11 سبتمبر والديناميت

236

11 سبتمبر والديناميت
حازم خيري
لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تداعيات خطيرة على مستقبل العالمين العربي والاسلامي، فقد ساهمت على نحو درامي في دفع الولايات المتحدة الأمريكية ـ مدعومة بقوى السوق الكونية الخفية ـ نحو حسم خياراتها، والعمل في اتجاه تمكين شعوبنا، خاصة جيل الانترنت 2 ، من تقويض دولة العسكر 1945ــ 2001 ، بعد عقود طويلة ومريرة من حكم الارهاب والفاشية..
أيضا، لهجمات11 سبتمبر فضل عظيم في اقناع ـ أو بتعبير أدق ـ اجبار الامبراطورية الأمريكية على عدم الممانعة، بل والقبول بصعود الاسلام السياسي ـ وما قد يستتبع ذلك من رجوع الى الخلافة ـ، كبديل لدولة العسكر. من هنا، تبرز أهمية السبتمبريين وهجماتهم غير المسبوقة في عرين الامبراطورية الأمريكية، كونهما أحرزا نجاحا ـ مُلطخا للأسف الشديد بدماء الأبرياء ـ، في فك شفرة دولة العسكر، التي سُمح بقيامها في فضائنا العربي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وزوال الاستعمار الأوربي، على أمل ايقاف المد الثوري الشعبي والحيلولة دون مُضى شعوبنا قُدما في طريق المعرفة والفضيلة. أمريكا، وضيقو الأفق في مجتمعاتنا، لا يريدون لفهم كهذا أن يشيع عندنا أمريكا ترى شعوبنا محض قطعان لا يُحركها سوى خوف أو مصلحة أمريكا تستغل بلا رحمة أن ما بداخلنا نحن العرب لا يُريد الحقائق غير المريحة
في كتابه الخطير المعنون العقل العربي ، وهو أحد الكتب الواجب قراءتها في البنتاجون عشية قيام ادارة جورج دبليو بوش بالتحضير لغزو العراق، يشير رفائيل باتاي الى قناعة الرجل الأبيض، وهي صحيحة نسبيا، بقوله وطالما كانت من الميزات التقليدية لنفسية العربي أن ينفس غضبه بمن يحمل له الأخبار السيئة .
أمريكا تستشعر حاجتها الماسة لمحو ذكرى هجمات سبتمبر من الذهنية العربية، أو على الأقل التشويش عليها وربطها بكل ما يُخجل ويُشين يتجلى هذا بوضوح في حرصها الشديد على مطاردة وتصفية أسامة بن لادن ورفاقه، بل وذهابها الى حد القاء جثمان بن لادن في المحيط، حتى لا يُستدل له على قبر..
يتجلى هذا أيضا بوضوح في حرص أمريكا على تمجيد بوعزيزي، ذلك الشاب التونسي الذي فجر بحرقه لنفسه ـ يأسا ـ ثورات اللاعنف العربي في تونس أولا، ثم في غيرها من بلدان الربيع العربي وكذلك حرص أمريكا على ألا تمر ذكرى صرخة 11»9 دون وقوع ما يصرف النظر عنها وعن التفكر في مدى عدالة غاياتها ودموية وسائلها، وكذا يصرف النظر عن حصادها غير التقليدي.
في هذا السياق يمكننا قراءة ما يحدث هذه الأيام من استفزازات مصطنعة للعالمين العربي والاسلامي، من خلال اطلاق فيلم مُسيء للنبي محمد ص ، بعنوان براءة المسلمين ، ومن قبله كتاب لجندي أمريكي يحكي عن مشاركته في قتل بن لادن وهو أعزل 3 كل هذا في نفس توقيت ذكرى 11»9، أمريكا بأفعالها هذه تُمارس هوايتها في البروباجندا السوداء ، ضاربة أكثر من عصفور بحجر
أولا تشتيت الانتباه والتشويش على فرص التفكر النزيه والمنظم في هجمات سبتمبر ودوافعها وما أسفرت عنه من لي ذراع أمريكا واجبارها على القبول بتغيير قواعد اللعبة في منطقتنا، وهو ما تجسد في اعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالمين العربي والاسلامي، وتمكين الشباب والمجتمع المدني والنخب البديلة…الخ، من احياء موات مجتمعاتهم، واسقاط دولة العسكر. ثانيا تأجيج واستفزاز المشاعر الشعبية الاسلامية، ومن ثم الدفع في اتجاه اعادة اصطفاف شعوب العالمين العربي والاسلامي، بل والعالم أجمع، على أساس ثقافي، جوهره الدين وهو ما يصب في غير صالح الأنظمة اللااسلامية المُتبقية.
ثالثا تعميق الفجوة بين شعوب المنطقة والمُضي قُدما في شيطنة اليهود، من خلال تسريب ما يوحي بمسئوليتهم عن اقتراف مثل هذه الاستفزازات وهو ما سيؤدي حتما الى المزيد من التنافر بين الشعبين العربي واليهودي، ومن ثم انفراد النخب الحاكمة في المنطقة بالقرار دون الشعوب، وبقاء الآلام على ما هي عليه. رابعا زيادة شعبية الاسلام السياسي في العالمين العربي والاسلامي، عبر اتاحة المجال للتلاسن مع رموزه وربما أيضا تربيحهم انتصارات وهمية ـ في ظل عدم تكافؤ مخيف في القوة ـ، على حساب بقية التيارات الفكرية في الحضارة الاسلامية والتي هي أصلا والعدم سواء وهو ما سيضر حتما ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ بتجربة الاسلام السياسي، ويساعد على تقليم أظافرها خامسا اختبار شعبية أنظمة الحكم الاسلامية الناشئة في دول الربيع العربي ومدى قدرتها على احتواء وادارة غضب الشارع، وفي الوقت نفسه انعاش المد الثوري الشعبي . فهو اما أرهقته صرخات دماء الأبرياء كما في سوريا، أو أن الخمود يراوده كما في دول أخرى كالسودان والجزائر، لم يصلها الربيع بعد. سادسا الدفع في اتجاه اعادة ترتيب الأوراق داخل الحياة السياسية والدينية في الولايات المتحدة، على صعيد السياسات أو الأشخاص أو كليهما خاصة وأن انتخابات رئاسية جديدة توشك أن تجري، يواجه فيها المُرشح باراك حسين أوباما اتهامات، ربما تكون مميتة من جهة التوقيت، بموالاة أصوله والناخبين المسلمين
أنا لا ألوم أمريكا على هذا التحريك المهين للشارعين العربي والاسلامي، فهذا أمر منطقي ومتوقع، كون مجتمعاتنا سفينة حمقى في بحر الحياة 4 . خاصة من ناحية عجز أبنائها عن الخروج من دوامة المصلحة والخوف، وهو ما يُدركه الأمريكيون وغيرهم، ويراهنون عليه بثقة مستفزة في نجاح دبلوماسيتهم العامة.
ما بداخلنا لا يُريد الحقيقة،
وهذا هو مقتل ثقافتنا العاجزة عن النمو،
ان بناء الحياة ـ وكما يقول ماياكوفسكي ـ هو الأصعب
1 لجارد كوهين كتاب بعنوان أبناء الجهاد Children of Jihad، لم يجد حتى الآن من يتصدى لترجمته الى العربية، ونشره على نطاق واسع، رغم أهميته الشديدة، ناهيك عن ارتباطه غير العادي بواقعنا المأزوم.
2 تحضرني في هذا السياق عبارة ذكية للمهندس أحمد ماهر أحد أبناء جيل الانترنت أو جيل الألفية ، ومؤسس حركة شباب 6 أبريل في مصر، هذا نصها الشعوب تتواصل..والتجارب تتكامل . العبارة توجد في مقدمة كتبها أحمد ماهر خصيصا للنسخة العربية من هذا الكتاب جيورج فوربريج بافول ديميش المحرران ، ترجمة يمنى صابر خالد البلتاجي، عودة الديمقراطية المجتمع المدني والتغيير الانتخابي في وسط وشرق اوربا، القاهرة صندوق جيرمان مارشال بالولايات المتحدة مؤسسة ايرست بفيينا بالنمسا ومؤسسة سلوفاك ايد، 2011 ، ص7ـ10.
3 كتاب يوم ليس سهلا No Easy Day، كتبه الجندي الأمريكي مات بيوسنيه، عضو فرقة الكوماندوز الأمريكية التي قتلت الراحل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، في باكستان 2011، يحكي فيه أن بن لادن قُتل عند مدخل باب غرفته، وليس في سرير نومه، أو بالقرب منه، وأنه لم يكن يحمل سلاحا عندما قُتل، وأن جنديا أمريكيا جلس على جثته داخل الطائرة التي عادت الى حاملة الطائرات. 4 ظهر موضوع سفينة الحمقى في الحقل المخيالي لعصر النهضة الأوروبية، واحتل موقعا متميزا داخله.وسفينة الحمقى هي سفينة غريبة جانحة تنساب في الأنهار الهادئة تنقل حمولتها الجنونية من مدينة الى أخرى. لقد كان الحمقى يعيشون حياة التيه. كانت المدن تطردهم من جنباتها، ليلحقوا بالبراري حيث يتيهون على وجوههم. هذا في الحالة التي لا يُشحنون فيها مع بضائع تجار أو قافلة حجاج. وهذه ممارسة كانت سائدة خاصة في ألمانيا.
AZP07