبر السماء والسحاب

  من دون خطر السقوط))

يبعد أثر السقوط،وكيف يسقط وهو مع من يحب ؟ وهي قدرة الشاعر يوسف فينك أن يقيس أهمية حقيقة التشابه وعمقه الذي عليه يبني صوره الشعرية، إن كان في عالم الملموس لطبيعة الإنسان العاطفية،او طبيعة القوة الخيالية، فهذا التشبيه الذي اعتمده الشاعر ليس مرعباً أو سرياليا ًبقدر ما، فهو لم يصور مثلاً امرأة وفي نهديها عينان، أو كرسي يطير بجناحين في الفضاء، فإن السرياليين يختلفون في صورهم الصلبة، في خيال الشاعر يوسف فينك أصوات لينة، حالمة، نشعر من خلالها بالعاطفة الخيالية، التي تعطي أهمية لما هو متوقع أو غير متوقع، فصورة (القميص) تعطي بريقا ً موحيا ُ (للجسد)، خلق صور شعرية من أي شيء ممكن بشرط استجابته الخيالية لهذا الشيء بقوة وتأثير، بما فيه الكفاية، مثلما يهتز الشاعر عاطفيا ً بصوت العاصفة، فهو يهتز عاطفياً في رؤية أضواء الشموع، رؤية الدموع، حتى الصمت له صوت مدفون،فهنا القميص له صوت العاطفة، صوت الحركة الخيالية (كي ترتديه أحياناً) وهي استجابة خيالية للجسد، على الشاعر أن يعرف أبعاد التشبيه، بصورة كافية، لكي يأتي رسم القصيدة، لأن الصورة الشعرية لا تصور نفسها وهذا ما أدركه،وهذا ما أدركه الشاعر يوسف فينك في القوة الخيالية، العاطفية .

((أنا أهديتك قميصا ً

  أرتدي عدة مرات

  كي ترتديني أحياناً

  على جسدك))

  إن الأشياء المنسجمة،المتكاملة، يمكن استخدامها مجازاً، خاصة إذا كانت مألوفة بصورة كافية، فهي تتخذ لها مكاناً فاعلاً في ميدان الوعي، ولكن يطرأ سؤال هنا،تكون مألوفة عند الشاعر أم القارئ ؟ وبشكل عام أن تكون مألوفة عند الشاعر والقارئ معاً، وقد يشير القارئ إلى مقطع ما، ويقول الله، الله، الله، وفي مقطع آخر لا يستطيع استيعاب الفكرة، أو الشيء، لكن عند الشاعر صور واضحة في المقطعين، وهذا شيء طبيعي أن يكون الشاعر أكثر يقظة، وإحساساً،إدراكاً من معاصريه،فإن لم يكن كذلك فهو غير فاعل، لا خياليا ً ولا عاطفياً، ولا معالجاً، للتناقضات الواقعية في المجتمع،فالشاعر عليه يرى أن الصور غير المرئية، برؤية معاصرة، واضحة، منسجمة، ومؤثرة، استعمل الشاعر يوسف فينك،صوت الخيال، وصوت العاطفة، بذروتها، وصوت الأشياء المنسجمة،مع بعضها، بتركيز عالي وإيحاء جميل، يلقي الضوء على الأفكار الراقية،والصور الخيالية، الواقعية المؤثرة .

***** 5

الشاعر يوسف فينك

– ولد الشاعر عام 1941 م في ايبسدروف بالقرب من مدينة غـــراتس .

– عضو نادي القلم العالمي

– عضو رابطة اتحاد أدباء مقاطعة شتايا مارك .

–  عمل الشاعر يوسف فينك رساماً، راهباً،كاتباً، مصوراً،وقد أبدع في المجالات التي عمل فيها .

–  خلال مسيرته الأدبية حصل على جوائز عديدة منها : جائزة مدينة غراتس، ميدالية مدينة غراتس الفنية،جائزة مقاطعة شتايا مارك لمدينة كوفلاخ الفنية وجوائز أخرى .

– أصدر عدداً كبيراً من الدواوين الشعرية ومنها : ديوانه (دائماً وأبداً) قصائد عشق .

– عمل الشاعر فترة طويلة في المركز الثقافي (مينوريتن) في غـــراتس .

– توفي الشاعر عام 1999 م .

—————-

   المقاطع اخترتها من كتاب الأرض والإنسان – قصائد حب نمساوية – ترجمة الأديب بدل رفو – دار الزمان للطباعة والنشر 2010 م دمشق – سوريا .