وضعت لغير ذواتها الأسماء

وضعت لغير ذواتها الأسماء

وجهت لي دعوة من قبل اقاربي الساكنين المنطقة الخضراء لزيارتهم  مما بعث في نفسي الرغبة والشوق لمشاهدتها . وبصدق الحكمة المأثورة: (لاتقل لي شيئا ودعني أرى) حتى يستقل المشاهد في اطار ما يعن له من ألوان التأمل والأدراك

وزيارتي هذه كان لها صدى استحسان وتقدير من قبل اقاربي , ولكن الاستحسان لم يكن محضا والتقدير لم يكن خالصا بل كان يشوبه كثير من الكدر بالنسبة لي لا لتقصير في الضيافه بل للوهم الذي نتصوره بما نسمع عنها وينقل ألينا . فحين تذكر هذه المنطقه فأن كثيرين منا – بل كلنا – تخفق قلوبنا رغبه في زيارتها لالحب من سكن الديار ولكن لحب رؤيتها

وتجربة المشاهدة تثبت انه لاقيمة لأي اقوال اذا لم تكن كلماتها مقياس حقيقا للقدرة الفعلية في الحكم الصائب الذي يفضح في الحقيقة اكثر مما توارى لأن الاسم قد اضفى على المنطقه رداء (الخضراء) وناهيك بهذا الاسم من كراهية للشعب له .

وحسبت اني استطيع ان اصل الى حيث اريد بخطوة واحدة بعد ان انطلقت بي السيارة الفارهة في طريقها مطمئنة مسرعة الى من احل عليه ضيفا.

وما ان تجاوزت الابواب ذات المطبات الكثيرة ونقاط التفتيش المنتشرة في كل مكان تولاني ضرب من السرور وسرى الى فؤادي نوع من الزهو واشرقت اسارير وجهي وانا ادخلها لاول مرة لأني اعتزلت الناس من ابناء جلدتي ولو الى حين وبسبب ما صار بين ابناء شعبي الذين تركتهم وبين ارض الخضراء من حيث لا اشعر وكأني اسبر الاغوار في طلب الحقيقة دون ان ابالي بما يعترض سبيلي من مصاعب في البوابات والسيطرات ولولا توقفي عندها لتخيلت ان السياره ثابته في موضعها من الارض لانها حديثة مضللة ولأني اعتدت ان اركب سيارة لاتتحرك من مكانها الا بمساعدة الاخرين دفعا

والان وقد قطعت هذة الرحلة التي لم تكون سهلة بين شوارع ومسالك الخضراء ومعالمها واجتاز بها ماكان يتوهمه ابن بلدي جنة وارثه فلا بد لي ان اتلبث قليلا عند هذه الغالية واستعيد مااعوزني طوال هذه السفرة هذه الارهاق من السؤال والتدقيق

ولكن خواطر كانت تضطرب في رأسي حالت بيني وبين هذه المنطقة التي يجب ان تتبوأ مقام الصدارة وان تكون في طليعة الاماكن الاكثر نظافة وجمالا  الا اني وجدت – في خلال مشاهداتي وفي غضون اقامتي – امورا مااراها تتفق وسكانها وتنسجم مع تسميتها (الخضراء) ورأيت مابعث في نفس العزمه والآراده على ابداء ملاحضاتي حولها . فأن اصبت فذلك مااريد وان اخطأت في حكمي فأستميح العذر من الله ومن سكانها نواب ومسؤولين .

فسكان مجمع القادسية وهم من النواب والمسؤلين في الدولة ابوا الا ان يجعلوا مجمعهم جزءا من البلد في الاهمال ورأيتهم بين مترف اوصلته الانتخابات الى ماهو عليه او بين من اوصلته المحاصصه فأصبح شبعان حد التخدمه من المال دون ان يتدخلوا في ما يحيط بهم من اهمال في مجمعهم

ورأيت الوجوه غير الوجوه والقلوب غير القلوب والانسان اليوم غير الانسان بالامس تغمرهم الحضارة بتقدمها فينقادون خطوات مقلدين لا مبتكرين وتأبى عليهم طباعهم الا ان يعودوا القهقرى فأذا سجاياهم سجاياهم ونفوسهم نفوسهم كأنما جبلوا من طينة اسمها (سنة الله) لاتحويل لها ولاتبديل وهم على حياتهم وعاداتهم بقبولهم الامر الواقع .

لذا اردت ان انقل ماسمعت ورأيت نقل المحدث لا المؤرح والمصور لا الكاتب متحرسا بأفراد الحقيقة كما هي عارية مجردة ولو استطعت لآخذت بين القارئ اريه ما وقعت عليه عيناي واسمعه ما وعته اذناي على ان الخبر قد يغني عن الاختبار وفي المشاهدة ما قد يغني عن الرواية كما يقال

وقبل ان ينتابني الشعور بالصدمه عدت الى نفسي وبدأت استشعر عمق جراحات الشعب وألامة متساءلا هل انا في طيف من اطياف الاحلام التي تنكرها العقول وان تراءت للعيون فتريني هذه العيون مــا لا اظن ان يكون في هذه المنـــطقــة وكيف يكون وسكانها لايرفض لهم في البلد قرار.

أمعنت نظري من الطابق السابع الى الارض الممتدة شمالا والتي لايفصلها الا سياج والا بضع نخلات كأنها من نخيل السماوة والعهده على من يغني

( كرب وسعف ظليت مابيه تمره) فأذا تلال من القمامة القديمة واطنان من مخلفات البناء.

اما في وسط المجمع وتمنيت ان يكون ابن بطوطة حاضر معي لنسهم في الوصف معا. حديقة تشغل مساحة صغيرة ارضها قاحلة يحيط بها الاهمال من كل جانب في ارجوحتان او ثلاث احسنها لامقاعد يجلس عليها وبضع العاب بلاستيكية ذي اعمدة نخره لاتصلح حتى للطيور ان تحط عليها والماء الآسن يغمر جزءا من مساحتها اما الاجزاء الاخرى فهي عباره عن اثار ممرات فرشت الارض المحيطه بها ببقايا لباد ذي لون اخضر ليوهم الاطفال انه عشب نظر لم يتبق منه الا خيوط واهية. وعلى مقربة من هذه الحديقة بقايا نافورة مهملة تصلح ان تجمع فيها النفيات .

ولكن رغم ذلك تضافرت قوى الاطفال والجرذان معا لتصارع بقايا هذه المسماة بالالعاب وهم يستقرون في مكان مما بهم من نشاط ومرح ولكنهم يثبتون في مواقعهم حينا وكأني بهم يتساءلون : الم يكن المسؤلون هم آباء نا ؟ فلماذا هذا الاهمال ؟! انظر اليهم كيف تركوا هذه الساحة وكأنهم وجدوا الاجابة من بعد ما اجهدوا قواهم سعيا وطلبا للذة التي ينشدونها في هذه الالعاب فيعودون بعد الاخفاق الى السعي والعدو ال مايسمى بـ (سوق المجمع)

فتبعتهم وكأني أودي هوايه لذيذه الى نفسي فوقفت برهة وجيزة وقفة الحائر المتردد مفتشا بين انقاض الحديقه اختلس اسباب خرابها لاورد اعذارا لحالها لان طالب الحقيقه لايكفي ان يكون مخلص في قصده بل عليه ان يترصد اخلاصه ويقف موقف المشكك فيه .

ثم مالبث هؤلاء الاطفال ان تفرقوا وهم ينظرون الي وكأنهم ينعون حال مدينة ألعابهم وشخصت ببصري الى حيث يمكن ان يرى فأذا السوق لم يكن احسن حالا من جارته مدينة الالعاب !

عندها تذكرت والدي رحمه الله عليه عندما أصيب بمرض تطلب علاجه الذهاب الى احدى المؤسسات الطبية في بغداد . وما ان دخلنا هذه المؤسسة حتى صاح بي غاضبا : ارجعني الى حيث اتيت بي وكان مرضه لاشفاء يرتجى منه فتجمع الاطباء ومنتسبوا هذه المؤسسه عند سماعهم مااخذ  يتكلم به بصوت عال والسبب اني بحثت له عند عربة لانقله بها الى الداخل فلم اجد عربة صالحة فقال لي بالحرف الواحد : ( ان المستشفى الذي لايستطيع ان يصلح عربات المرضى اترتجي منه ان يداوي مرضاه ويشفيهم ) .

وبعد ان اصبح للتعب وحر الشمس في جسمي نصيب اخذت على نفسي العهد بأني لااشاهد اكثر من مما شاهدت ولفظت زفيرا يحمله الصدر من ألآم لما شاهدت ولو كان لساني يقول شيئا فيسمعه من في المجمع لقلت : لماذا هذه الاساءه الى الجمال الذي رسم بأيد أجنبيه عند بنائها المجمع ولماذا هذا الاهمال. لقد جاءت هذه المقالة اقرب الى الملاحضات منها الى النقد الذي يحتاج الى كثير من التتبع حذار ان نتجاوز خطوط الصدق في مانكتب ومانعرض في ما رأيناه حتى لانكون قد ظللنا في تبيانه . وليس في مانكتبه مجال لمناقشه الساسه والمسؤلين وكيف يجب ان يكونوا .

 العنايه والاهتمام !

ســعد عبــادي احــمد –  كركوك