ولادة من الخاصرة الرخوة – جاسم مراد

 

ولادة من الخاصرة الرخوة – جاسم مراد

المنطقة العربية عموما والمشرقية على وجه الخصوص ، مرتبكة وغير مستقرة ، فإذا ولدة داعش من رحم القاعدة قبل ست سنوات ، فإن ولادة تنظيم جديد من رحم داعش مهيأ له القابلة المأذونة ومكان وزمان الولادة ،

فالمنطقة العربية قابلة لاستقبال مثل هذه التنظيمات بما تحمله من افكار متشددة وعناوين سوداوية لنفي الاخر ، ومبايعة الغريب ، فهي قد عاشت مثل هذه الظروف منذ بدايات القرن الماضي ، وظلت هواجس الخوف من القريب قائمة ومتجددة ، بعضها فرضته ظروف الواقع الرسمي العربي ، والبعض الاخر كان مجموعة من التحشدات الخارجية واستقبلته الانظمة وتعاملت معه كحقائق قائمة .

هذا الوضع فرض على مجموعة النظم العربية ، وأن كان بتفاوت ، حالات من التراجع في البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية ، في حين دول مثلها من حيث التركيبة الاقتصادية والاجتماعية وزمان الاستقلالات ، لكنها كما يقولون بالمثل الشعبي مزقت الكفن وانطلقت مثل الصين الشعبية والهند وماليزيا واندنوسيا والعديد الاخر من المنظومة الاسيوية  .

داعش واخواتها ليس كما يقال تنظيما خارقا ، يستطيع أن يخترق الجيوش الوطنية والاجهزة الامنية ، ومن ثم جيوش العالم ، كما هو الحلف الامريكي ، ويحقق نجاحات كبرى ميدانية وبشرية ، وإنما في حقيقة الأمر داعش هي منظومة اجهزة دول ، وفر لها الغطاء الديني والسياسي والمالي كما جرى في العراق وسوريا ، وتمكنت فعليا من تفكيك البنى الاجتماعية ، وامتصاص الموارد الوطنية ، وتهديم البنية السكانية ، وتشريد ملايين البشر من مساكنهم وارضهم ومواردهم ، وتشويه الايات القرآنية ، وجعل المذاهب الاسلامية في حالة شك وصراع ، وتوظيف العديد من المشايخ ورجال الدين في حالة تناحر فكري ، هذا الوضع لايمكن على الاطلاق لداعش كمنظمة لاغية لكل الحضارات والتاريخ والاجناس أن تحققه في فترة زمنية وجيزة .

إن هذا الذي فعلته داعش وراءه انظمة كبرى ، واجهزة مخابراتية عريقة ، وموارد مالية هائلة ، وحواضن اجتماعية رخوة لاستقبال مثل هذا الفكر والالتحاق به كممارسة ميدانية ، من هنا يمكننا القول إن تراجع داعش واخواتها في كل من العراق وسوريا ، وحتى الاعلان عن القضاء عليها اعلاميا ، لايعني ذلك تم القضاء على داعش ، وإنما في حقيقة الامر ستولد من جديد داعش اخرى ، بشكل اخر ، وثوب غير اللباس الاسود الذي عرفت به داعش ،  واسلوب جديد في العمل والممارسة .

فما دامت داعش المتوحشة لم تحقق كل الاهداف ، فان داعش الجديدة ، لها مايؤهلها لاستكمال الصفحة التالية في المنطقة ، صفحة تفكيك الدول الى كانتونات سياسية ، صفحة الصراعات لامتصاص المخزونات المالية ، وصفحة الاختلافات والتناقضات وقد يجوز الصراعات بين اخوة الامس .

المفاهيم الدولية والكارتلية العالمية لايخدمها استقرار المنظومات الوطنية ، وحتى تلك المتحالفة معها ، فالاستقرار يولد العلاقات ، ويخلق فرص النمو والعمل ، ويؤسس لثقافات متبادلة ، وعلاقات مع منظومات دولية ليست استعلائية وقابلة للتعاطي معها ، ويعزز هيكلية الدولة ، وهذا الامر ليس في وارد تلك المفاهيم  الدولية ، والشركات الكارتلية ، والمنظومات الامنية والاستخبارية العالمية .

لذلك فان الداعشي الجديد الذي سيولد من خاصرة هذه المنطقة هو كما نعتقد كيانات سياسية عرقية ومذهبية وقومية متزمته ، فالمشروع القادم له ادواته في العراق وفي سوريا وفي بعض المنظومات العربية والاقليمية ، وإذا كان البعض في الوقت الحاضر مترددا في استقبال هذا المشروع ، فأن الالية الدولية والحركة النشطة لاجهزة المخابرات المزروعة في كل مكان تحفزه لاستقبال هذا المشروع والعمل به .

يخطأ من يظن بان طرد الدواعش المتوحشين من الارض ، لايمكن أن تولد من رحمها داعش جديدة ، فمشروع التهديم لكيانات المنطقة العربية لازال قائما ، وولادة دويلات أو كانتونات سياسية وزرعها لازال قائما ، فكل المنظومة العربية مهددة ، وان يكون العراق وسوريا اولهما ، لكن الاخرون مرشحين ، فالمشروع قائم وادوات التنفيذ موجودة ، بعضها ساكت الان ينتظر لحظة الظهور ، وبالبعض الاخر اعلن عن نواياه ورغبته بالانفصال .

نحن لانطرح استراتيجيات المواجهة ، بقدر مانتشوف المخاطر ، وهذا يحتم على اصحاب القرار تغيير المنهجية السياسية السابقة الفاشلة ، وانتهاج اسلوب عمل جديد ، يعتمد على الوطنية ، وتعزيز كيانية الدولة ، والتخلص من الطفيليات المضرة ، نحن محاجة الى وطن قوي ، وادوات مخلصة عاملة وبناءة ، أما البقاء على الحال كماهو فان ولادة داعش من الخاصرة الرخوة سيتم ، مادام القابلة المأذونة موجودة .