
تجدّد الأمل بين مزيج من البهجة والدعاء
(يا زكريا عودي عليا) .. طقس متوارث يعيد الدفء إلى العراقيين
بغداد – ابتهال العربي
مع حلول شهر شعبان، تعود صور الشموع وصحون الحلويات والزردة الشعبية من جديد، لتتصدّر عناوين الصحف ومحاور البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الإجتماعي، وتحتل قائمة الإهتمامات في البيوت لتصنع اجواء الفرح وتنشر الدفئ بين العائلات العراقية، التي اهتمت بإحياء واحدة من أقدم العادات الشعبية المحتفظة بحضورها في الذاكرة، رغم تغيّر أنماط الحياة وتسارع الإيقاع الحضري، والتي تُعرف بطقوس “ يا زكريا عودي عليّا .. كل سنة وكل عام ننصب صينية»، تحمل لنا مزيجاً من الفرح والدعاء، حيث تجتمع العائلات لإحياء تقليد رمزي يعكس روح التآلف والأمل والبركة.
تقليد قديم
واكد مواطنون لـ (الزمان) امس ان (العائلات العراقية تحرص على إحياء طقس “زكريا” في شهر شعبان من كل عام، ورغبتهم في الحفاظ على تحضير مائدة صغيرة تضم الزردة، الشموع، الحلوى، نبات الياس، السكر، والفواكه، تُزيَّن بألوان مبهجة تعكس أجواء الفرح والسعادة وتبادل التهاني والأمنيات)، مشيرين إلى أن (أفراد الأسرة كباراً وصغاراً يجتمعون مرددين العبارة الشعبية الشهيرة: “يا زكريا عودي عليا» تعبيراً عن تجدد الأمل والخير والبركة في العام المقبل)، وأوضح المواطنون ان (هذه المناسبة، ترتبط بحسب الموروث الشعبي، بقصة النبي زكريا عليه السلام، وما تحمله من رمزية الصبر وتحقيق الأمنيات، إذ يُنظر إليها بوصفها دعاءً جماعياً لتيسير الأمور، وزيادة الرزق، وحفظ الأبناء، وبقاء الألفة داخل البيوت)، وتذهب ربات البيوت إلى (تجهيز وتوزيع الشموع عادةً بين الأطفال، حيث تُشعل كل شمعة حتى تنطفئ، وسط أجواء من البهجة والانتظار، فيما تتسابق الفتيات لتزيين المكان بالحناء والزينة البسيطة، في مشهد يعكس الطابع الاجتماعي والاحتفالي للمناسبة، كما يتم توزيع الحلوى والمكسرات بين أفراد العائلة والجيران، لتعزيز قيم المشاركة والتكافل والمحبة)، ومع مرور الزمن، (شهدت هذه الطقوس بعض التحولات، إذ لم تعد مقتصرة على المنازل فقط، بل باتت تُمارس أحياناً في تجمعات تثقيفية موسعة أو زيارات للأماكن الدينية، حيث تُرفع الدعوات وتُستعاد الموروثات الشعبية بروح معاصرة، دون أن تفقد جوهرها الرمزي)، وبين المواطنون ان (طقس “يا زكريا» يبقى علامة ثقافية حيّة في الذاكرة العراقية، تجسد ارتباط المجتمع بجذوره الشعبية، ويعد جزءاً من العادات البسيطة القادرة على صناعة البهجة وترسيخ قيم الترابط الاجتماعي، تحت اي ظروف)،
ُعد طقس “زكريا” من العادات المتوارثة في عدد من المدن العراقية، لا سيما في بغداد ومدن الفرات الأوسط وبعض مناطق الجنوب، حيث تحرص العائلات على إعداد مائدة رمزية تضم الزردة، والشموع، والحبوب، والحلوى، والبذور، في مشهد يختزل بساطة الحياة القديمة ودفء العلاقات الأسرية)، وبين عدد من النساء ان (الأطفال يحظون بمكانة خاصة في هذا الطقس، إذ تُوزع بينهم الشموع متولين اشعالها، وسط أجواء من الترقب والضحك)، وتابعن انه (هذه الطقوس لها تأثير روحي ومجتمعي، يتعدى البعد الاحتفالي، وتحمل في جوهرها تشجيعاً على التجمع الأسري وصلة الرحم، وتعيد إحياء مفهوم المشاركة وتقاسم الفرح بين الأسرة والجيران والأقارب والأصدقاء).
تعبير الجمعي
ويرى باحثون في التراث الشعبي ان (مثل هذه العادات تمثل شكلاً من أشكال التعبير الجمعي عن الأمل، في مجتمع اعتاد أن يحوّل المناسبات الدينية والشعبية إلى مساحة لتعزيز التضامن الاجتماعي ومقاومة الإحباط والضغوط اليومية)، ومضوا إلى القول ان (طقوس زكريا لاتزال تجدد التجمعات، كما أصبحت تُوثق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة للحفاظ على هذا الموروث ونقله إلى الأجيال القادمة.
إذ بات بعض الأهالي يضيفون لمسات حديثة إلى المائدة، سواء في طريقة التزيين أو نوع الحلويات، لزيادة جمالية التقليد الشعبي، الذي انتقل من جيل إلى آخر)، منوهين إلى أن (التراث ليس مجرد حكايات من الماضي، بل ممارسة مستمرة تغذّي الإحساس بالانتماء والوجدان والأُلفة).

















