ورشة لصناعة رئيس الوزراء – ياس خضير البياتي

هاشتاك الناس

ورشة لصناعة رئيس الوزراء – ياس خضير البياتي

إذا كنت تعتقد أن رئيس الوزراء في العراق يولد من رحم «ديمقطاطي» … فأنت طيب القلب بلا أمل. هنا، لا رحم ولا ديمقراطية ولا حتى ولادة. هنا لدينا عملية “استنساخ سياسي” تشبه إنتاج الدجاج المجمد أكثر مما تشبه ميلاد قائد دولة.

فكرةُ الانتخابات ليست أكثر من ديكور مُعلّق على جدار المشهد السياسي لإكمال الصورة. أما الولادة الحقيقية فتحدث داخل غرفة مفاوضات خانقة، تشبه غرفة عمليات لكن بدون أطباء… فقط تجار سياسيون يضعون القفازات لا لحماية المريض، بل لحماية جيوبهم.

قبل إعلان اسم رئيس الوزراء، تبدأ الكتل السياسية شجارها الليلي المعروف. لا أحد يسأل: “هل الشخص مناسب؟ هل لديه رؤية؟” السؤال الحقيقي هو: كم وزارة تريد؟ وكم تريد فوقها؟ توزَّع الوزارات كما توزَّع كيكة عيد ميلاد طفل مدلل، مع فرق بسيط: الطفل لا يسرق الكيكة، أما الكتل السياسية فتسرق الكيكة والطفل والضيوف والقاعة أيضًا.

حين تنتهي الصفقات، يخرج “المولود السياسي” إلى العلن: رجل أنيق… مرتب… مرتبك…مثل طالب جديد دخل مدرسة “الفساد العالي” بالغلط. لا يعرف وزراءه، ولا خططه، ولا من جاء به، ولا من سيطرده. ولا يعرف لماذا يشتمه الجميع منذ اليوم الأول.

المسكين لا يعرف. لكنه يعرف جملة واحدة يحفظها من أيام دروس المسرح السياسي:»سنحارب الفساد.»وهو يعلم جيدًا أن محاربة الفساد في العراق تشبه محاربة الهواء…تضربه… وتعود الضربة على وجهك.

المالكي…الرجل الذي أمضى ثماني سنوات يريد العودة. نعم، يريد “ولاية ثالثة” …لأن اثنتين لم تكفيا لتسجيل أعلى رقم قياسي في “تدمير دولة خلال عقد واحد”. الرجل يأتي بابتسامة الواثق الذي يظن أن الشعب فقد ذاكرته…وهو قد يكون محقًا، لأن الشعب ما زال يسمح له بالظهور على الشاشة أصلاً. السوداني، شأنه شأن غيره، يسعى إلى ولاية ثانية، غير أنّ الإطار التنسيقي ينظر إليه نظرة الأب المتجهم إلى ابنه المندفع، فيذكّره ـ ضمناً ـ بأن مكانته لا تتجاوز حدود “الموظف” في منظومة أكبر منه. يركض نحو الولاية المنشودة كعدّاء مبتدئ، فيما خطّ النهاية ليس مرسوماً بيده، بل ترسمه الفصائل والقوى التي بوسعها أن تدفعه إلى الأمام أو أن تعثره قبل الوصول. ومع ذلك، وبمنطق الحساب البارد، قد يبدو ـ من بين من جُرّبوا – الأكثر أهلية لنيل فرصة ثانية، إن قيس الأمر بعائد التجربة لا بوعود الشعارات.

تشير المعطيات الاستقرائية إلى أنه ما لم تتوصل الكتل الكبرى إلى توافق حاسم حول المالكي أو السوداني، فإن الاسم الأقرب للعودة إلى الواجهة سيكون حيدر العبادي؛ الرجل الذي يحمل خبرة سابقة ويُنظر إليه اليوم بوصفه خيارًا وسطيًا قد يُعيد شيئًا من التوازن إلى المشهد المرتبك. وفي قلب هذه المعادلة يبقى قيس الخزعلي هو “بيضة القبان” التي قد ترجّح كفة هذا أو ذاك، إذ يمتلك القدرة على تحويل اتجاه القرار السياسي في لحظة، بما يملكه من تأثير على معادلات القوى داخل البيت الشيعي.

لكن المفاجأة الحقيقية قد تأتي من خارج هذه التوقعات التقليدية: هناك اسم مقترح لم يُطرح علنًا في وسائل الإعلام أو في الاجتماعات الداخلية، لكنه يُروّج له في الظل من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية ترى فيه الحل الأمثل للأزمة السياسية الحالية، وتعتمده كعربون لقبول استمرار العملية السياسية العراقية.

وفي النهاية، ومهما تبدّلت السيناريوهات، يولَد رئيس الوزراء العراقي كـجثّة سياسية تمشي: يتنفّس، نعم… لكن روحه مسروقة، وصوته مخنوق، وقراره معلّق بين أطرافٍ لا تُعد ولا تُحصى، لا يعرف أيّهم يملك المفتاح وأيّهم يملك القفل. والناس — بمرارةٍ تشبه الطقس — يشاهدون المسرحية ذاتها كل أربع سنوات: يتحسّرون، يلعنون، ثم يعودون إلى صناديق الاقتراع ليصوّتوا للممثلين أنفسهم، في المسرحية نفسها، وبالنهاية ذاتها… نهاية يعرفونها قبل أن يُرفع الستار.

الخلاصة الساخرة المختصرة: في العراق، رئيس الوزراء لا يأتي من صندوق انتخابات، بل من ورشة تدوير الخردة السياسية. يخرج لا ليقود الدولة، بل ليُقاد بخيوطٍ لا يراها حتى في المرآة. وظيفته الحقيقية أن يكون وسادة هوائية بين الفصائل، لا بين الدولة وشعبها.

وبالنهاية… ما يحدث ليس سياسة ولا ديمقراطية، بل كتيّب تعليمات لصناعة دمية سياسية تتحرك عند الطلب… وتتوقف عند الطلب.

yaaas@hotmail.com

مشاركة