نستقي حكايات بيض من عمرنا الأسود – نصوص – عبد جبر الشنان

الروائي والشاعر نعيم عبد مهلهل :

نستقي حكايات بيض من عمرنا الأسود – نصوص –  عبد جبر الشنان

الكتابة فعل خلاق ومبهر يجعل جوهر الاشياء مرئيا كما يقال. بلغة ثرية ومبصرة استطاع الروائي والكاتب نعيم عبد مهلهل ان يلامس روح الموجودات ويبث فيها من عندياته سحر والفة حميمية زادتها رقي ومنحتها بذخ التسامي الشعري وبالمفردة المكتنزة وحدها جعلك ترى وتشم عبق النسغ المتهادي في جسد الموجودات المبثوثة من حولنا وكأننا نصطدم بها لأول مرة ونحتضن لذة الاكتشاف الأولى ونعي حريتها . كيف اصفه؟ انه لا يتوانى في القبض على لحظة حب باذخ , الكتابة لديه مثل الحياة او مسألة شخصية او ربما كما يقال مثل مصير فردي ,يكتب بهدوء كمن يريد اعادة تعريف الموجودات و الاشخاص من جديد بل انه يتعقب آثار الذين غادروا من الصحب و أولئك الذين يستيقظون بصمت قرب الالم و يختلطون بعتمة الموت …… دائما يلملم شقاء ليله وينام باكرا في زحمة من مساء و ود فسيح يتساقط من كلماته . الكتابة لديه متكئة على الرهافة وبنية كلماته مكثفة من شذرات , انه يكتب بإنصات شعري مدهش و بتلقائية منسابة دون سبق اصرار وترصد . كتابته مثل عطر عالق بثياب بهجة , يبحث عن المدهش و اللا متوقع انه يصطاد المفارقة من خلال خلق علائق جديدة مع الكلمات ودائما يؤطر نصه ببعد معرفي جدير بالتأمل.

عتبة الثراء

{ امضيت عمرٍكَ بصحبة الكتابة حتى وصلت الى عتبة الثراء اللغوي والتنوع الكتابي ؟

نتساءل من ايقظك من هؤلاء الكتّاب وتلك الكتب ,من اوقد جمرتك الأولى؟

ــ حتى تصبح كاتبا عليك في البدء أن ترتدي قميص أحدهم . فالموهبة هي مكتسب غيبي يأتي من دون أن ندعوه ، ولكنه حتى يصبح مميزا عليه أن ينظر الى شاخص أو تقطه ضوء تريه اسرار كل المسافات التي سيعبر اليها مع هواجسه ونصوصه.

كان ابي وجلباب الفقر الذي يرتديه أول شواخص تنمية موهبتي ، ثم اتت شهرزاد ومجلات الطفولة ثم الرومانسية برواياتها وأفلامها السينمائية وغير ذلك أظن أن نوع البيئة وخصوصيتها هي من تصنع لنا جهات اليقظة التي نذهب اليها لنتعلم ونعرض بضاعتنا .

وفي النهاية علينا أن نعتقد أن الرموز التي نصادفها في الحياة والكتب والأساطير هي من بعض حوافز تنمية الصنعة فينا ، وفي النهاية عليك أن تدرك بمهارة أن هذا الرمز ليس أنت .أنما ما يجعلك لاتشبه هذا الرمز هو من يجعلك كاتبا حقيقيا.

الكتابة بدون عمر قلق لن تمتلك المتعة ، لهذا اعتقد أن قلق اعمارنا المتشكل بأساطير الحزن السومرية والحروب ومجاعات الف حصار وشهية سماع الاغاني التي تنسجها حناجر امهاتنا كانت هي حقائب صحبتنا في هذا العمر الكتابي ، وربما بسبب كل هذا استطعنا أن نكون كتابا بخصوصية ما عشناه وليس بخصوصية من تأثرنا فيهم.

{ المكان طاغٍِ في اغلب ما كتبت, هذا الافتتان بالمكان و التماهي فيه دون اقحام و الاشتباك معه والاسترسال في منادمته وهتك اسراره بتلك اللغة الشفيفة التي هي اقرب الى الاستبطان ……عقب على هذه الرؤية ؟

– أعشق المكان منذ صباي عندما قرأت لأول مرة كتاب غاستون باشلار ( جماليات المكان ) ، وقد شعرت أننا بدون أمكنة تحمل عطر كل حياتنا لن نستطيع أن نصل الى ما نود الوصول اليه ، لهذا كان المكان الزاوية التي امضي من خلالها الى كشوفاتي وتعاملي مع الازمنة والشخوص ، وكنت أشعر أن المكان وذكرياته ومؤثراته هو من يؤشر ببوصلة الحنين لاستعادة وتأليف ما كنت امينا له عبر عمر الكتابة (القصة ، الرواية ، القصيدة ـ المقالة النقدية والعمـــود الصحفي).

الأمكنة هي من بعض مفاتيح السر في ما أنتجه من أدب ، وأظن أن المكان هو الظل الحقيقي لأي لحظة نعيشها ، وتخيل الكتابة بدون مكان يحدد هويتك وانتماءك ومزاجك تبدو كتابة باهتة ولن تمتلك ذلك البريق الذي يجعل ما تشهره وتدونه بقيمة وأثر.

يطغي المكان على كتاباتي لأن أشعر بهيمته وتأثيره في أدق ما أشعر اتجاه هذا العالم ، فبدون المكان تبدو الرواية مثل الثوب الممزق ، وأظن ان الامكنة بخصوصيتها (المدن والمقاهي ودكات البيوت ، ملاجئ الحرب ، سرير النوم ، حقائب محطات السفر ) تشكل ذاكرة حية للنص الروائي والقصصي وتبدو مجسدة بشكل دقيق ، وربما في القصيدة ترتدي شكلا اخرا لتكون ضبابية وحسية ومنوه عنها بالرغم أن المكان داخل القصيدة يشكل دهشة خاصة عندما يكون هذا المكان جسدا لأنثى او وردة أو وسادة أو اريكة تغرق في الاحلام.

في النهاية المكان يطغي علينا لأننا نعتقده بوصلة الوضوح الى معنى ما نتمنى أن نكتبه ونبدع فيه.

{ هل بالمستطاع ان يقال انها تأثيرات السينما وهي من خلقت تلك الالفة مع الاشياء ؟

 ــ أجبت على هذا السؤال بكل تفاصيله وهواجسه في كتاب صدر لي قبل عام وكان بعنوان ( روايات طفولتنا الهندية ) ، لهذا مع متعة سؤالك هذا سأهتصر الجواب كله في هذه الخاطرة لتريك مدى تأثير السينما في حياتنا نحن ابناء الناصرية من خلال بناية تحولت اليوم من مكان لعرض الخواطر الساحرة الى معمل للنجارة ومخازن لصفائح الحديث وهي سينما الاندلس الشتوية:

تقع بناية سينما الاندلس الشتوي في مدينة الناصرية ( 360  كم جنوب العاصمة بغداد ) ، وشمالها بـ 15  كيلو مترا تقع مدينة اور المقدسة والتي كُتبَ فيها اول حرف للكتابة في تاريخ البشرية وفيها ايضا ولد النبي ابراهيم الخليل كما ورد في التوراة : انا بعثناه من اور الكلدان .وفيها ترعرع ومنها هاجر الى حوران ومصر وفلسطين ومكة .

هذه السينما كانت تشكل اهم شموس الوعي في ذاكرة اجيال الستينيات والسبعينيات والخمسينيات وفيها عرضت اروع الافلام في تاريخ السينما العالمية حيث لم يكن لدى الناس في المدينة اجهزة تلفاز سوى في بيوت عشرٍٍ من منازل اثرياء المدينة .لأجل هذا تعتبر هذه البناية أثراً وأرثا وطنيا وحضاريا وثقافيا ومعماريا لتاريخ المدينة وصاحبة فضل في خلق الوعي والجمال وحافز الابداع والانتماء لكل شبابها .فعلى مصاطبها الخشبية الطويلة شاهدنا روعة الحلم تحت اجفان اجمل الممثلات : مارلين مورنو .هند رستم ونادية لطفي والخصر الساحر للراقصة تحيا كاريوكا وسامية جمال ونجوى فؤاد .والاغراء الملتهب في جسد القطة برجيت باردو والسحر المدهش في عيون صوفيا لورين ورومي شنايدر وكل فاتنات السينما وانغام الاحلام الملتهبة في الافلام الهندية اليتيم وسنكام وجنكلي وأم الهند وأفلام هيركليس والكابوي رنكو وجانكو ورعشة موجة الأفلام اليونانية والتركية والسويدية والفرنسية وغيرها ….

اليوم تعرضت هذه البناية الى تخريب وتهميش وتحولت الى معامل نجارة ومخازن حديد وأصباغ ، وكان على الدولة الاتية مع احلام العولمة أن تفكر في هذا المَعلمْ الحضاري والمعماري المهم وتشتريه من مالكيه وتعيد اليه بهاء الامس .واذا يعتقد البعض ان السينما حرام فليحولوها الى متحف او كاليري يعرض لذكريات وعي المدينة واحلامها من خلال كل بوسترات الأفلام التي كانت تعلق على جدرانها وحيطان بيوت المدينة أو تلك التي كان يرفعها المرحوم ( كوزان ) على قطعة خشب ويفر بها شوارع المدينة محمولة على الاكتاف أو على عربة بحصانين ( الربل ).

بالأسى المكان الآن كم هو كئيب وكم من الذكريات تنتحر عند عتبة باب بنايته المخربة…كم دمعة تطفوا على نهر الذكريات عندما يمر أحدنا أمام البوابة الهرمة لمبنى السينما وهو يستذكر عمره في مراحل الطفولة والصبا والشباب حيث لم يعد هذا الجيل يفكر مثلما نفكر نحن ولم تعد تلك النشوة اللذيذة التي كانت تسكننا ونحن نتسمر أمام شاشة السينما مسكونين برومانسية وحزن وترقب ، بينما تُفتقدُ تلك اللذة عند الأجيال الجديدة بعدما تعدت الفضائيات الالفي قناة في عشرات الاقمار الفضائية ضمن فضاء مساحة البث العربي .

سينما الأندلس في مدينة الناصرية ، هي واحدة من مشابهات اخواتها السينمات في عموم العراق ومنها سينمات العاصمة ، وكأنهم يقصدون بذلك الاجهاز على واحدة من نوافذ تاريخنا المعاصر عبر هذه الامكنة التي شكلت حاضنة وعي ومصدر ثقافة مهم للأجيال من العراقيين منذ افتتاح اول دار سينما في العراق والى اليوم .

سمو روحي

{  احيانا يصدمك الهامشي المشتت و المبثوث حولك في الارجاء ,هل ترى ان هؤلاء المختلفين يُشيرون الى ان الاغتراب سمو روحي يسيطر على المرء عند احساسه بعدم التوافق الوجودي مع المكان؟

 ــ هذا سؤال سريالي ، ولكن لن أجيب عليه بطريقة سريالي بل سأفكك مشفراته بوضوح ما اشعره أتجاه الهامشي الذي تزخر به حياتي ويكاد يكون هو الآمر والناهي .

فأنت هنا تذهب بي الى مشاعر البعض في الاغتراب عن الامكنة التي يعيشون فيها ، وبعضهم يشعر أنه مغترب حتى في السرير الذي ينام عليه ـ وأظن ان هذه الازمة الحضارية يعيشها الجميع وخصوصا كتاب الشرق ، وهذا حاصل بتأثير قساوة ما يعانوه مع الانظمة او النظرة المجتمعية القاسية او ما يفرضه الفقر او التخلف أو العسس.

هذا الهامشي هو ليس الضد الذي يشعرنا بضرورة خوض حرب طروادة ثانية معه ، لاننا لو احسسناه بهكذا رغبة لارتفعت قيمته ، بل هو مجرد كائن هجين اتت به الظروف التاريخية ونفايات ما تأتي به العولمة التي لها صورتين من الرؤى .والنصل ذو الحدين ، وعليه نحسب الهامشي الآن انه الطفيلي الذي يعيش عصره الذهبي وتلك معضلة وباعث حزن بالنسبة لنا ، فأنت تراهم في كل مكان ، وزراء وكتاب وصحفيون ومدراء عامون ولصوص بورصات ونواب برلمان واصحاب صحف اسبوعية ويومية ، ولن تستطيع ابدا ان تزيحهم ـ لأن الهامشي المبثوث في اعمق نقطة في الجسد المجتمعي لا يملك رد فعل اتجاه رفضك له سوى ان يمنح رأسك رصاصة من كاتم الصوت ، لهذا تفضل أن تكون مع نفسك ، تكتب وتسعى لتغيير حتى لو بأضعف الايمان .بالنسبة لي هؤلاء الطفيليون بعيدون عني ولا احب ان ادير نقاشا مع أي واحد منهم ، ولكن مصبوغ بلون الحزن بسببهم لأني اشاهدهم يهدمون تلك الذائقة النادرة والقليلة التي كان ينظر اليها المجتمع باحترام وتبجيل ، وربما تصفح لساعة في الفيس بوك ستجد ان هناك مئات من الاناث المتخلفات يحملن هوية نقابة صحفيين .ومعهم يحملون ذات الهوية أناس اخر بعضهم سواق تاكسي وبعضهم يشتغل بودي كارد لمطرب أو رئيس تحرير صحيفة وآخر ربما هو نادل نادي أجتماعي.

تلك معضلة يا صديقي تحتاج ليس الى سمو كبير لتبتعد عن تأثيرها ، بل تحتاج في بعض المرات الى عزلة ناسك في دير أو تكية صوفية.

{ نراك احيانا بصمت مريب تؤجج صخب المكان المُنفعل لتستفز مخيال الامكنة الواقعية و التي بعضها لم يجرؤ احد بالاقتراب منها الا انك تسير بمحاذاتها وتقتحمها , أ هو تحريض منك لتحصين ذاكرة التاريخ من الضياع؟

 ــ  حتى تصل عليك أن تطيل التأمل والصفنة ، هذه ليست وصفة طبية وشعرية من شاعر هايكو ياباني ، بل هو ما أشعر فيه أنا أزار ما أراه أمامي وأشعر فيه بروحي .

نحن لا نؤجج الأمكنة ، بل الأمكنة هي من تفعل ذلك ولكني معك أننا نحتاج الى الصمت بأي شكل من اشكاله لنستطيع تأدية رسالة تسكننا من خلال ما نكتبه ونبدعه ، وحتما شكل الصمت وطبيعته وذائقته هي من بعض خصوصيات الكتابة وتميز المشتغل فيها .

تحويل الواقع الى فنتازيا وبالعكس هي من بعض المهام الجليلة التي ينبغي أن نمتلكها لنتمكن من محاكاة العالم والسعي الى التغيير صوب الافضل ، وكل هذا يحتاج الى تميز في اتقان الحرفة وصقل الموهبة.

أظن أن وعي الكاتب يرتبط اولا بما يمتلك من ذكريات عن تلك الامكنة والتواريخ التي يشعر انه ينتمي اليها ، وبما اننا في الحصيلة الابداعية نتاج لموروث ما فأن الاستفادة من هذا الموروث ينبغي ان تمر من خلال تطويره والسير في محاذاته والنظر اليه كملهم ومرجعية ونهر نغرف منه موجة للعطش الذي يسكننا حين نشعر بالرغبة لإنتاج نص ما.

أنا أحضن الرؤيا من خلال التعامل الحذر مع المكان التاريخ وحوادثه وتأثيراته ، وأظن أن الامر ليس بالهين أن يكون امامك ارث وحضارة والواح طينية وعليك ان تأخذ منها ما يعينك في انجاز النص . فأن فعلت ذلك بحرفة النقل كما هو فأنت سارق ، لهذا كنت في كتاباتي التجئ الى تلك الامكنة وتراثها ولكن بالاستشعار وليس بالاستنساخ والتقليد لأكتشف ان السير بمحاذاة النص القديم واستشعاره وتقريبه الى الواقع ، فهو يمنحك القدرة على انتاج حداثة وخصوصية تشير اليك أنت فقط.وبهذا تكون أنت قد حرضت ما في ذاتك لإنتاج نصا جديدا من خلال نمط حسي وروحي يثير مع المكان القديم علاقة المودة حتى لو كان الأمر من خلال الايماءة والمشفرة وتفسير النص ولوح الطين كما تراه انت وليس كما يراه عالم الأثار والمنقب.في النهاية أشعر أنني أفعل كل هذا حتى ابقي التواريخ التي انتمي اليها محصنة بروعة ذلك الجمال الازلي الذي تمتلكه منذ طقوس عبادة الزقورات والى اليوم.

اهوار باذخة

{ الغور في التاريخ السومري وفتنة الاهوار الباذخة لقد حولته من الاشارة والايماءة الى عمق جديد في النظر للإنسان العراقي و اعادة قراءته, كيف يمكن النظر الى ابحارك الخاص في ذلك؟.

 ــ مرة أخرى تحيلني الى المكان والزمان وما يمتلكان من فتنة.

أشعر أن الكاتب ينبغي أن يحس بالغرام قبل ان يصنعه ويكتب عنه ، وأظن ان البيئة وذكريات المكان ، وما تخزنه مشاهد طفولة الجنوب الريفي الفقير هي واحدة من اكبر محفزات نمو هذه الفتنة والقدرة اللاحقة على صناعتها وتصديرها في نص ادبي (الرواية ــ القصة ــ القصيدة ــ الخاطرة ــ أدب الرحلات ) وكل تلك الأفعال تحتاج الى غور عميق حتى تستطيع ان تجعلها موقدا للجمال وليست بقايا لرماد حسرة ما .

أظن أن سومر بالنسبة لي هي البدء الابداعي في ذاكرة انتمائي للتراب الذي ولدت عليه. وهي الابد الذي يسكننا في خلود لحظة الكتابة ، عندما يشعرك هذا الانتماء وتلك الاساطير وعطر الطين أن الحياة التي كانت هناك ينبغي ان تمنح حسناتها للحياة التي تكون هنا من خلال امتداد خطوط الاحساس بالأشياء التي كانت تبتكر للعالم طرائق ساحرة لصنع خيال الوجود والارتباط بالسماء من خلال خواطر الالهة ودمى الطين ورحلات جلجامش.أنني افترض أن سومر هي نافذة التأمل الى العالم الواسع ، لهذه منذ أول نص كتبته عن أور والذي عنوانه ( حبة رمل في أور ) كنت اشعر أن اجفاني وقدماي أينما تكون فأن طرف جفنها يرنو الى تلك الطلل والزقورات والامكنة التي كانت الالهة عشتار تكرع فيه خمرة الغرام وكتابة القصائد وعزف الموسيقى.والاهوار تلك الفتنة الساحرة هي من بعض ارث المكان السومري وخصوصيته عندما يحسسنا التأريخ أن الاهوار وايشناتها كانت مهدا وموطنا للكثير من السلالات السومرية.أنها عملت في الاهوار ، وصرت عاشقا لها ، وربما انا الوحيد في هذا العالم من كتب واصدر عنها اكثر من ( 6) كتب وبينها سيناريو سينمائي ، وكذلك ساهمت بإصدار اول مجلة عن الاهوار من خلال دعم وزير الموارد المائية الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد وكانت بعنوان (الاهوار ) صدرت بدمشق وتوقفت لظروف انتقالي من دمشق الى اوربا.أظن أنني أبحر في عالم أحبه بطريقة لم يسلكها غيري ، فأنا لا أمل وأتعب وأضجر من الكتابة لذلك العالم الذي كل جدرانه وسقوفه من الطين والقصب وأظن أن كتابي الجديد ( المعدان ..الحياة السرية والروحية ) والذي سيصدر بأربعة أجزاء هو من بعض الوفاء لذلك المكان وبيئته وسكانه.

عالم الاهوار هو عالم العودة الى الصفاء والحرية والبراءة وقراءة حزن العطش في الذاكرة ودمعة العين يوم تم تجفيف المكان وتغيير ديموغرافيته وخصوصيته واجبر كل اهل الاهوار على الهجرة الى مدن بعيدة لم يألفوها ولم يعيشوا حياتها المدنية.

أنا من دعاة التبشير بروعة المكان وقدسيته .لهذا أجد في هذا الأبحار . حلما طفوليا وصيحة في الوادي العميق الذي ان يكون قاعه اهوارا تمتد في ذاكرة وخارطة هذا الوطن.

{ في كتاباتك وكتبك الكثيرة عن الديانة المندائية وانت ربما الابرز ثراء ونتاجا في الكتابة عن هذه الديانة العراقية العريقة بالرغم من أنك لست مندائيا . في تلك الكتابات تثير في القراءة شهية البحث عن المزيد في عالم تلك الديانة .كيف تأتيك الرؤى عن هؤلاء الناس وأنت لست مندائيا؟

– كما في عالم الاهوار امتلكت الشغف الروحي والابداعي مع تلك الديانة بفعل معايشتنا كجيران لأولئك المندائيين الطيبين الذين عاشوا في وجدان ونسيج مجتمع مدينة الناصرية منذ أن اسسها الوالي العثماني مدحت باشا.

هي من أول رؤى التوحيد في الخليقة وحتى نعرفها جيدا علينا ان نقع في اللحظة السحرية مع الكتب المقدسة في تعريفها الروحي هي الوسيط لتعلم الطرق الواضحة ، وهي صلة الوصل بين العبد وخالقه ، وهي المرآة التي تعكس حقيقة هذا المهيمن على روح العالم ، وهي ثبات البرهان لكل من بعث لهداية قوم ما . وكما تقول الحكمة السومرية : اللوح في كف الحكيم ، كشمس في كبد السماء .

ولأن سفر التكوين يقول : أن العالم خلق بكلمة . هذا يعني في دالته الكونية أن أيصال الفكرة ورغبة الرضوخ لها لا يأت إلا من خلال الكشوفات المدونة ، ويبدو أن اختراع الكتابة بعد عهود من الشفاهية والإشارة ، خلق ظروفاً مناسبة للإتيان بحكمة اللوح وجعلها مرشداً للتفكير الإنساني كي يهتدي الى مايراه قناعة بما يحدث في مشادات الطبيعة ولما يتعرض له هو من لحظة الولادة حتى اللحد الأخير ، حيث ظل الاعتقاد السرمدي بصورته الشفافة التي تقول : أن الحياة تمر علينا بفاصلين : الذي نعيشه في حقل القمح وكوخ الطين ، والأخر في سرمدية بيوتها من رخام وأنهارها من حليب وعسل .

والمندائية كدين توحيدي أمتلك أزلية البقاء مر بعهود لا تحصى أفترض فيها لذاكرته ديمومة لا تنحني لطوارئ الحروب والكوارث ، وقد قاد الرهبان الصابئة مسيرة حلم نأت بصمتها وتأملها بعيداً عن فوضى كل الاشتغالات الحضارية ومخاضتاها . واليوم هم بذات الكيان الذي تطبع على شفافية التعاليم السماوية وأدركت معها طبيعة أن يكون الفرض واجباً مقدساً مليء بالعبر والإيحاءات التي تدفع النفس الى مستقر الحالة ، وكانت هذه الطقوس تؤدى برؤى كثيرة هي صلة الوصل بين المندائي وصاحب الروح النقية ويقصد به الإله الواحد . ومن هذه الرؤى ، الماء ، الطيور ، عناصر التعميد ،الإيحاء ، أثبات طهارة الروح والجسد ، الصلاة ، التسبيح ، غير أن الماء يمثل بالنسبة للمندائية شكلاً روحانياً تيسر بفضل حب الإله لهذه الطائفة . وهو أداة التعميد الأولى . ويرى المندائي الماء بأنه:

( الصورة المتخيلة للتغير والحركة ، وهو كامن بعدة أشكال وأماكن ويمكنه ألغاء النجاسات وأخطاء المرء ، كما أنه يغسل كل عالق لا يمت للروح بصلة ، وهو مسيرة تحول الى الجديد ، ويمسح عن جبين الميت قلق الموت ويحيي شجرة الآس ويعيد تجدد الأعياد ويجعل خيال المندائي مطلقاً ، كما أنه سيد الطقوس ).

تلك هي مسببات عشقي ومحبتي وكتابتي عن هذه الديانة السماوية المتسامحة مع كل شيء.

الكتابة فعل خلاق ومبهر يجعل جوهر الاشياء مرئيا كما يقال. بلغة ثرية ومبصرة استطاع الروائي والكاتب نعيم عبد مهلهل ان يلامس روح الموجودات ويبث فيها من عندياته سحر والفة حميمية زادتها رقي ومنحتها بذخ التسامي الشعري وبالمفردة المكتنزة وحدها جعلك ترى وتشم عبق النسغ المتهادي في جسد الموجودات المبثوثة من حولنا وكأننا نصطدم بها لأول مرة ونحتضن لذة الاكتشاف الأولى ونعي حريتها . كيف اصفه؟ انه لا يتوانى في القبض على لحظة حب باذخ , الكتابة لديه مثل الحياة او مسألة شخصية او ربما كما يقال مثل مصير فردي ,يكتب بهدوء كمن يريد اعادة تعريف الموجودات و الاشخاص من جديد بل انه يتعقب آثار الذين غادروا من الصحب و أولئك الذين يستيقظون بصمت قرب الالم و يختلطون بعتمة الموت …… دائما يلملم شقاء ليله وينام باكرا في زحمة من مساء و ود فسيح يتساقط من كلماته . الكتابة لديه متكئة على الرهافة وبنية كلماته مكثفة من شذرات , انه يكتب بإنصات شعري مدهش و بتلقائية منسابة دون سبق اصرار وترصد . كتابته مثل عطر عالق بثياب بهجة , يبحث عن المدهش و اللا متوقع انه يصطاد المفارقة من خلال خلق علائق جديدة مع الكلمات ودائما يؤطر نصه ببعد معرفي جدير بالتأمل.

عتبة الثراء

{ امضيت عمرٍكَ بصحبة الكتابة حتى وصلت الى عتبة الثراء اللغوي والتنوع الكتابي ؟

نتساءل من ايقظك من هؤلاء الكتّاب وتلك الكتب ,من اوقد جمرتك الأولى؟

ــ حتى تصبح كاتبا عليك في البدء أن ترتدي قميص أحدهم . فالموهبة هي مكتسب غيبي يأتي من دون أن ندعوه ، ولكنه حتى يصبح مميزا عليه أن ينظر الى شاخص أو تقطه ضوء تريه اسرار كل المسافات التي سيعبر اليها مع هواجسه ونصوصه.

كان ابي وجلباب الفقر الذي يرتديه أول شواخص تنمية موهبتي ، ثم اتت شهرزاد ومجلات الطفولة ثم الرومانسية برواياتها وأفلامها السينمائية وغير ذلك أظن أن نوع البيئة وخصوصيتها هي من تصنع لنا جهات اليقظة التي نذهب اليها لنتعلم ونعرض بضاعتنا .

وفي النهاية علينا أن نعتقد أن الرموز التي نصادفها في الحياة والكتب والأساطير هي من بعض حوافز تنمية الصنعة فينا ، وفي النهاية عليك أن تدرك بمهارة أن هذا الرمز ليس أنت .أنما ما يجعلك لاتشبه هذا الرمز هو من يجعلك كاتبا حقيقيا.

الكتابة بدون عمر قلق لن تمتلك المتعة ، لهذا اعتقد أن قلق اعمارنا المتشكل بأساطير الحزن السومرية والحروب ومجاعات الف حصار وشهية سماع الاغاني التي تنسجها حناجر امهاتنا كانت هي حقائب صحبتنا في هذا العمر الكتابي ، وربما بسبب كل هذا استطعنا أن نكون كتابا بخصوصية ما عشناه وليس بخصوصية من تأثرنا فيهم.

{ المكان طاغٍِ في اغلب ما كتبت, هذا الافتتان بالمكان و التماهي فيه دون اقحام و الاشتباك معه والاسترسال في منادمته وهتك اسراره بتلك اللغة الشفيفة التي هي اقرب الى الاستبطان ……عقب على هذه الرؤية ؟

– أعشق المكان منذ صباي عندما قرأت لأول مرة كتاب غاستون باشلار ( جماليات المكان ) ، وقد شعرت أننا بدون أمكنة تحمل عطر كل حياتنا لن نستطيع أن نصل الى ما نود الوصول اليه ، لهذا كان المكان الزاوية التي امضي من خلالها الى كشوفاتي وتعاملي مع الازمنة والشخوص ، وكنت أشعر أن المكان وذكرياته ومؤثراته هو من يؤشر ببوصلة الحنين لاستعادة وتأليف ما كنت امينا له عبر عمر الكتابة (القصة ، الرواية ، القصيدة ـ المقالة النقدية والعمـــود الصحفي).

الأمكنة هي من بعض مفاتيح السر في ما أنتجه من أدب ، وأظن أن المكان هو الظل الحقيقي لأي لحظة نعيشها ، وتخيل الكتابة بدون مكان يحدد هويتك وانتماءك ومزاجك تبدو كتابة باهتة ولن تمتلك ذلك البريق الذي يجعل ما تشهره وتدونه بقيمة وأثر.

يطغي المكان على كتاباتي لأن أشعر بهيمته وتأثيره في أدق ما أشعر اتجاه هذا العالم ، فبدون المكان تبدو الرواية مثل الثوب الممزق ، وأظن ان الامكنة بخصوصيتها (المدن والمقاهي ودكات البيوت ، ملاجئ الحرب ، سرير النوم ، حقائب محطات السفر ) تشكل ذاكرة حية للنص الروائي والقصصي وتبدو مجسدة بشكل دقيق ، وربما في القصيدة ترتدي شكلا اخرا لتكون ضبابية وحسية ومنوه عنها بالرغم أن المكان داخل القصيدة يشكل دهشة خاصة عندما يكون هذا المكان جسدا لأنثى او وردة أو وسادة أو اريكة تغرق في الاحلام.

في النهاية المكان يطغي علينا لأننا نعتقده بوصلة الوضوح الى معنى ما نتمنى أن نكتبه ونبدع فيه.

{ هل بالمستطاع ان يقال انها تأثيرات السينما وهي من خلقت تلك الالفة مع الاشياء ؟

 ــ أجبت على هذا السؤال بكل تفاصيله وهواجسه في كتاب صدر لي قبل عام وكان بعنوان ( روايات طفولتنا الهندية ) ، لهذا مع متعة سؤالك هذا سأهتصر الجواب كله في هذه الخاطرة لتريك مدى تأثير السينما في حياتنا نحن ابناء الناصرية من خلال بناية تحولت اليوم من مكان لعرض الخواطر الساحرة الى معمل للنجارة ومخازن لصفائح الحديث وهي سينما الاندلس الشتوية:

تقع بناية سينما الاندلس الشتوي في مدينة الناصرية ( 360  كم جنوب العاصمة بغداد ) ، وشمالها بـ 15  كيلو مترا تقع مدينة اور المقدسة والتي كُتبَ فيها اول حرف للكتابة في تاريخ البشرية وفيها ايضا ولد النبي ابراهيم الخليل كما ورد في التوراة : انا بعثناه من اور الكلدان .وفيها ترعرع ومنها هاجر الى حوران ومصر وفلسطين ومكة .

هذه السينما كانت تشكل اهم شموس الوعي في ذاكرة اجيال الستينيات والسبعينيات والخمسينيات وفيها عرضت اروع الافلام في تاريخ السينما العالمية حيث لم يكن لدى الناس في المدينة اجهزة تلفاز سوى في بيوت عشرٍٍ من منازل اثرياء المدينة .لأجل هذا تعتبر هذه البناية أثراً وأرثا وطنيا وحضاريا وثقافيا ومعماريا لتاريخ المدينة وصاحبة فضل في خلق الوعي والجمال وحافز الابداع والانتماء لكل شبابها .فعلى مصاطبها الخشبية الطويلة شاهدنا روعة الحلم تحت اجفان اجمل الممثلات : مارلين مورنو .هند رستم ونادية لطفي والخصر الساحر للراقصة تحيا كاريوكا وسامية جمال ونجوى فؤاد .والاغراء الملتهب في جسد القطة برجيت باردو والسحر المدهش في عيون صوفيا لورين ورومي شنايدر وكل فاتنات السينما وانغام الاحلام الملتهبة في الافلام الهندية اليتيم وسنكام وجنكلي وأم الهند وأفلام هيركليس والكابوي رنكو وجانكو ورعشة موجة الأفلام اليونانية والتركية والسويدية والفرنسية وغيرها ….

اليوم تعرضت هذه البناية الى تخريب وتهميش وتحولت الى معامل نجارة ومخازن حديد وأصباغ ، وكان على الدولة الاتية مع احلام العولمة أن تفكر في هذا المَعلمْ الحضاري والمعماري المهم وتشتريه من مالكيه وتعيد اليه بهاء الامس .واذا يعتقد البعض ان السينما حرام فليحولوها الى متحف او كاليري يعرض لذكريات وعي المدينة واحلامها من خلال كل بوسترات الأفلام التي كانت تعلق على جدرانها وحيطان بيوت المدينة أو تلك التي كان يرفعها المرحوم ( كوزان ) على قطعة خشب ويفر بها شوارع المدينة محمولة على الاكتاف أو على عربة بحصانين ( الربل ).

بالأسى المكان الآن كم هو كئيب وكم من الذكريات تنتحر عند عتبة باب بنايته المخربة…كم دمعة تطفوا على نهر الذكريات عندما يمر أحدنا أمام البوابة الهرمة لمبنى السينما وهو يستذكر عمره في مراحل الطفولة والصبا والشباب حيث لم يعد هذا الجيل يفكر مثلما نفكر نحن ولم تعد تلك النشوة اللذيذة التي كانت تسكننا ونحن نتسمر أمام شاشة السينما مسكونين برومانسية وحزن وترقب ، بينما تُفتقدُ تلك اللذة عند الأجيال الجديدة بعدما تعدت الفضائيات الالفي قناة في عشرات الاقمار الفضائية ضمن فضاء مساحة البث العربي .

سينما الأندلس في مدينة الناصرية ، هي واحدة من مشابهات اخواتها السينمات في عموم العراق ومنها سينمات العاصمة ، وكأنهم يقصدون بذلك الاجهاز على واحدة من نوافذ تاريخنا المعاصر عبر هذه الامكنة التي شكلت حاضنة وعي ومصدر ثقافة مهم للأجيال من العراقيين منذ افتتاح اول دار سينما في العراق والى اليوم .

سمو روحي

{  احيانا يصدمك الهامشي المشتت و المبثوث حولك في الارجاء ,هل ترى ان هؤلاء المختلفين يُشيرون الى ان الاغتراب سمو روحي يسيطر على المرء عند احساسه بعدم التوافق الوجودي مع المكان؟

 ــ هذا سؤال سريالي ، ولكن لن أجيب عليه بطريقة سريالي بل سأفكك مشفراته بوضوح ما اشعره أتجاه الهامشي الذي تزخر به حياتي ويكاد يكون هو الآمر والناهي .

فأنت هنا تذهب بي الى مشاعر البعض في الاغتراب عن الامكنة التي يعيشون فيها ، وبعضهم يشعر أنه مغترب حتى في السرير الذي ينام عليه ـ وأظن ان هذه الازمة الحضارية يعيشها الجميع وخصوصا كتاب الشرق ، وهذا حاصل بتأثير قساوة ما يعانوه مع الانظمة او النظرة المجتمعية القاسية او ما يفرضه الفقر او التخلف أو العسس.

هذا الهامشي هو ليس الضد الذي يشعرنا بضرورة خوض حرب طروادة ثانية معه ، لاننا لو احسسناه بهكذا رغبة لارتفعت قيمته ، بل هو مجرد كائن هجين اتت به الظروف التاريخية ونفايات ما تأتي به العولمة التي لها صورتين من الرؤى .والنصل ذو الحدين ، وعليه نحسب الهامشي الآن انه الطفيلي الذي يعيش عصره الذهبي وتلك معضلة وباعث حزن بالنسبة لنا ، فأنت تراهم في كل مكان ، وزراء وكتاب وصحفيون ومدراء عامون ولصوص بورصات ونواب برلمان واصحاب صحف اسبوعية ويومية ، ولن تستطيع ابدا ان تزيحهم ـ لأن الهامشي المبثوث في اعمق نقطة في الجسد المجتمعي لا يملك رد فعل اتجاه رفضك له سوى ان يمنح رأسك رصاصة من كاتم الصوت ، لهذا تفضل أن تكون مع نفسك ، تكتب وتسعى لتغيير حتى لو بأضعف الايمان .بالنسبة لي هؤلاء الطفيليون بعيدون عني ولا احب ان ادير نقاشا مع أي واحد منهم ، ولكن مصبوغ بلون الحزن بسببهم لأني اشاهدهم يهدمون تلك الذائقة النادرة والقليلة التي كان ينظر اليها المجتمع باحترام وتبجيل ، وربما تصفح لساعة في الفيس بوك ستجد ان هناك مئات من الاناث المتخلفات يحملن هوية نقابة صحفيين .ومعهم يحملون ذات الهوية أناس اخر بعضهم سواق تاكسي وبعضهم يشتغل بودي كارد لمطرب أو رئيس تحرير صحيفة وآخر ربما هو نادل نادي أجتماعي.

تلك معضلة يا صديقي تحتاج ليس الى سمو كبير لتبتعد عن تأثيرها ، بل تحتاج في بعض المرات الى عزلة ناسك في دير أو تكية صوفية.

{ نراك احيانا بصمت مريب تؤجج صخب المكان المُنفعل لتستفز مخيال الامكنة الواقعية و التي بعضها لم يجرؤ احد بالاقتراب منها الا انك تسير بمحاذاتها وتقتحمها , أ هو تحريض منك لتحصين ذاكرة التاريخ من الضياع؟

 ــ  حتى تصل عليك أن تطيل التأمل والصفنة ، هذه ليست وصفة طبية وشعرية من شاعر هايكو ياباني ، بل هو ما أشعر فيه أنا أزار ما أراه أمامي وأشعر فيه بروحي .

نحن لا نؤجج الأمكنة ، بل الأمكنة هي من تفعل ذلك ولكني معك أننا نحتاج الى الصمت بأي شكل من اشكاله لنستطيع تأدية رسالة تسكننا من خلال ما نكتبه ونبدعه ، وحتما شكل الصمت وطبيعته وذائقته هي من بعض خصوصيات الكتابة وتميز المشتغل فيها .

تحويل الواقع الى فنتازيا وبالعكس هي من بعض المهام الجليلة التي ينبغي أن نمتلكها لنتمكن من محاكاة العالم والسعي الى التغيير صوب الافضل ، وكل هذا يحتاج الى تميز في اتقان الحرفة وصقل الموهبة.

أظن أن وعي الكاتب يرتبط اولا بما يمتلك من ذكريات عن تلك الامكنة والتواريخ التي يشعر انه ينتمي اليها ، وبما اننا في الحصيلة الابداعية نتاج لموروث ما فأن الاستفادة من هذا الموروث ينبغي ان تمر من خلال تطويره والسير في محاذاته والنظر اليه كملهم ومرجعية ونهر نغرف منه موجة للعطش الذي يسكننا حين نشعر بالرغبة لإنتاج نص ما.

أنا أحضن الرؤيا من خلال التعامل الحذر مع المكان التاريخ وحوادثه وتأثيراته ، وأظن أن الامر ليس بالهين أن يكون امامك ارث وحضارة والواح طينية وعليك ان تأخذ منها ما يعينك في انجاز النص . فأن فعلت ذلك بحرفة النقل كما هو فأنت سارق ، لهذا كنت في كتاباتي التجئ الى تلك الامكنة وتراثها ولكن بالاستشعار وليس بالاستنساخ والتقليد لأكتشف ان السير بمحاذاة النص القديم واستشعاره وتقريبه الى الواقع ، فهو يمنحك القدرة على انتاج حداثة وخصوصية تشير اليك أنت فقط.وبهذا تكون أنت قد حرضت ما في ذاتك لإنتاج نصا جديدا من خلال نمط حسي وروحي يثير مع المكان القديم علاقة المودة حتى لو كان الأمر من خلال الايماءة والمشفرة وتفسير النص ولوح الطين كما تراه انت وليس كما يراه عالم الأثار والمنقب.في النهاية أشعر أنني أفعل كل هذا حتى ابقي التواريخ التي انتمي اليها محصنة بروعة ذلك الجمال الازلي الذي تمتلكه منذ طقوس عبادة الزقورات والى اليوم.

اهوار باذخة

{ الغور في التاريخ السومري وفتنة الاهوار الباذخة لقد حولته من الاشارة والايماءة الى عمق جديد في النظر للإنسان العراقي و اعادة قراءته, كيف يمكن النظر الى ابحارك الخاص في ذلك؟.

 ــ مرة أخرى تحيلني الى المكان والزمان وما يمتلكان من فتنة.

أشعر أن الكاتب ينبغي أن يحس بالغرام قبل ان يصنعه ويكتب عنه ، وأظن ان البيئة وذكريات المكان ، وما تخزنه مشاهد طفولة الجنوب الريفي الفقير هي واحدة من اكبر محفزات نمو هذه الفتنة والقدرة اللاحقة على صناعتها وتصديرها في نص ادبي (الرواية ــ القصة ــ القصيدة ــ الخاطرة ــ أدب الرحلات ) وكل تلك الأفعال تحتاج الى غور عميق حتى تستطيع ان تجعلها موقدا للجمال وليست بقايا لرماد حسرة ما .

أظن أن سومر بالنسبة لي هي البدء الابداعي في ذاكرة انتمائي للتراب الذي ولدت عليه. وهي الابد الذي يسكننا في خلود لحظة الكتابة ، عندما يشعرك هذا الانتماء وتلك الاساطير وعطر الطين أن الحياة التي كانت هناك ينبغي ان تمنح حسناتها للحياة التي تكون هنا من خلال امتداد خطوط الاحساس بالأشياء التي كانت تبتكر للعالم طرائق ساحرة لصنع خيال الوجود والارتباط بالسماء من خلال خواطر الالهة ودمى الطين ورحلات جلجامش.أنني افترض أن سومر هي نافذة التأمل الى العالم الواسع ، لهذه منذ أول نص كتبته عن أور والذي عنوانه ( حبة رمل في أور ) كنت اشعر أن اجفاني وقدماي أينما تكون فأن طرف جفنها يرنو الى تلك الطلل والزقورات والامكنة التي كانت الالهة عشتار تكرع فيه خمرة الغرام وكتابة القصائد وعزف الموسيقى.والاهوار تلك الفتنة الساحرة هي من بعض ارث المكان السومري وخصوصيته عندما يحسسنا التأريخ أن الاهوار وايشناتها كانت مهدا وموطنا للكثير من السلالات السومرية.أنها عملت في الاهوار ، وصرت عاشقا لها ، وربما انا الوحيد في هذا العالم من كتب واصدر عنها اكثر من ( 6) كتب وبينها سيناريو سينمائي ، وكذلك ساهمت بإصدار اول مجلة عن الاهوار من خلال دعم وزير الموارد المائية الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد وكانت بعنوان (الاهوار ) صدرت بدمشق وتوقفت لظروف انتقالي من دمشق الى اوربا.أظن أنني أبحر في عالم أحبه بطريقة لم يسلكها غيري ، فأنا لا أمل وأتعب وأضجر من الكتابة لذلك العالم الذي كل جدرانه وسقوفه من الطين والقصب وأظن أن كتابي الجديد ( المعدان ..الحياة السرية والروحية ) والذي سيصدر بأربعة أجزاء هو من بعض الوفاء لذلك المكان وبيئته وسكانه.

عالم الاهوار هو عالم العودة الى الصفاء والحرية والبراءة وقراءة حزن العطش في الذاكرة ودمعة العين يوم تم تجفيف المكان وتغيير ديموغرافيته وخصوصيته واجبر كل اهل الاهوار على الهجرة الى مدن بعيدة لم يألفوها ولم يعيشوا حياتها المدنية.

أنا من دعاة التبشير بروعة المكان وقدسيته .لهذا أجد في هذا الأبحار . حلما طفوليا وصيحة في الوادي العميق الذي ان يكون قاعه اهوارا تمتد في ذاكرة وخارطة هذا الوطن.

{ في كتاباتك وكتبك الكثيرة عن الديانة المندائية وانت ربما الابرز ثراء ونتاجا في الكتابة عن هذه الديانة العراقية العريقة بالرغم من أنك لست مندائيا . في تلك الكتابات تثير في القراءة شهية البحث عن المزيد في عالم تلك الديانة .كيف تأتيك الرؤى عن هؤلاء الناس وأنت لست مندائيا؟

– كما في عالم الاهوار امتلكت الشغف الروحي والابداعي مع تلك الديانة بفعل معايشتنا كجيران لأولئك المندائيين الطيبين الذين عاشوا في وجدان ونسيج مجتمع مدينة الناصرية منذ أن اسسها الوالي العثماني مدحت باشا.

هي من أول رؤى التوحيد في الخليقة وحتى نعرفها جيدا علينا ان نقع في اللحظة السحرية مع الكتب المقدسة في تعريفها الروحي هي الوسيط لتعلم الطرق الواضحة ، وهي صلة الوصل بين العبد وخالقه ، وهي المرآة التي تعكس حقيقة هذا المهيمن على روح العالم ، وهي ثبات البرهان لكل من بعث لهداية قوم ما . وكما تقول الحكمة السومرية : اللوح في كف الحكيم ، كشمس في كبد السماء .

ولأن سفر التكوين يقول : أن العالم خلق بكلمة . هذا يعني في دالته الكونية أن أيصال الفكرة ورغبة الرضوخ لها لا يأت إلا من خلال الكشوفات المدونة ، ويبدو أن اختراع الكتابة بعد عهود من الشفاهية والإشارة ، خلق ظروفاً مناسبة للإتيان بحكمة اللوح وجعلها مرشداً للتفكير الإنساني كي يهتدي الى مايراه قناعة بما يحدث في مشادات الطبيعة ولما يتعرض له هو من لحظة الولادة حتى اللحد الأخير ، حيث ظل الاعتقاد السرمدي بصورته الشفافة التي تقول : أن الحياة تمر علينا بفاصلين : الذي نعيشه في حقل القمح وكوخ الطين ، والأخر في سرمدية بيوتها من رخام وأنهارها من حليب وعسل .

والمندائية كدين توحيدي أمتلك أزلية البقاء مر بعهود لا تحصى أفترض فيها لذاكرته ديمومة لا تنحني لطوارئ الحروب والكوارث ، وقد قاد الرهبان الصابئة مسيرة حلم نأت بصمتها وتأملها بعيداً عن فوضى كل الاشتغالات الحضارية ومخاضتاها . واليوم هم بذات الكيان الذي تطبع على شفافية التعاليم السماوية وأدركت معها طبيعة أن يكون الفرض واجباً مقدساً مليء بالعبر والإيحاءات التي تدفع النفس الى مستقر الحالة ، وكانت هذه الطقوس تؤدى برؤى كثيرة هي صلة الوصل بين المندائي وصاحب الروح النقية ويقصد به الإله الواحد . ومن هذه الرؤى ، الماء ، الطيور ، عناصر التعميد ،الإيحاء ، أثبات طهارة الروح والجسد ، الصلاة ، التسبيح ، غير أن الماء يمثل بالنسبة للمندائية شكلاً روحانياً تيسر بفضل حب الإله لهذه الطائفة . وهو أداة التعميد الأولى . ويرى المندائي الماء بأنه:

( الصورة المتخيلة للتغير والحركة ، وهو كامن بعدة أشكال وأماكن ويمكنه ألغاء النجاسات وأخطاء المرء ، كما أنه يغسل كل عالق لا يمت للروح بصلة ، وهو مسيرة تحول الى الجديد ، ويمسح عن جبين الميت قلق الموت ويحيي شجرة الآس ويعيد تجدد الأعياد ويجعل خيال المندائي مطلقاً ، كما أنه سيد الطقوس ).

تلك هي مسببات عشقي ومحبتي وكتابتي عن هذه الديانة السماوية المتسامحة مع كل شيء.