
قصة قصيرة
ولادة عسيرة – منار عبدالهادي
هناك لحظات يتساوى فيها شعور الانسان , اذ يتساوى شعور اليأس مع شعور الامل , الفرح مع الحزن , التوتر والارتياح , الحب والكره , تحاول ان تجد نفسك بين دوامات تلك المشاعر التي تظهر فجأة في اكثر اوقاتك عزلة وتأمل لكن لا تستطيع , ستبقى تئن من شدة الوجع , في ذات الوقت ستغمرك نشوة غريبة تنقلك الى عالم لا تعرف كنهه وتود لو تسبر اغوار ذلك العالم لتعرف ما انت فيه , فقدان المعنى احدى اكثر المشاكل التي تعتري تلك اللحظة الفاصلة ما بين اكثر اللحظات اجتماعية . من انت وكيف ومتى .. تساؤلات تصدع رأسك وتود لو تستطيع الهرب من جسدك بعيدا عن ذلك الالم . تضغط على صدغيك بكلتا يديك لعلك تشعر بشيء من التحسن , لكن لا مناص من الالم . انت تحب لكن لا تعرف من تحب . تكره ولا تعرف من تكره . الام انت متوتر ؟ لا تدري ! هل هناك مدعاة للفرح او الحزن ؟ كلا ! انت لم تذق طعم الكحول ومع ذلك تشعر بالثمالة الى حد ما , تمسك القلم الذي يتوسط الورقة البيضاء , تكسره بأبهامك وترميه بعيدا , لا تسمع صوت ارتطامه على الارض . تنظر الى الورقة تجد جملة خطت بيدك “بحث عن معنى الوجود ” متى كتبت ذلك تتساءل مع نفسك . يزداد الالم اكثر . تجول ببصرك بارجاء المكان بحثا عن مهرب لكنك لا تجد غير فراغ كبير يشغله وحش الظلام الدامس والذي يمنعه من الاقتراب منك بصيص نور من شمعة احترق نصفها كان موضوعة امامك على الطاولة . تشخص عينيك في تلك العبارة “بحث عن معنى الوجود” . تحاول ان تتذكر شيء , وقت قدومك الى هذا المكان , الداعي منه , لكن دون جدوى تسمع همهمات من بين الظلام “انت .. ابحث عن معنى وجودك ” يتردد الصدى في الارجاء . لا تدري من اين ياتي الصوت والى اي مدى يمتد ذلك الظلام ” انت .. ابحث عن معنى وجودك ” يتكرر الصوت ثانية . تمسك شعرك المجعد الكثيف بيدك اليمنى وتشده بعنف محاولا الاستفاقة من الكابوس , يسقط الشعر بين يدك لتكتشف بأنك اصلع , تقف مشدوها فلا تدري منذ متى وانت تستخدم شعرا مستعارا . ترمي كومة الشعر بعيدا تصرخ لكنك لا تسمع اي صوت , تحاول تفحص المكان , تسحب الدواليب الثلاث لكنه فارغ بأستثناء الدولاب الاوسط , كانت هناك ورقة بيضاء مسودة بعبارة “بحث عن معنى الوجود ” اضافة الى قلم وشمعة لم تستخدم بعد . تدرك الا وجود لولاعة او علبة ثقاب , تتساءل من اوقد الشمعة . تنظر الى اسفلك فلا ترى قدميك تحاول ان تتحسسهما لكن دون جدوى , لا يتحرك سوى نصفك العلوي فقط. انت مقيد الان , تشدك قوة ما الى شيء غامض يحاول الغوص بك الى عوالم اكثر سوداوية , تختفي الظلمة وتشاهد اناس يهرعون الى مكان ما وسط النهار , تركض باتجاه الهدف فتجد اشلاء بشرية متناثرة وعليها علامات شواء , تتعثر بيد مقطوعة , اه انها اليد ذاتها التي صفاحتها المساء الفائت حين انهينا انا وعدد من العمال عملنا في بناء احدى المنازل . لم ينتشل احد الاشلاء بل قام الكثير بالبحث عن اموال وقطع من الحلى وسرقتها , هنالك صور ممزقة لشخوص كاحلة , شعارات تدعو لافكار متنوعة تشوه صفاء الجدران . وطفل بثياب بالية يبيع الماء بين المركبات لا يبالي لما يحدث . مئات الاسلاك تحجب عنك رؤية السماء وجعير مولدات الطاقة الاهلية وصراخ المارة وابواق السيارات يمنعك من التنعم بشيء من الهدوء .
في مكان اخر تجد نفسك تسكن في بيت صفيح , تروي عطشك من الماء الاسن وتنير ظلمتك بمصباح نفطي صار قبلة لحشرات المستنقعات الطائرة . تنام على رائحة العفن وتصحو على نباح الكلاب , تشعل سيكارة وتحدق الى بنتيك وابنك الصغير وهم نائمون وحفيدك الذين مات ابواه بتفجير انتحاري وكان هو الناجي الوحيد وتتساءل هل ساعثر على عمل هذا اليوم ؟! ثم تشيح ببصرك الى تلك القصور البعيدة والتى حضر اصحابها قبل مدة لتوزيع اكياس البطاطا وبعض البطانيات على جيرتك مقابل ان يقسموا باختيارهم يوم يقوم الحساب .
ترجع قليلا الى الوراء , انه الجوع . لكن اياك ان تقولها .. نعم اياك . فقولك باني جائع قد يفسر سياسيا بانك تنادي بالثورة ضد النظام فتجد نفسك تعذب في اقبية الامن بتهمة الانتماء الى تيار ما , هو نفسه الذي وصفك بانك عميل لهذا النظام حين طلبت حقك منه وتظاهرت مع مئات الجياع ابان النظام التالي . لا فرق بينهم سوى الثياب وبعض الشعارات التي يتشدقون بها ليل نهار .
لقد بدأت معك من كهولتك وانت قريب على حافة الموت هل تريد المضي اكثر نحو حاضرك ؟ اذن فالتبق صاغيا تتامل كلماتي . انها الحرب الاولى التي تشارك فيها بعد بلوغك , فلنبداها من طريق الموت , تهرب برفقة عدد من الرفاق احدهم تزوج للتو والاخر هو الولد الوحيد لعائلة من الكهول واختان صغيرتان , تنزل عليكم النيران من السماء تحاولون الهرب لكنكم تبقون مرئيين لذلك الطيار الذي يستمتع بموتكم , يموت رفاقك وتجرح انت , ولولا المصادفة لكنت من الغابرين , وما كنت تزوجت من ابنة عمك التي اجبرت على الزواج منها بسبب تقاليد ذويك القبلية والذين فرضوا رأيهم رغم كبر سنك . اتذكر مرحلة الجوع ؟ ها انت الان في مرحلة الخوف . ما حياتك سوى مراحل من المشاعر السيئة . تشاهد عددا من الجنود يسلمون انفسهم الى العدو , لو كنت تعلم بانهم سيصبحون معارضين وقادة في المستقبل لكنت ذهبت معهم ولسكنت تلك القصور ولقمت انت بتوزيع اكياس البطاطا تلك . ليس عدم العلم هو ما منعك , بل الخوف .
قوافل من النعوش الملفوفة بالعلم تمر من امامك كل يوم , تستمع الى صراخ الثكالى وانين الكبار وهم يندبون الزمان لفقدهم فلذات اكبادهم . جارك ماجد الذي تزوج منذ فترة ليست بالبعيدة ها هو جسده مسجى وسط النعش تتلاقفه اياد المشيعيين , تذهب زوجته الى منزل ابيها غير ابهه بعد ان حصلت على قطعة ارض وسيارة وهبتها لها السلطة الحاكمة لقاء ترملها وصارت تستقبل وفودا من الخاطبين الطامعين . تزوجت وصارت ام وصار ماجد كومة عظام انتهت الديدان من الاحتفال بها في ظلام القبر العميق . اما جارتك ناهدة يلعب بها الزمان وتصبح عاهرة لتعيل وليديها بعد تسجيل زوجها في قوائم المفقودين واستغلالها من قبل بعض افراد الحزب الحاكم لتجد نفسها مومس في احد المواخير . الوحيد الذي خدمه الوضع هو قريبك سعد الذي التحق بصفوف الاعداء وصار يقاتل معهم ضد ابناء جلدته , اتتذكر القصور التي اخبرتك عنها ؟ هو الان احد رجالات الحكم ويسكن احد تلك القصور . تنتظر برعب تخرجك في الجامعة ليتم جرك الى ساحة الحرب الا انها من حسن حظك تنتهي قبل ان يأتي ذلك اليوم المشئوم . لكن لا تفرح كثيرا فقد رفضت جميع دوائر الدولة توظيفك بسبب سعد الذي وصلت اخبار التحاقه بجيش الاعداء الى مسامع السلطة وها انت تعاقب بجريرته .
اما زلت تنوي الخروج والعيش بمثل هذه الحياة ؟
طفولتك ليست احسن حالا من شبابك وكهولتك , تجاذبات سياسية هنا وهناك , الخوف من النطق بكلام قد يفسر بانه ضد السلطة , وامتلاء اقبية الامن بسجناء الفكر . في ذلك الصباح تفيق على نحيب والدتك , يخبرك ابوك ان خالك قد فارق الحياة وهو تحت التعذيب بعد ان تم اعتقاله بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي .
اخبرني اما زلت تريد الخروج الى هذا العالم ؟
– لكن من انت ؟
انا ذلك العالم بقصص الاولين والاخرين , اعلم بمجرد خروجك من هذا المكان سيتم رسم ملامح حياتك كلها , اسمك , دينك , طريقة تفكيرك , لن تكون حرا ابدا مهما حاولت ان تقنع نفسك بامر مغاير , وستدافع عما يتم تلقينك اياه وتعتقد انه الصواب المطلق وتهاجم كل من يختلف معك , وكذلك سيكون الاخرون من حولك .
اتسمع الاصوات في الخارج ؟ انهم يحاولون اخراجك من هذا المكان اللزج والمعتم , هيا حدد قرارك بسرعة .
– ما الذي تريده بالضبط فانا لا افهم مقصدك ؟
ان كنت تريد الحياة التي اخبرتك بها , فاطلب مني الرحيل الان وتمتع بايادي النسوة التي ستتلاقفك في اللحظات القادمة , ستقول احداهن بانه يشبه اباه الذي سيورثك البؤس اما الاخرى فستدعو لصديقتها التي تنظر اليك بحسد لعدم قدرتها على انجاب الاطفال بان يرزقها الله طفلا مثلك . هيا احسم قرارك .
تتعسر الولادة ويخرج الطفل ميتا …

















