وهم القداسة – قيس الدباغ

قيس الدباغ

منذ انقطاع الوحي عن التبليغ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأتم الله إكمال الرسالة والدين، بقي المسلمون في فترة الخلافة الراشدة على ما فهموه وعقلوه من القرآن الكريم، وعلى تأويلهم للنصوص في حدود ضيقة جدًا، وما أن يعلموا بتأويل أشد مصداقية من فهمهم حتى تحولوا إليه دون حرج.

ولكن الداهية العظيمة حدثت أثناء الخلافة الراشدة عندما تحول التأويل والفهم الآني إلى يقين، وأحيط هذا اليقين بهالة القداسة، وأصبح هذا الفهم البشري يترقى إلى مرتبة التبليغ من الله عز وجل.

عندها رفعت السيوف وسالت الدماء، وانقسم مقاتلو بدر وأحد إلى فريقين، كل يحارب الآخر على فهمه وتأويله الذي تمت ترقيته إلى رتبة القداسة.

ولما اصطدمت الحجة بالحجة والقول بالقول، ظهرت الحكايات والروايات والأحلام ورؤى الصالحين لتدعم هذا الفريق على حساب الآخر. ثم لعب الذهب والسلطة الدور الأكبر في هذا المجال، حيث أصبحت الشام مقصدًا لكل من أراد أن يلتحق بالفريق المنتصر الذي ينثر الذهب على مريديه.

وتوسع مفهوم القداسة والقدسية، وتم النفخ فيه حتى تعاظم، إلى أن وصل إلى تقديس سقاء الماء الذي يجلب الماء إلى المسجد، بل إلى تحريم اصطياد عصافير المساجد.

وهكذا انحدر التفكير إلى درجاته الدنيا، وكان العذر في تلك الأزمان ندرة القراء والكتاب وتداول الكتب والمخطوطات.

ولكن ما عذرنا اليوم، حيث أصبحت القراءة والكتابة أمرًا يسيرًا جدًا؟ ومع ذلك بقينا ندور في فلك القدسية والتحريم، وكل ما يقال على منبر رسول الله هو كلام صادر عن رسول الله ومن الله.

وهكذا تداول علينا الحشاشون والقرامطة والفرق الضالة، وأصبحنا نخوض في بحر لا قرار له من التيه الفكري والعقائدي.

الموضوع شائك جدًا ومعقد، ولا يتم الدخول فيه إلا برفع حاجز القدسية، من عصافير المسجد إلى الواقف على منبر رسول الله، والقول له: كفى تدليسًا وكذبًا وادعاءً على أنكم وكلاء الله الحصريون، وأنكم وحدكم من ينطق بمراد الله، ثم تعودون لتحملونا مسؤولية التردي لأننا ابتعدنا عن دينكم الذي تزعمون.

إن تقديسكم للظلمة ودوام سلطتهم هو ما أوصلنا لهذا المآل.

لقد كان النبي بشرًا ورسولًا، فما بال الخطباء تحولوا إلى رسل وأنبياء، وكأن جبريل عليه السلام لا يزال يتنزل عليهم بمراد الله؟.

إن داعش آخر ما وصل إلينا من وراء هذا التقديس الصنمي، والله يستر من القادم إذا بقي هذا المفهوم البشري في التقديس المضلل. والله من وراء القصد.