ورطة وراءها: عذاب كشمش آل عنبر 16 – عكاب سالم الطاهر

ekab

ورطة وراءها: عذاب كشمش آل عنبر   16 – عكاب سالم الطاهر

عام 1989، جمعني لقاء ممتع ومفيد مع شخصية مثيرة. تم اللقاء في مضارب قبيلة آل فتلة في ريف المشخاب، ولهذا اللقاء قصة ارويها نقلاً عن اوراقي القديمة: من بغداد انطلقت مجموعة ضمت (الصحفي عادل العرداوي والشاعر فلاح هادي الفتلاوي، وانا). كانت وجهتنا مدينة المشخاب لاداء واجب اجتماعي في حسينية  المدينة.

الدلال والقهوة

في ذلك الزمان والمكان، التقطت عدسة العين ملامح شخصية تسقي الحاضرين القهوة الحالكة السوداء بطريقة متقنة. كانت القهوة من حيث النوع والكم وطريقة التقديم وصوت (الدلة) حين تضرب الفنجان بطريقة سريعة لافتة للنظر، كل ذلك كان منظراً ذا طابع تراثي اصيل تتباهى به الدواوين والمضايف. لذلك بقيت الاحق هذا (النموذج) الفولكلوري. وكان طلب القهوة بشكل متكرر، وسيلة للاقتراب منه. هنا دخل طلب مقابلة (عذاب كشمش آل عنبر)، وهي الشخصية التي قدمت لنا القهوة، على مفردات جولتنا.

نهر اجحات

ليلاً، باتت المجموعة القادمة من بغداد، في بيت الشاعر (تركي آل حسين الفتلاوي) في مضيفه العامر على ضفة نهر (اجحات). وهو احد تفرعات نهر الفرات حين يجتاز مدينة المناذرة (ابو ضخير). وبقي اسم النهر محفوظاً في ذاكرتي. وقد وقفنا (العرداوي والمهندس عبد الكريم جودي قائممقام قضاء المناذرة، وانا) يوم السبت (30/4/2016) عند صدر نهر (اجحات) حين يتفرع من نهر الفرات في مشارف مدينة المناذرة.

صباحاً، توجهنا نحو دار الحاج عبد الواحد السكر، ابرز قادة ثورة العشرين وكنا بمصاحبة كريمة من الشاعرين: تركي آل حسين، وفلاح هادي الفتلاوي. وهكذا نحن الاربعة، قصدنا مضيفاً يستقر في مضارب آل فتله. هناك كان باستقبالنا (عذاب كشمش آل عنبر).

مدحت ورفعت

سألت (ابو مدحت) عن خلفية هذه الكنية، فأجاب عذاب كشمش: رزقت بولدي الاول فسميته (مدحت) تيمناً- كما قال- باسم (الشهيد مدحت الحاج سري). بينما سميت الابن الاخير (سلام) تخليداً لوقف الحرب بين العراق وايران. قالها عذاب كشمش كالتالي: لأن وكف التفك).مع وقف (التفك)، يكون عذاب قد انجب عشرة ابناء، تسعة من الزوجة الاولى، وواحد من الثانية. ويصر على القول: رقم (11) بالدرب!!. وعندما عرف انحداري المديني، قال عذاب كشمش: اهل (سوك الشيوخ) ملائية ومكاتب. ومن ذكرياته يقول: انه قدم القهوة للملك فيصل الثاني عندما زار المشخاب عام توليه العرش مع خاله عبد الاله.طال الحوار مع ابو مدحت الذي لا يكن وداً للشاعر المتنبي بسبب هجائه السود، وعذاب كشمش منهم. وعدت الى بغداد ودفعت وقائع الحوار الى جريدة (الاتحاد) البغدادية وقد نشرته اواخر عام 1989، تحت عنوان: عذاب كشمش آل عنبر.وخلف اللقاء مع عذاب، وكتابته، ونشره، تداعيات ووقائع ذات خطورة، لم اتحدث عنها مطلقاً لخطورتها. والوقائع التي اكشفها الان تقول: عام 1970، اتهم (النظام) آنذاك الشخصية المعروفة (مدحت الحاج سري) بالاشتراك في محاولة انقلابية، وتم اعدامه. لكن عذاب كشمش تجرأ وسمى ولده الاول (مدحت)  تيمناً- كمال قال- بالشهيد مدحت الحاج سري. وعندما ذكر عذاب هذا الاسم لي، لم ادقق فيه، وذهب بي الذهن الى شقيقه (العقيد رفعت الحاج سري) وهو من مؤسسي حركة الضباط الاحرار، ومدير الاستخبارات العسكرية في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم. وقد اعدم العقيد رفعت الحاج سري عام 1959، بعد حركة عبد الوهاب الشواف في الموصل مطلع ذلك العام. هكذا اذن: عذاب كشمش.. يخلد (الشهيد مدحت)، وذاكرتي تذهب الى (الشهيد رفعت)، وهذا التداخل كان يمكن ان يوصلني الى (الف داهية)، كما يقال !؟، لأنني كتبت بشكل ايجابي عن شخصية تعادي النظام واعدامها النظام.

دائرة الرقابة والمساءلة

نشر مقالي في الجريدة، وهنا قامت القيامة ولم تقعد: وزارة الاعلام ورقابتها تتساءل. سئل نائب رئيس التحرير الصحفي ليث الحمداني، وبدوره سأل مسؤول الصفحة الصحفي رشيد الرماحي، فنفى مسؤوليته. وتدحرجت كرة الاتهام نحوي. وهكذا توجهت نحو دائرة الرقابة بوزارة الاعلام. كان هناك لوم لي على هذه (الغفلة). وكان موقفي الاعلامي والسياسي ضعيفاً جداً. فعلى افتراض حسن النية، لا يصح ولا يقبل ان اكتب، بشكل ايجابي، عن شخصية مناوئة للنظام، وقام باعدامها. تلك هي السياقات الاعلامية المتبعة، والتي حرص النظام واعلامه على تنفيذها ولا يتهاون مع من يخرقها. كان هناك لوم شديد لما قمت به. ولو لا افتراض حسن النية والغفلة، لكان الحساب يتعدى اللوم. كان مدير رقابة المطبوعات، في حينها، الصحفي مؤيد عبد القادر، الذي تفهم موقفي، وقلل من تداعيات هذه (الزلة) الاعلامية وابلغني بنشر توضيح لما حصل في العدد القادم من جريدة (الاتحاد). ولم اكن راضياً عن موضوع (الايضاح) لانه قد يثير الاهتمام مجدداً ويشجع (كتبة التقارير)، وهو ما يضرني ولا ينفعني.ومع ذلك نشرا في نهاية عمودي القادم، ايضاحاً مختصراً جاء فيه: (ورد في عمودي السابق اسم (مدحت) والصحيح رفعت..). ومرت هذه الغيمة بسلام. رحمك الله يا عذاب.. يا ابا مدحت لقد ورطتني دون ان تقصد.