ولادة متعسّـــــــــرة

مواضيــــــع للحــــــوار   -3-

 

ولادة متعسّـــــــــرة

 

 

سليـــم الـــوردي

 

 

ولد المجتمع العراقي المعاصر خديجا، ولم تتولّه بالرعاية حاضنة سياسية رؤوم . خدجت المرأة : القت ولدها ناقص الخَلق قبل تمام ايامه ، فهو خديج . فلم ينشأ في رحم الحكم العثماني جنين مشروع وطني عراقي ، ونشأ على عجل في رحم الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الاولى ، فجاءت الدولة العراقية الوطنية خديجة قبل ان يتم خلقها . وكان لا بد لهذا الوليد ، الخديج من حاضنة سياسية ترعاه وتكفل له متطلبات الحياة والاستمرار .

 

  قد تستغربون اذا قلت لكم اننا ننتظر ولادة المجتمع العراقي المعاصر منذ ما يربو على تسعة عقود ، وما نزال ننتظر الوليد لهذه الولادة المتعسرة . قد تقولون لماذا لا نلجأ الى العملية القيصرية ؟ لقد قام الاحتلال الامريكي العام 2003 بالعملية القيصرية ، وها نحن منذ اكثر من عقد نحصد نتائجها الكوارثية .

 

  ان ولادة الدولة العراقية الحداثية –  كانت وما تزال –  تحتاج الى وعي تاريخي عميق بواقع انقسامات المجتمع العراقي وتناشز مكوناته . ولم يتمتع بمثل هذا الوعي الّا الراحل الملك فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية المعاصرة . اما الزعامات التي توالت على حكم العراق بعده فكان ينقصها مثل هذا الوعي ، فراحت تتخبط في شعاراتها ورؤاها الخيالية وطموحاتها الطائشة ، فلم تصب هدفاً .

 

  يشفّ دستور سنة 1925 عن التطلعات الحداثية للملك فيصل الاول لتأسيس دولة عراقية مدنية قادرة على الحياة . ولكنه واجه واقعاً اجتماعياً متخلفاً منقسماً على نفسه . فراح يتعامل معه بحكمة ودهاء وبقدرة نادرة على المناورة والمساومة والمراضاة . ولذلك مرّ حكمه الذي استمر 12 سنة من دون مفاجآت مأساوية . وبرحيله في ايلول 1933 اختلت موازين الحكم في العراق ، وتفككت الحاضنة الرؤوم التي كانت ترعى بحرص الوليد الخديج . عندها تحكّم بمقاليد السلطة سياسيون تحدوهم شهوة التسلط والاستئثار ، معتمدين على ضباط من الجيش مندفعين لبلوغ اهداف اكبر بكثير من واقع الدولة العراقية الناشئة . ولاحقاً صار الضباط يعملون لحسابهم ويتحكمون بالسياسيين .عندها توالت حلقات المسلسل الانقلابي التي بلغت عشرات المحاولات (الناجحة منها والفاشلة ) . وترسخت العقيدة الانقلابية لدى القوى السياسية المعارضة . ومثّل ذلك نكوصاً في مسيرة المجتمع المدني في العراق . ما زلنا نعاني من ويلاتها للآن .

 

  ان الحاضنة المدنية لرعاية الوليد الخديج التي كان يتطلع لها الملك فيصل الاول حّلت محلها بساطيل العسكر العراقي . وحين اخفقت جاءت في 2003 بساطيل العسكر الامريكي ، ليبدأ فصل جديد من الولادة المتعسرة للدولة العراقية المدنية ، والتي نعيش اليوم مسلسل ازماتها .

 

   فبماذا يتمثل الاطار العام لهذه الازمات ؟ انها ازمة عامة على مستوى المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة .

 

   ان خير من عرف الازمة السياسية والاجتماعية هو المفكر الايطالي الثوري الشاب انطونيو غرامشي    ” 1891 –  1937 ” انها:

 

” مــــوت القديــــم وتعسّـــر ولادة الجديــــد “

 

   في المجتمعات الساكنة غير المنتجة –  كمجتمعنا –  يموت القديم ببطء ، ويولد الجديد ببطء اكبر . ولا غرابة في أننا بعد زوال الحكم العثماني بزهاء قرن ما تزال دوائرنا الحكومية تعمل بنفس ذهنية الحكم العثماني .

 

  حاول العراقيون في العقود الاولى من الحكم الوطني الانخراط في العمل المنتج فأنتعشت الزراعة ، وتنامت صادرات العراق النباتية والحيوانية زهاء سبع مرات للسنوات 1921 –  1951 . ولكن ذلك النمو المبارك تراجع الى الخلف بعد ان ارتهن الاقتصاد العراقي بعوائد النفط ، وصار العراقيون منذ ثمانينيات القرن الماضي يستوردون زهاء 80 بالمئة من المنتجات الغذائية بشقيها : النباتي والحيواني . كان العراقيون يملكون زهاء 33 مليون نخلة في خمسينيات القرن الماضي حينما كان عددهم اقل من 7 ملايين نسمة .

 

والان بعد ان أصبح عدد نفوسهم يناهز 35 مليون نسمة اصبح عدد النخيل الذي يملكون اقل من 10 ملايين نخلة ضعيفة الانتاجية .

 

 كيف ترجو من رجل يتراجع في مشيه الى الوراء ان يبلغ مقصده في الأمام.

 

   انها ولادة متعسرة للعراق الجديد الذي نصبو اليه ما دمنا نرهن مصائرنا بعوائد النفط .